Al - Talea
رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 الأربعاء 15-21 ذي القعدة 1419هـ - 3 - 9 مارس 1999
العدد 1367

الخطاب والـ "لا" تكامل في أوروبا: حالة فرنسا وألمانيا وبريطانيا*
(1-2)
فرنسا تعتبر الأورّبة الدرع الوحيد الفعال ضد العولمة لترسيخ دعائم الاقتصاد وتعزيز نموه

·   مؤسسات الاتحاد الأوروبي تحتل أولوية أسبق على المؤسسات القومية والمواءمة المؤسسية مع التكامل الأوروبي أرهقت فرنسا

·   فرنسا انتقلت من الاقتصاد الموجه إلى اقتصاد السوق والتكامل الأوروبي

·  ألمانيا وبريطانيا شهدتا تكييفاً مؤسسياً أوروبياً أقل من فرنسا

·  بنية بريطانيا الوحدوية تعرضت لتأثيرات أقل على مستوى الاتحاد الأوروبي لوجود حكومة مركزية قوية

·   التغيرات الاقتصادية في أوروبا أدت إلى خدمات اجتماعية متضائلة وبطالة متزايدة وموجة من الإضرابات

·    منذ الثمانينيات استطاعت  فرنسا الحفاظ على عملة قوية واختزال ملكية الدولة بالخصخصة

 

بقلم: فيفين شميدت

ترجمة: عبدالسلام رضوان

تمر عملية التكامل الأوروبي، في اللحظة الراهنة، بمنعطف حاسم، ففي الوقت الذي تتسارع فيه وتيرة التسابق نحو توحيد العملة الأوروبية، ويخاطر السياسيون برصيدهم السياسي وبالامكانات الاقتصادية المستقبلية لبلدانهم بالانخراط في الموجة الأولى للعضوية·· يشهد التأييد الشعبي انحسارا يتزايد باطراد · إذ لم يعد التكامل الأوروبي، مع تواصل تزايد نسبة البطالة وتدني المساعدات الاجتماعية، منطويا على ذلك الوعد المتمثل في قيام اتحاد بين مجموعة بلدان يحقق رخاء أعظم للجميع ويتنامى الشعور بعدم الارتياح بصورة أوضح في صفوف الذين هم أكثر تأثرا بالإجراءات التقشفية ــ وهو ما يتجلى في العدد المتزايد من إضرابات الاحتجاج على عمليات  الخفض في الوظائف وفي الإعلانات الاجتماعية، وفي الشعور العام بالاستيلاء، وفي صعود اليمين المتطرف·

وليس بامكاننا وبطبيعة الحال، أن نلقي بتبعة القسم الأكبر من التأزم الاقتصادي على التكامل الأوروبي وحده، فالعولمة والتي تتجلى بصورة أكثر وضوحا في الأسواق المالية الدولية الآخذة في الازدهار وفي المنافسة التجارية الكونية، ربما مثلت قوة أكثر فعالية فيما يتعلق بالتغير الراهن، وهو ما ينطبق أيضا على العامل الديموغرافي الذي يقضي بأن عددا أقل فأقل من العمال يتعين أن يعيل المزيد والمزيد من المتقاعدين من خلال الضمان الاجتماعي·

وفضلا عن ذلك فقد ارتبط السخط السياسي بالتداعيات السلبية المترتبة على نهاية الشيوعية ــ الانقسامات الحزبية التقليدية بين يمين ويسار ووقوع الأفكار تحت طائلة التشوش والفوضى ــ بتفاقم الفساد السياسي ، والذي أودت ملاحقته قضائيا بالعديد من السياسيين إلى السجن وبالعديد من الأحزاب إلى الخزي·

والواقع أن العديد من النقاد الأوروبيين يعتبرون المشكلات المرتبطة بعملية التكامل مشكلات مؤقتة،  ناتجة من التعديلات الاقتصادية الضرورية استعدادا للتوحيد النقدي، وأنها ستحل عندما يعود الرخاء على أساس مالي أكثر رسوخا· غير أن هناك أيضا من يحذرون من حلول الكارثة إذا ما أخفق التكامل النقدي في أن يتحقق في الموعد المحدد أو في ألا يتحقق على الإطلاق أو ــ وهو الأسوأ ــ أن يتم البدء فيه ثم يجري التخلي  عنه بعد ذلك بوصفه أمرا غير قابل للتطبيق · وفي السيناريو الأكثر سوءا، يمكن أن يعقب التفكك الأوروبي شيوع الاضطراب في الأسواق، والانسحاب من السياسات الاقتصادية الشاملة المشتركة، وتصاعد النزعة الحمائية، وانهيار التجارة عبر  الحدود· 

تكامل مؤسسي 

وفي هذا التركيز على الجانب الاقتصادي، يغفل كل من التفاؤليين والتشاؤميين عناصر أخرى أساسية بالقدر ذاته ربما عملت على تعزيز التكامل الأوروبي أو على تفعيل التفكك، إذ إن التكامل الأوروبي ليس  اقتصاديا فحسب، بل هو تكامل مؤسسي ومفاهيمي أيضا، ولا يعتمد التأييد المتصل للتكامل الأوروبي داخل كل دولة عضو في الاتحاد على التعديلات الهيكلية الناجحة في الحقل الاقتصادي وحدها، بل يعتمد أيضا على التكييف الناجح للمؤسسات القومية مع النظام الناشئ حديثا لإدارة شؤون الحكم الأوروبية، والبناء الناجح لخطاب سياسي قومي يكفل تسويغ كل من التعديل الهيكلي الاقتصادي والتكييف المؤسساتي·

