Al - Talea
رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 الأربعاء 1-7 ذي القعدة 1419هـ - 17-23 فبراير 1999
العدد 1365

في تحقيق حول القيود الرقابية على الكتاب في الكويت
"الرقابة" تقتل الإبداع وترهب المجتمع وتشوّه الفرد

·         على المهيمنين على الرقابة أن يكونوا منصفين

·         كلما اتسعت مساحة الديمقراطية تساهلت "الرقابة"

·         لانريد حلبة ملاكمة يخرج منها الجميع مهزومين

·         الأخطر هو الرقابة الداخلية التي يزرعها فينا المجتمع

 

كتب سنجار محفوض:

الديمقراطية في الكويت ظلّ وارف جعل منها واحة للحرية منذ زمن ليس بالقليل، وهذا يجعلنا نحرص أشد الحرص على التحذير من أدنى انحسار له، ولاسيما في مجال الرأي والتعبير، وإذا كانت الرقابة على الكتب أمراً مشروعاً في كل مجتمع إلاّ أنها لا ينبغي أن تصل إلى حدّ اللامنطقية والتعسف، وما جرى في معرض الكتاب على هامش مهرجان القرين جرس إنذار ينبهنا إلى ما لا تحمد عقباه، ولاسيما أن الكويت مرشحة لتكون العاصمة الثقافية في وقت قريب· ولذلك قمنا بتوجيه أسئلة عدة إلى مجموعة من المعنيين بالشأن الثقافي وشؤون الكتاب، وهم الأديب عبدالرزاق البصير  والناشر يحيى الربيعان والكاتبة فاطمة يوسف العلي والكاتبة الشاعرة الفنانة التشكيلية د· عالية شعيب· وكانت الأسئلة على الصورة التالية:

·         كيف تنظرون إلى القيود الرقابية على الكتاب في الكويت مقارنة بالقيود الموجودة في باقي الدول العربية؟

·         ما مدى انعكاس التشدد في القيود الرقابية على الوضع الثقافي بصورة عامة؟

·         في عالم الفضائيات والإنترنت إلى أي مدى يمكن أن تصمد إدارات الرقابة على المطبوعات في الكويت؟

·         الأحزاب الأصولية تطرح دائماً موضوع الإساءة إلى الرسول الكريم محمد (صلى الله عليه وسلم) وللصحابة·

 هل يعد ذلك خوفاً من انتشار الدراسات النقدية سواء كانت للفقه الإسلامي الذي يشوبه الجمود في بعض الأحيان أو للتراث الإسلامي بشكل عام خصوصاً أن علماء المسلمين في العصور المتقدمة كانوا يقارعون الحجة بالحجة حتى مع الملحدين ولم تكن صدورهم ضيقة من جراء ذلك؟

·         التيارات الأصولية تكيل بمكيالين في موضوع الرقابة على الكتب فهناك كتب معروفة في التراث الإسلامي فيها من الموضوعات ما يخرج عن إطار الذوق العام بخاصة فيما يتعلق بالعلاقة الجنسية بين الأزواج··· وهناك كتب تسيء إلى المذاهب الفقهية من غير مذاهب السنة فما تعليقكم على ذلك؟

- فأجاب الأستاذ عبدالرزاق البصير عن أسئلتنا قائلاً:

·         أدعو دائماً لأن تكون الرقابة في أضيق النطاق لأن الرقابة تعني حرمان الناس من الاطلاع على مختلف الآراء فالرقابة يجب أن تكون في أضيق الحدود·

·         على الرقابة أن تقوم بما تطلب منها الجهات الرسمية، أما أن تكون هذه الرقابة قادرة على مقاومة القناة الفضائية فذلك شيء آخر· وعلى الجهات الرسمية أن تلائم أوامرها مع التقنيات الحديثة·

 

المتشددون يتناسون قول الرسول صلى الله عليه وسلم

 

ذكرت في مقال نشرته قبل أيام أن لفظة الإساءة إلى الرسول والصحابة سلاح يقذف في وجه كل من يبدي آراء تخالف ما يراه المتشددون المتزمتون الذين يتناسون ما جاء عن الرسول في قوله "ادرؤوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم فإن وجدتم للمسلم مخرجاً فخلوا سبيله، فإن الإمام لئن يخطئ في العفو، خير من أن يخطئ في العقوبة"·