ولا ريب أن النظام الاقتصادي الأوروبي المتطور، بسعيه إلى تحقيق توحيد نقدي وسوق واحدة، قد يطلب إجراء تعديلات هيكلية من جانب الدول الأعضاء، وهي  التعديلات التي فرضت بالضرورة وجود سياسات نقدية صارمة وميزانيات محكمة على الصعيد الاقتصادي الكلي·· وإزالة قيود التشريعات المنظمة، والخصخصة على الصعيد الاقتصادي الجزئي، ودولة رفاه على نطاق أضيق على الصعيد الاجتماعي الاقتصادي، على أنه لا يقل عن ذلك أهمية أن نظام إدارة شؤون الحكم الأوروبي الناشئ حديثا قد تطلب، ببناه المؤسسية شبه الفيدرالية وبعمليات صنع سياساته تعددية الطابع وبثقافة اتخاذ القرار تعاونية المنحى، تطلب تكيفا مؤسسيا من قبل دول أعضاء يغلب على بنيتها الطابع التوحيدي، وتتسم عمليات صنع السياسات فيها بالطابع  "الدولتي" أو الهيئاتي" ويغلب على ثقافة اتخاذ القرار فيها إما الطابع الصراعي أو الإجماعي، كما أن المشروع الأوروبي الطموح أبدا، برؤيته فيما يتعلق بأوروبا سياسية أكبر، وأقوى، وأكثر تماسكا وبأوروبا اقتصادية أكثر اتساما بالليبرالية الجديدة، قد دفع الدول الأعضاء إلى بناء خطابات  قومية تحدد الرؤية الخاصة لكل بلد حول  الكيفية التي يمكن بها لكل أمة أن تتوافق مع كل من أوروبا والعالم، وهو ما يكفل في الوقت ذاته تسويغ التغييرات الاقتصادية والمؤسسية المرتبطة بأوروبا الموحدة·

ورغم أن كل الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي معرضة بالقدر نفسه لتلك الضغوط "الأوروبية" فقد كفلت الاختلافات في الوضعية الاقتصادية، والتنظيم المؤسساتي، والنمط المفاهيمي ألا ينظر كل  منها إلى وزنه وموقعه داخل المجموعة على نحو متساو أو يستجيب "لتلك الضغوط" مجالا أسهل، مقارنة بالبلدان الأخرى، لتكييف اقتصاداته مع المتطلبات الهيكلية لأوروبا الموحدة، وجدت بلدان أخرى تكييف مؤسساتها مع متطلبات إدارة شؤون الحكم الأوروبية أقل إرباكا مقارنة بالبلدان الأخرى، بينما نجح بعضها في بناء خطابات قومية لتسويغ التغيير الاقتصادي والمؤسسي المرتبط بأوروبا الموحدة بصورة أسرع من البلدان الأخرى·

ومن بين القوى الأوروبية الكبرى الثلاث، كانت فرنسا هي الأكثر اتخاذا لاجراءات التغيير استجابة لضغوط "الأورّبة" EUROPENIZATION: ولأنها مرت بتحول اقتصادي ومؤسسي كبير، فإنها تخوض الآن غمار أزمة سياسة ربما كان السبب الأبرز وراء نشوئها هو أنها لم تتمكن من بناء خطاب متسق قادر على تسويغ تلك التغييرات، وفي المقابل ، كان على كل من بريطانيا وألمانيا أن تغير في نطاق أقل نسبيا: فبريطانيا استبقت العديد من التغيرات الاقتصادية والمؤسسة التي تتطلبها "الأورّبة" وقاومت بنجاح بعضها الآخر، بينما استطاعت ألمانيا حتى وقت قريب تفادي التغيير نتيجة لقوة اقتصادها وطبيعة تنظيمها المؤسسي، وقد واجه كل منهما متاعب سياسية اقل حتى الآن بسبب التغييرات التي أدخلها، نتيجة لنجاحه  في الحفاظ على خطاب تسويغي متماسك ، وإن انطلق كل خطاب من منحى مختلف، على أن بريطانيا تواجه اليوم خيارات مؤسسية كبرى فيما يتعلق بالمزيد من خطوات التكامل في حين تواجه ألمانيا ضغوطا اقتصادية كبرى، ويبقى مدى قدرة خطابيهما على إسعافهما سياسيا ينتظر الإجابة· 

تكييف الاقتصادات القومية 

منذ بداية الثمانينيات، تسارع التغير الاقتصادي بالنسبة لكل الدول الأعضاء على الصعيدين الاقتصاديين الكلي والجزئي· فقد حفز الدفع باتجاه سوق موحدة عملية "لبرلة" Liberalization الأسواق المالية، والتحرير التشريعي للقواعد المنظمة للنشاط التجاري والمالي وخصخصة الصناعات المؤممة، ومواءمة المقاييس، وولدت عملية التوحيد النقدي الوشيكة التحقق سياسات نقدية صارمة، وميزانيات تقشف، ومعدل تضخم ضئيل، ووضع حد أقصى لحجم الدين العام والعجز الحكومي، وفضلا عن هذه التعديلات على الصعيدين الاقتصاديين الكلي والجزئي فقد حدثت تغيرات في مجال الأعمال وعلاقته بالحكومة والقوى العاملة· فالشركات الكبيرة أصبحت أكبر حجما، وأكثر توزعا من الوجهة الجغرافية في عملياتها، وأكثر "أوروبية" "إن لم يكن أكثر دولية" في نطاقها، ومن ثم فهي أقل حاجة لا إلى إيجاد تسويات مع عمالة الماضي فحسب بل ومع الروابط الوثيقة تقليديا مع الحكومات القومية أيضا - حتى لو لم يكن ممكنا اعتبارها " لادولتية" كلية، إذ تظل ارتباطاتها السياسية الرئيسة، وسماتها الثقافية المميزة، وقاعدتها الاقتصادية قائمة على ركيزة قومية·

غير أنه ورغم أن هذه التغيرات قد نشأت عنها إجمالا اقتصادات أكثر عافية ونشاطات أكثر تنافسية في حقل التجارة والأعمال فإنها أدت أيضا إلى خسارة مصاحبة في القدرة على الصعيد الاجتماعي الاقتصادي فقد واجهت أغلب البلدان الأوروبية خدمات اجتماعية متضائلة وبطالة متزايدة، وشهدت نتيجة لذلك موجة مطردة ومتسعة النطاق من الاضطرابات و "أو" من الشعور العام بالاستياء، وكفل النظام الصارم للتكامل النقدي الأوروبي جنبا إلى جنب مع ضغوط الأسواق المالية الكونية أن تحتل دولة الرفاه موقعا أقل أهمية من الدول التنافسية، نظرا  لأن الحكومات أصبحت تبدي اهتماما بقيمة أموالها وبتوجهات الأسواق اهتمامها برفاهية مواطنيها· 

الأوربة ضد العولمة 

ومن بين الدول الثلاث الأكبر في أوروبا، كانت فرنسا هي التي شهدت التحول الأكثر أساسية استجابة للضرورات الاقتصادية الأوروبية· ولأنها كانت أكثر قابلية للتأثر بقوى السوق الكونية والأكثر تعرضا لتحديات المنافسة الدولية مقارنة بكل من ألمانيا وبريطانيا، فقد أصبحت "الأوربة" عبر التكامل النقدي والسوق الموحدة، في نظر الحكومة الفرنسية،الدرع الوحيد الفعال ضد العولمة والسبيل الوحيد لترسيخ دعائم الاقتصاد وتعزيز النمو الاقتصادي· غير أن ذلك تطلب من فرنسا لا أن تتخلى عن استقلاليتها الاقتصادية وحدها بل تطلب أيضا أن تتخلى عن نهجها التوجيهي - أو التدخلي - في التعامل مع عملية صنع السياسات على كل من الصعيد الاقتصادي الكلي والجزئي، ومنذ بداية الثمانينيات، أخذت فرنسا في تحويل اقتصاد يتميز بدورة تضخم وخفض لقيمة العملة تقرره الدولة ونشاط صناعي تسيطرعليه الدولة إلى اقتصاد يرتكز على تضخم داجن، قادر على الحفاظ على عملة قوية، وعلى اختزال ملكية الدولة وسيطرتها على النشاط التجاري والصناعي عبر التحرير التنظيمي والخصخصة·

على أن المشكلة بالنسبة لفرنسا اليوم هي أن التحول الناجح في مجالات الاقتصاد الكلي والجزئي قد عجل بحدوث أزمة في المجال الاجتماعي الاقتصادي، ففي الوقت الذي شهد فيه الاقتصاد تغيرا جوهريا في توجهاته الرئيسة وتحولت في العلاقة بين الحكومة ودوائر الأعمال ، تنامي معدل البطالة "متجاوزا معدلها في أعقاب الحرب والبالغ 12.8 في المئة" وتجمدت الأجور، وانخفضت الإعانات الاجتماعية وليست إضرابات شركات القطاع العام ـ والتي شلت البلاد لفترة قاربت الشهر، ولقيت تأييدا شعبيا هائلا ــ سوى التعبير الأكثر درامية عن الشعور الواسع النطاق بالاستياء والغضب والذي تجلى كذلك في صعود اليمين المتطرف·

وفي المقابل فقد كان على ألمانيا، التي كانت دائما أكثر ارتباطا بالتوجه الدولي وبالتنافسية الكونية، كان عليها حتى الوقت الراهن أن تتغير  في نطاق أقل نسبيا استجابة لعملية التكامل الأوروبي، سواء على صعيد الاقتصاد لعملية التكامل الأوروبي، أم على صعيد الاقتصاد الكلي أو الجزئي، ولقد مثلت "الأوربة" بالنسبة لألمانيا، تعزيزا للوقاء التقليدي للاقتصاد الكلي في مواجهة القوى الكونية أكثر منها حماية جديدة ضد القوى، كما هي الحال بالنسبة لفرنسا· والواقع أن ألمانيا عمدت دائما، بوصفها صاحبة الاقتصاد المتقدم على الاقتصادات الأوروبية الأخرى والعملة الأقوى وصاحبة الدور القيادي في السياسة النقدية من خلال "البوندزبانك" "البنك المركزي" إلى فرض أنماط وتفضيلات اقتصادها الكلي الخاص على بقية بلدان أوروبا·

وفضلا عن ذلك ففي حين مثلت ألمانيا قوة "مُؤَربِة" Enropeanizing على صعيد الاقتصاد الجزئي، بالتفاوض حول عمليتي التحرير التنظيمي والخصخصة ببطء شديد مع "الشركاء الاجتماعيين" ودوائر الأعمال، ومع حكومات الأقاليم، بحيث تضمن أقل اضطراب ممكن في العلاقة التقليدية·

وخلال العامين الماضيين أو نحوهما فقط أصبحت الصيغة الألمانية للنجاح الاقتصادي موضع تساؤل · فتكاليف توحيد شطري ألمانيا وضغوط المنافسة الكونية تشكل عبئا كبيرا بالنظر إلى أن ألمانيا تعاني من منتجات مرتفعة السعر وقوة عمل عالية الأجر، ومعدل بطالة بلغ أعلى درجاته منذ هتلر، في الوقت الذي ينخفض فيه الاستثمار داخل البلاد "الأجنبي والأهلي" وتتباطأ الإنتاجية، ويشح الابتكار، وفضلا عن ذلك فقد أخذت علاقة "التراضي" الثلاثية بين دوائر الأعمال وقوة العمل والحكومة تتخذ منحى صراعيا مع دفع دوائر الأعمال - وقد أقلقتها التنافسية الآخذة في الانخفاض - في اتجاه المزيد من المرونة من جانب قوة العمل بينما يرد العمال بالضغط في الاتجاه المضاد، وهم يرون وظائفهم تغادر البلاد وإعاناتهم يجري تقنينها أو تقايض بما هو أقل قيمة، وعلى الرغم من أن الانخفاض في القدرة الاجتماعية الاقتصادية الألمانية ما زال محدودا نسبيا حتى الآن، فإنه يُنظر إليه بجدية تامة، كما اتضح من الجدل الذي دار حول تخفيض أجر الإجازة المرضية من 100 في المئة إلى 80 في المئة، والذي أقره قانون حكومي، واحتج عليه مستخدمون مضربون، وانتهى الأمر إلى عدم تطبيقه من قبل أصحاب العمل في الشركات الكبيرة· 

استجابة بريطانية 

كذلك شهدت بريطانيا تغيرا محدودا نسبيا استجابة للأوربة، فعلى  الصعيد الاقتصادي الكلي، حافظت بريطانيا على نهجها الليبرالي والدولي التوجه في التعامل مع صنع السياسات المتعلقة بالاقتصاد الكلي وقيدت التزامها بالتكامل النقدي الأوروبي، حيث لم تر فيه درعا على أي وجه ضد القوى الكونية "كما يتضح من خروجها من آلية  سعر الصرف للنظام النقدي الأوروبي" وعلى الصعيد الاقتصادي الجزئي، حجّمت بريطانيا من إمكانية تعرضها للتغير الناجم عن التكامل الأوروبي لا من خلال إحجامها عن التفاوض على التوقيع على الفصل الاجتماعي من "معاهدة ماستريخت" فحسب بل أيضا نتيجة لأن عمليتي التحرير التنظيمي والخصخصة حدثتا بالفعل قبل الضغوط الأوروبية، إذ إن حكومة تاتشر كانت ملتزمة إيديولوجيا بتقليص سيطرة الدولة على اقتصاد هو في كل الأحوال مسيطر عليه بدرجة أقل من قبل الدولة مقارنة بكل من ألمانيا وفرنسا·

غير أن الصناعة البريطانية تركت لشأنها تغرق أو تطفو فوق سطح المتاعب ــ بعد أن عرّضتها الحكومة لمنافسة دولية أكبر ولتقلبات السوق من دون كفالة مستوى الدعم الحكومي والحماية من خلال شراء الأسهم، كما هي الحال في فرنسا، أو التعاون والتشاور بين الحكومة والشركات والمنظمات الممثلة للعمال في ألمانيا ــ ولقد غرقت في أغلب الحالات، ولم يبدأ الاقتصاد البريطاني في الانتعاش مرة أخرى إلا أخيرا، ومنذ خروجها من آلية سعر الصرف، وساعد على تحقيق ذلك أداء الشركات المملوكة للأجانب والشركات البريطانية التي نجحت في مواصلة البقاء، وكذلك بفضل مرونتها الأكبر على صعيد العمالة والذي جعلها على درجة عالية من حيث جذب الاستثمار الأجنبي المباشر، وعلى الصعيد الاجتماعي الاقتصادي تواجه بريطانيا في واقع الأمر مشكلات أقل بكثير مقارنة بفرنسا: فنظام الرعاية الاجتماعية جرى تخفيضه على نحو متدرج منذ الثمانينيات، وإن لم تصل معدلات تخفيضه أبدا إلى المستوى الذي كانت تنذر به تحليلات المراقبين، كما أن معدل البطالة ظل أقل بالمقارنة بفرنسا "وإن جاء ذلك على حساب الضمان الوظيفي"·

وهكذا، يمكن القول على وجه الإجمال إن الدول الثلاث ضحت بالكثير من قدرتها الاجتماعية الاقتصادية فضلا عن جانب كبير من استقلاليتها السياسية على الصعيدين الاقتصاديين الكلي والجزئي· 

تكييف المؤسسات القومية 

على الرغم من أن الإمكانية المستقبلية للاتحاد النقدي تعد أحد موضوعات الاهتمام الرئيسة للصحف في الوقت الحاضر  فإن التكامل الأوروبي لا يتوقف نجاحه أو إخفاقه على مجرد قدرة اقتصادات الدول الأعضاء على تلبية معايير معاهدة ماستريخت، فمن المرجح أن تواصل أوروبا المتكاملة بقاءها بغض النظر عما إذا كانت عملة موحدة قد تم إنجازها بالنسبة لمجموعة البلدان الرئيسة في عام 1999، أو في عام 2001، أو لم يتحقق ذلك أبدا - كما لن يرجع ذلك فقط لكون السوق الموحدة مكتملة إلى حد بعيد، فليس هناك سبيل سهل مؤسسيا للعودة إلى أوروبا غير متكاملة، على الرغم من أن مواصلة طريق التكامل سيتضح أنه أكثر صعوبة لأسباب عديدة، وليس بسبب احتمال إخفاق التكامل النقدي فحسب·

وجنبا إلى جنب مع أوربة السياسات والأساليب الاقتصادية الوطنية جاءت أوربة البنى المؤسسية القومية وعمليات صنع السياسات فكل الدول الأعضاء وقعت الآن ليس فقط في شرك نظام سياسي اقتصادي أوروبي يربط العملات· القومية بعملة أوروبية موحدة، ويحول مجموع الأسواق القومية إلى أسواق أوروبية، ويشجع الشركات أوروبية بل وقعت أيضا في شرك نظام سياسي إداري أوروبي يحول المسؤولين السياسيين القوميين إلى صناع قرار أوروبيين، والإدارات القومية إلى أدوات تنفيذ للقرارات الأوروبية ، والمصالح المنظمة قوميا إلى جماعات ضغط أوروبية، وأصبح الفاعلون القوميون على صعيدي القطاع العام والخاص، والذين ظلوا في الماضي جزءا من نظم لإدارة شؤون الحكم مفردة أو على الأكثر ثنائية المستوى وشبكات قومية ثابتة لإدارة شؤون الحكم، يعملون بصورة متزايدة في إطار نظام لشؤون الحكم متعدد المستويات بوصفه جزءا من شبكات لإدارة شؤون الحكم الأوروبية بالغ المرونة·

على أنه في الوقت الذي عزز فيه الفاعلون القوميون سلطاتهم فوق القومية نتيجة للتكامل الأوروبي، فقد أخضعوا سلطاتهم القومية الأوروبي، فقد أخضعوا سلطاتهم القومية لأوروبا، وأصبحت مؤسسات الاتحاد الأوروبي تحتل أولوية أسبق على المؤسسات القومية، لتضعف بالتالي السلطات التنفيذية القومية وتجرد الصلاحيات البرلمانية من عنصر المبادرة، وتخضع السلطة القضائية لمحكمة العدل الأوروبية، وفضلا عن ذلك فإن عمليات صنع السياسات الأوروبية جارت بصورة متزايدة على عمليات صنع السياسات القومية ، متيحة إمكانية الوصول والتأثير لفاعلين مختلفين ولمصالح مختلفة، ومتوصلة إلى قرارات سياساتية بطرق مختلفة، وفارضة قرارات، أو منتظرة فرضها، بطرائق مختلفة·

وضمن هذا السياق استشعرت بعض البلدان وطأة التكييف المؤسسي أكثر من غيرها، أساسا بسبب مشكلات الملاءمة المؤسسية، فالبنى المؤسسية الأوروبية هي أكثر اتساما بالطابع الفيدرالي - أي أنها أكثر توازنا فيما يتعلق بصلاحيات السلطة التنفيذية، والهيئة التشريعية، والنظام القضائي وكذلك في المستويات المختلفة للسلطة - من كونها وحدوية حيث تهيمن السلطة التنفيذية على السلطة الأقاليمية وكذلك تميل عمليات صنع السياسات الأوروبية إلى الاتسام بالطابع التعددي من اتسامها بالطابع "الدولتي" أو "المجالسي" أي أنها عرضة لتأثير المصالح فيما يتعلق بصياغة السياسات أكثر من كونها مغلقة كلية أو مفتوحة بالنسبة لمصالح امتيازية بعينها، وأكثر اتساما بالتقعيد التنظيمي في مجال تنفيذ السياسات - من خلال تطبيق القواعد من دون أي استثناء - من كونها ذات طابع إداري (بأن تكون عرضة للتكييف "المصالحي") أو تشاركية - من خلال تطبيق القواعد بالتنسيق مع مصالح امتيازية بعينها، وأكثر تعاونية من المنظور الثقافي - مع عملية صنع قرار أكثر ارتباطا بالمنحى التقني وصاعدة من القاعدة إلى القمة - من كونها صراعية "حيث القرارات أكثر اتساما بالطابع السياسي ومتخذة بوجه عام على مستوى القمة" أو إجماعية، حيث القرارات أقل اتساما بالطابع السياسي ويندر اتخاذها على مستوى القمة· 

تعديل التوازن المؤسسي 

ولقد انطوت بنى الاتحاد الأوروبي ، بما هي كذلك على تأثير أكبر في حالة الدول الوحدوية مثل فرنسا وبريطانيا - بتعديلها للتوازن المؤسسي للسلطة فيما بين السلطة التنفيذية والتشريعية والقضائية من خلال تعزيز استقلال القضاء القومي واستقلالية الهيئات التشريعية - مقارنة بالدول فيدرالية الطابع - أما في ألمانيا ، فلم تكن السلطة التنفيذية مسيطرة بشكل خاص، في وجود استقلال قضائي، واستقلالية محلياتية، وسلطة تشريعية كاملة الصلاحية مكفولة جميعها دستوريا، وفضلا عن ذلك فقد نحت عملية صنع السياسات شبه التعددية إلى فرض أعباء ضبطية أكبر على أشكال الحكومة الدولتية مثل فرنسا وبريطانيا - من خلال تحجيم استقلالية الحكومة في صياغة السياسات، واختزال المرونة الإدارية في التنفيذ، والتطلع إلى تعاون أوسع في عملية صنع السياسات الأوربية - مقارنة بأشكال الحكم المجالسية، أما ألمانيا فلم تتمتع أبدا بالنوع ذاته من الاستقلالية الحكومية، كما اتسم أداؤها التنظيمي ، كذلك تنسجم ثقافتها الاجتماعية الطابع بصورة أفضل مع الثقافة تعاونية الطابع للاتحاد الأوروبي·

والواقع أن عملية المواءمة المؤسسية مع التكامل الأوروبي كانت مرهقة بوجه خاص في حالة فرنسا فالبنية الوحدودية للبلاد - والتي تميزت الحكومة المركزية فيها دائما بالقوة بينما اتسمت السلطات المحليات بالضعف، وهيمنت فيها السلطة التنفيذية على السلطتين التشريعية والقضائية ، وتم تحجيمها من قبل البنية شبه الفيدرالية للاتحاد الأوروبي· وفقدت "الدولة" التي اكتسبت مع مرور الزمن سمات روحية الطابع في عقول الفرنسيين، وأصبحت جزءا مكونا في الثقافة والتاريخ، وفي المؤسسات ، وفي الأداء البادي الاستقلالية لصناع القرار فقدت بعض روحيتها ولم تعد السلطة المهيمنة تملك القدرة على أن تقرر وحدها وبالأصالة عن نفسها في المسائل المرتبطة بالصالح القومي فهي تشارك في سلطة صنع القرار مع خمس عشرة دولة عضوا في مجلس وزراء الاتحاد الأوروبي وتجد دوائرها  الانتخابية في الوقت ذاته ـ وفي المقدمة منها مجتمع المال والأعمال والسلطات الإقليمية  ـ شركاء في جماعات الضغط داخل "المفوضية"·

وعلى المستوى القومي، لم تعد السلطة التنفيذية الفرنسية هي السلطة المنفردة ذات الصلاحيات المطلقة· فالسلطة القضائية، ورغم تبعيتها لمحكمة العدل الأوروبية، اكتسبت صلاحية وشرعية متزايدة منذ بداية الثمانينيات· ولم يتعزز ذلك المنحى من خلال القوى الخارجية فقط، وبخاصة صلاحيات المحاكم بوصفها الذراع التنفيذي للاتحاد الأوروبي، بل تعزز أيضا من خلال القوى المحركة الداخلية· ويشمل ذلك الفعالية المتزايدة للقضاة في ملاحقة المخالفات في الدائرتين السياسية والتجارية المالية - وهو ما يشكل مصدر إزعاج للسلطة التنفيذية - والتأثير المتنامي للمجلس الدستوري في تسوية النزاعات بين السلطتين التنفيذية والتشريعية، أو بين الأغلبية والمعارضة· وفي المقابل نجد أن البرلمان، الذي لم يتمتع أبدا بقدرة كبيرة على المبادرة أو المراقبة، يمارس فعليا الآن صلاحيات أقل، فقد أصبح - رغم الإصلاحات المترتبة على معاهدة ماستريخت - لا يزيد كثيرا عن كونه مرددا ببغاويا لتوجيهات صادرة من المجلس الأوروبي وموافق عليها من السلطة التنفيذية الفرنسية عبر مجلس الوزراء· ومقارنة بذلك، تعززت وضعية سلطات المحليات من حيث الصلاحيات والاستقلالية، بإفادتها لا من موارد الاتحاد الأوروبي والإمكانات المباشرة للتواصل معه فحسب بل أيضا من الإصلاحات المبطلة للمركزية على الصعيد الداخلي·

كذلك حجمت عملية صنع السياسيات الدولتية في البلاد· فالحكومات التي كانت تصوغ عادة سياسات "بطولية" دون وضع البعد المصالحي في الاعتبار ثم مواءمة المصالح الأكثر تأثرا خلال عملية التنفيذ - وإلا خاطرت بالصدام مع هذه المصالح - لم يعد بإمكانها الآن صياغة السياسات في استقلالية، في ضوء الأولوية المعطاة للاتحاد الأوروبي في ميادين يتسع نطاقها باستمرار، كما لم يعد بمقدورها تكييف تلك المصالح من خلال القيام بعمليات استثناء من القواعد·

هذا الفقدان للمرونة الإدارية، والناجم عن الغزوات المتزايدة للنمط التنظيمي، سواء على الصعيد القومي أو المترتبة على اعتبارات أوروبية، كان مؤداه نهاية علاقات الماضي - الوثيقة عادة وغير الرسمية في أغلب الحالات - بين الحكومة ودوائر الأعمال حيث تمتعت الوزارات ودوائر النشاط الصناعي بحرية تنفيذ الأعمال بوجه عام فيما بينها، متجاهلة القواعد في قسم كبير من الحالات· ولقد عوض هذا الفقدان لإمكانية تكييف المصالح على صعيد تنفيذ السياسات، القدرة الأكبر على الدخول الى مجال وضع السياسات على الصعيد المتعدى للقومية· غير أنه ونتيجة للطبيعة المغلقة بوجه عام لعملية وضع السياسات في فرنسا (حيث يعد نشاط "جماعات الضغط" شيئا غير مشروع وحيث يمارس النفوذ على نحو أكثر اتساما بالطابع الشخصي، وأيضا بسبب ثقافتها الصراعية في مجال صنع السياسات، والتي تميل الى الاتسام بالطابع السياسي وبتراتبية القمة - القاعدة) فإن الأطراف الفاعلة في القطاع الخاص الفرنسي تتسم بفاعلية أقل في عملية الضغط الأكثر تقنية والمتجهة من القاعدة الى القمة، في حين تتسم الأطراف الفاعلة في القطاع العام بخبرة أكبر في مجال عملية صنع القرار الأوروبية اليومية الأكثر تعاونية وانفتاحا·

ولقد اعتبرت المخاطر التي تهدد السيادة القومية، واستقلالية الإرادة الحكومية، والمرونة التنفيذية شيئا يمكن قبوله لدى الفرنسيين فقط في حدود أن البلاد ستكون لها الغلبة داخل الاتحاد الأوروبي، لينخرط الفرنسيون بذلك في هذا النوع من البطولية على الصعيد المتعدى للقومية الذي لم يعد ممكنا على الصعيد القومي، في ضوء التعديلات الهيكلية في المجال الاقتصادي التي تتطلبها عملية المواءمة أو التكييف المؤسساتي· غير أنه وعلى الرغم من تحقق هذه الغلبة الى حد كبير حيثما تعلق الأمر بالمسائل الاستراتيجية الكبرى، فإنها لم تحقق فيما يتعلق بعملية صنع القرار اليومية· 

السيادة القومية 

أما فيما يتعلق ببريطانيا، فلم تكن عملية التكييف المؤسساتي على ذلك القدر من الصعوبة كما في حالة فرنسا· فبنيتها الوحدوية تعرضت لتأثيرات أقل من قبل البنى المؤسسية للاتحاد الأوروبي نظرا لوجود حكومة مركزية تتمتع بقوة مكافئة، ولكن في نطاق أضيق، وسلطة تنفيذية كانت دائما أيضا هي السلطة الغالبة، ولكن من دون أن تصل سلطتها الى حد فرض ما تراه على السلطة التشريعية أو القضائية، على الرغم من تمتعها بسلطان أكبر فيما يتعلق بالسلطات دون القومية· ومع ذلك فقد كانت المخاوف من حدوث تعديات مؤسسية أكبر في حالة بريطانيا عنها في فرنسا· ورغم أن بريطانيا لم يكن لها أبدا الارتباط الروحي والطابع نفسه بـ"الدولة" بما هي كذلك - فالكلمة لم تمثل أبدا جزءا من القاموس الفلسفي السياسي - فإن السيادة القومية تظل في طليعة مخاوف الحكومة القومية إزاء عملية التكامل - إذ ينظر لها بوصفها شيئا يتعين صونه بكل يقظة في المفاوضات على مستوى الاتحاد الأوروبي·

وعلى الرغم من أن السلطة التنفيذية، على المستوى القومي، خسرت جانبا من سلطانها وسلطاتها، فقد خسرت أقل مقارنة بفرنسا· ويرجع السبب الرئيس لذلك الى واقع أن السلطة التنفيذية كانت دائما أقل قدرة على فرض ما تراه على البرلمان البريطاني - الذي مارس دائما دورا أكثر فاعلية على صعيد الرقابة والتعبير عن الهموم العامة - والسلطة القضائية البريطانية، التي تمتعت دوما باستقلالية كبيرة· ومن ثم فإن تزايد استقلال السلطة القضائية القومية، والمرتبط بالاتحاد الأوروبي، نجم عنه إقلاق أقل بالنسبة للسلطة التنفيذية البريطانية مقارنة بالسلطة التنفيذية الفرنسية (وخصوصا النظر الى أنه لم يصاحبه النوع نفسه من الفعالية القضائية)، على الرغم من أن الفعالية القضائية لمحكمة العدل الأوروبية قد أثارت إزعاجا أكثر، نظرا لمساسها بامتيازات مقررة منذ زمن بعيد· وفضلا عن ذلك فقد مثل تآكل السلطات الأوسع للبرلمان مصدر قلق لا لأعضاء البرلمان فحسب بل لمسؤولي السلطة التنفيذية أيضا، الذين اضطروا - نتيجة للطبيعة الأقل انضباطا من الوجهة الحزبية للبرلمان البريطاني والأكثر اتساما بالحدة الصوتية، إن لم نقل المشاكسة والعناد - الى التركيز أكثر على المصلحة الذاتية القومية في مفاوضات الاتحاد الأوروبي (أو على الأقل الى إعلان ذلك للرأي العام) بهدف استباق النقد ولضمان تأييد المقاعد الخلفية في مجالس العموم· وأخيرا فإن السلطات المحلية، والتي فقدت استقلاليتها بل ووجودها ذاته في سنوات حكم تاتشر (ومن أمثلة ذلك حل المجلس الأعلى لمدينة لندن)، مؤهلة لاكتساب قدر كبير من الاستقلالية نتيجة للتكامل الأوروبي في ضوء مبدأ التبعية الذي يوفر حافزا لإعادة إقرار الاستقلالية المحلية وإعادة تفعيل السلطات الأقاليمية·

لما تعتبر تعديات أوروبية على سيادتها القومية، واستقلاليتها الحكومية، ومرونتها الإدارية· غير أنه في حين حد الدور الذي رسمته بريطانيا لنفسها، كشريك متقاعس، من قدرتها على امتلاك نفوذ مهم على الصعيد الاستراتيجي الأشمل، فإن هذا الدور وفر لها فعالية أكبر فيما يتعلق بخيارات عدم المشاركة على المستوى القومي وفي الضغط من أجل أجندة أكثر اتساماً بالليبرالية الجديدة على مستوى الاتحاد الأوروبي·

أما فيما يتعلق بألمانيا، فقد تميزت عملية التكييف أو المواءمة (المؤسسية) بسهولة أكبر مقارنة بفرنسا أو بريطانيا· فبنيتها الفيدرالية - والتي كانت الحكومة المركزية في إطارها هي الأضعف دائما، والسلطات الأقاليمية هي الأقوى، وحيث النفوذ المؤسسي متوازن دائماً فيما بين كل من السلطة التنفيذية والتشريعية والقضائية - تشابه كثيراً بنية الاتحاد الأوروبي شبه الفيدرالية· ولم يتمتع المسؤولون التنفيذيون الألمان أبداً باستقلالية المسؤولين الفرنسيين أو البريطانيين أو بإمكانية صنع سياسات "بطولية"، في الوقت الذي لم تكن "الدولة" بما هي كذلك، في أي وقت، أكثر من "شبه سيادية"، في ضوء السلطات المكفولة دستورياً لـ "بوندستاج" والسلطات التفاوضية الجماعية المستقلة قانوناً للشركاء الاجتماعيين، والسلطات القضائية المستقلة للمحاكم، وغير ذلك، (الشيء الأقرب إلى أن يكون رمزاً بالنسبة للألمان للسيادة القومية هو عملتهم، وهو ما يفسر لماذا لن يصبح التخلي عن المارك الألماني لصالح "اليورو" مقبولا إلا إذا انطوت العملة التي تم إحلالها على القيمة الرمزية نفسها التي تنطوي عليها العملة في ألمانيا، بوصفها ضمانا للاستقرار، فضلا عن تمتعها بالقوة نفسها)· ونتيجة لذلك لم يمثل فقدان السيادة القومية، في أي وقت، بالنسبة لألمانيا تلك القضية التي يمثلها بالنسبة لبريطانيا، على الرغم من أن حماية السلطات شبه السيادية لبناها المؤسسية قد مثل شاغلا رئيسا بالنسبة لها في كل مفاوضاتها على مستوى الاتحاد الأوروبي، وبقدر من الحرص أكبر كثيرا مقارنة بفرنسا وبريطانيا· 

التوازن بين السلطات الثلاث 

وعلى المستوى القومي، تم الحفاظ إلى حد كبير على التوازن بين السلطات الثلاث، التنفيذية والتشريعية والقضائية، وأيضا بين السلطات القومية والمحلية (سلطات الأقاليم)· ورغم أن البرلمان قد وجد سلطة المبادرة لديه تتآكل، فإن صلاحياته التشريعية تظل أوسع كثيرا مقارنة بفرنسا وبريطانيا، وكذلك الحال فيما يتعلق بقدرته على ممارسة الرقابة على السلطة التنفيذية· والواقع أن السلطة التنفيذية ليس لديها سوى القليل من السلطة لتفرضها· فالبنية المعقدة البحث، مساومات تشريعية فيما بين "البوندستاج" ذي الأغلبية المحافظة و"البوندسرات" الذي يسيطر عليه الحزب الاشتراكي الديمقراطي، واتفاقات - مبنية على عمليات تفاوض ومساومة جماعية على المستوى الأقاليمي - بين الاتحادات القومية لأصحاب الأعمال والعمال· واتفاقات منسقة بين الحكومة الفيدرالية وحكومات الأقاليم بشأن السياسات المالية والتنفيذية· وفضلا عن ذلك فإن السلطات القضائية المستقلة تقليديا لم تجد استقلالها يتعزز فحسب، تماما كما في بريطانيا، بل إن المحكمة العليا في البلاد - والتي أقلقتها أكثر من المحكمة العليا في بريطانيا مسألة التخلي عن حقوقها المقررة منذ زمن طويل - قد رفضت أيضا قبول تبعيتها الكاملة لمحكمة العدل الأوروبية·

وأخيرا فقد تمتعت سلطات الأقاليم في ألمانيا (حكومات الأقاليم) - وخلافا لنظيراتها الأٍرب في فرنسا، ناهيك عن نظيراتها في بريطانيا (حيث لا وجود أصلا لمناطق حكم ذاتي) - بصلاحيات مهمة واستقلالية عبر تمثيلها المباشر في مجلس الأعيان (البوندسرات) ودورها بوصفها الجهات المنفذة للقوانين الفيدرالية· ورغم فقدانها لبعض سلطاتها قبل معاهدة ماستريخت نتيجة للأهمية المتزايدة لعملية صنع القرار على مستوى الاتحاد الأوروبي، فقد استعادتها منذ ذلك الحين عبر تمثيلها الرسمي في لجان الاتحاد الأوروبي ذات الصلة·

كذلك شهدت عملية صنع السياسات على صعيد الاتحادات والنقابات قدرا محدودا من التشوش، وخاصة بالمقارنة مع فرنسا أو بريطانيا· وقد نجم ذلك، جزئياً، عن الجهود الواعية للحكومة لكفالة أن تتيح معاهدة ماستريخت لحكومات الأقاليم المشاركة رسميا في عملية وضع السياسات وأن يواصل كل من حكومات الأقاليم والشركاء الاجتماعيين الاحتفاظ بدورهم التقليدي في تنفيذ السياسات· غير ذلك أن ينجم أيضا عن "التوافق" المؤسسي الأفضل بين الاتحاد الأوروبي وألمانيا· ففي كل منهما تتسم عمليات صنع السياسات بالتعقيد، وبالقدر نفسه، وبالانفتاح النسبي، مما يعزز وجود ثقافة مساومة وتوفيق في عملية وضع السياسات وليس في مجال التنفيذ وحده (كما هو  الحال في فرنسا وبريطانيا)، سواء اتخذت شكل توخي الإجماع - كما في ألمانيا - حيث تتسم القرارات بطابع سياسي أقل وضوحا وبندرة اتخاذها على مستوى القمة··· أو صيغة التعاون - كما في الاتحاد الأوروبي - حيث القرارات أكثر فنية ويجري اتخاذها في تسلسل صاعد من القاعدة إلى القمة· وفي مجال عملية تنفيذ السياسات، تبقى المرونة على صعيد الاتحادات والنقابات من دون تغير كبير، لسبب رئيس هو أن سلطات الأقاليم والشركاء الاجتماعيين يشاركون فيها كما شاركوا دائما· وفضلا عن ذلك - ونتيجة لأن ألمانيا لم تحترم القانون دائماً فحسب تماما كما يفعل البريطانيون بل وذهبت أبعد من بريطانيا في تصنيفه في مجموعة متناسقة من القوانين - فإن الترسيم القانوني المتزايد الآتي من الاتحاد الأوروبي لا يسبب ذلك النوع من الرعب الذي يسببه بالنسبة لبريطانيا، والواقع أنه ليس هناك ما يدعو لذلك بالنظر إلى أنه لم يجلب معه التكاثر نفسه فيما يتعلق بالجهات المسؤولة عن القواعد المنظمة كما حدث في بريطانيا وفرنسا (على الرغم من أن هذا ربما أصبح وشيك الحدوث مع تسارع عملية التحرير التنظيمي)· 

تشوش وضع السياسات 

وفي المقابل، شهدت عملية وضع السياسات بعض التشوش، إذ تضاءلت إمكانية الوصول المباشر إليها بالنسبة للمصالح المنظمة المشاركة فيها عادة - أي دوائر أصحاب العمل والقوى العاملة من خلال الانتقال إلى مستوى الاتحاد الأوروبي، حيث إمكانية الوصول متاحة بدرجة كبيرة لدوائر الأعمال لكنها ليست كذلك بالنسبة للقوى العاملة· ففيما يتعلق بدوائر الأعمال أثبتت المشاركة المنظمة لهذه الدوائر في صياغة السياسات على المستوى القومي، جنبا إلى جنب مع ثقافة صنع القرار الإجماعية، أثبتت على الأقل تمرسا ممتازا فيما يتعلق بجهود الضغط داخل الاتحاد الأوروبي· وفضلا عن ذلك فربما جاء أداء الأطراف الفاعلة على صعيد الهيئات والمؤسسات العامة في نفس مستوى أداء الأطراف الفاعلة على صعيد القطاع الخاص عندما يتعلق الأمر بالتفاوض اليومي، يعززها في ذلك اعتيادها تلك العملية المعقدة المركزة على الوصول إلى إجماع، وعلى الرغم من أن الإجماع، حتى في ألمانيا، يتم تحقيقه في أغلب الأحيان عبر الصراع، فإن عملية المساومة تتسم بطابع أقل حدة (أو أقل اقترابا من "حافة الهاوية") مقارنة ببريطانيا· ولقد تعلمت الأطراف الفاعلة العامة، والخاصة أيضاً بالضرورة لا كيف تساوم بعناد فحسب من أجل الهدف المراد تحقيقه بل متى تتوقف أيضا وتقبل ــــ خلافا للبريطانيين، الذي يخلفون شعورا بالمرارة في أوساط الاتحاد الأوروبي عندما يختارون المرة تلو الأخرى رفض الاشتراك بدلا من التفاوض والبحث عن تسوية·

وعلى ذلك فليس لدى ألمانيا سبب لكي تستشعر المخاطر على السيادة القومية والاستقلالية والمرونة الإدارية بتلك الدرجة نفسها من القوة التي تستشعرها فرنسا أو بريطانيا، كما أن بناها المؤسسية وعملية صنع القرار فيها أقل تعرضا لأنواع التغيرات التي فرضها الاتحاد الأوروبي على الدول الأعضاء الأخرى· على أن فقدان ألمانيا، وللسبب ذاته للاستقلالية والبطولية - والذي يرجع في الأساس لمؤسساتها الفيدرالية وعملياتها التشاركية الطابع فضلا عن ثقافتها الإجماعية - جعل من الصعوبة بمكان بالنسبة لها أن تمارس دورا قياديا حيثما تعلق الأمر بالمسائل الاستراتيجية الكبرى داخل الاتحاد الأوروبي، فهنا ينعقد التفوق لفرنسا - أو تقاوم بقوة المبادرات السياساتية المعلقة بالأشياء التي لا تحوز قبولها - وهنا تمثل بريطانيا أيضا المتزعم السابق·

وإجمالا يمكن القول إن البلدان الثلاث شهدت تعديلات هيكلية في المجال الاقتصادي وتكييفا مؤسسيا سعيا إلى تحقيق التكامل الأوروبي، وإن حدث ذلك على نطاق أوسع بالنسبة لفرنسا مقارنة بكل من ألمانيا وبريطانيا· وفضلا عن ذلك فقد كان أصعب على فرنسا كسب قبول جماهيري لمثل ذلك التغير، أساسا بسبب افتقارها إلى خطاب تسويغي متماسك، خلافا لبريطانيا - التي نجحت في بناء خطاب أكثر تماسكا منذ قدوم تاتشر - وألمانيا، التي لم تبدأ تظهر، سوى الآن، بعض الخلل في خطابها لفترة ما بعد الحرب·

عن مجلة الثقافة العالمية العدد 92 يناير - فبراير 1999·

طباعة