·         من الصعب أن يجري حوار مع المتحيزين المتعصبين لأن إباحة الكتب التي تسيء إلى أية فرقة من الفرق الإسلامية تضر بالصالح العام بطبيعة الحال· وفي اعتقادي أن على الذين يهيمنون على رقابة الكتب أن يكونوا منصفين غير متحيزين وليس من شك أن في كتب التراث ما يسيء إلى بعض الفرق الإسلامية، وإن من الأفضل أن نشيع الكتب التي تدعو إلى وحدة المسلمين·

- أما الكاتبة فاطمة يوسف العلي فقد أجابت بما يلي:

رحلتنا مع المجتمع تعتبر رحلة قصيرة، فإذا اعتبرنا أن زمن المجتمع هو زمن الفرد فإننا نعيش الآن حالة المراهقة، ولذلك يخاف علينا جداً (ولي الأمر)، كما يخاف على المراهق·

فالرقابة ليست عدوا بقدر ما هي حارس، ولكن الخطأ أن يتحول الحارس إلى سجّان وهذا يحوّل المراهق إلى معقد وشرير، وأتمنى أن لا تصل الرقابة عندنا إلى هذا المستوى الضار وتقفل على العقول بالمفتاح والقفل·

 

الرقابة على الإبداع مرفوضة

 

والرقابة على الإبداع أمر مرفوض تماماً، لأن الرقابة هي بالأصل رقابة الضمير والعقل والوعي والوجدان والتجربة، رقابة المسؤولية والذات، ولا تجوز الرقابة على الإبداع لأننا بهذا شيئاً فشيئاً نطفئ الأنوار وننشر العتامة، ونحدد الشخصية وننحرف أيضاً عن طريق سرنا فيه زمناً طويلاً قبل الاستقلال وتأسيس الكويت الحديثة وبعده وكان دائماً طريقاً تقدمياً مستنيراً يحسدنا عليه الكثيرون، وحققنا فيه أعمالاً عظيمة يشهد الكل بأنها حققت لنا الشخصية والرفاهية، ولم تمنع فيها الكتب ولم تصادر الآراء، ولم يحوّل أصحابها للمحاكم، ولم تُضرب المؤسسات، ولا نريد أن ندخل في حلبة ملاكمة يخرج منها الجميع مهزومين أما التهجم على الذات الإلهية والرسل والأنبياء فنحن جميعنا نحارب هذه التوجهات والكتابات ونرفض خلط الأمور، وحماية الدين والفضيلة والأخلاق نحن متفقون عليها·· ولسنا ضدها حتى بعض الذين يكتبون هذه الكتابات نتصدى لهم وهم أيضاً حماة ولكن نظرتهم تختلف أو ربما لهم رأي آخر، ويفترض أن المبدعين والكتّاب هم رسل الفضيلة والخير والجمال·

أما عن العقيدة الإسلامية السمحاء فلن نجد مهما بحثنا حجراً أو قيداً على إعمال العقل والفكر، أو حرية الاعتقاد وفي عصر الرسول (صلى الله عليه وسلم) كان الشعراء والقضاة والمفكرون، وكانوا يجتهدون·

المسلمون لا الإسلام هم المشكلة

ليس هو الإسلام الذي يضيق علينا، نحن المسلمين الذين نضيق على أنفسنا أو نوسع في صدورنا للاختلاف وتعدد الآراء، وحتى حق الخطأ وهو حق إسلامي شرعت له المجادلة بالتي هي أحسن·

أما ما تقصده بالرأي الآخر فأنا أعتقد أنه يفيد الرأي بالمقابل أكثر مما يضره، وأمامك تجربة إيران نفسها عندما بالغت في إنكار الرأي الآخر وطمسه بدأت التفجيرات، وفي الجانب الآخر جاءت وزارة خاتمي المعتدلة الديمقراطية التي بدأت بفتح الباب للمخالفة في الرأي وفي الفكر·

أما إقحام الدين بالسياسة فهذا تعدٍ وتجاوز·· ويؤسفني على المستوى المحلي أن أقول إن البيت الكويتي الذي كان دائماً يتناول أموره كأسرة واحدة وككتلة واحدة، أصبح الآن وكأنه ينقسم أو تتعارض فيه الآراء لدرجة التهجم الجارح وتدبير الأزمات·

لقد قويت التيارات الأصولية وخرقت أدبياته، وانكمشنا على الجانب الآخر التوجهات الأخرى في وقت لم يكن الإنترنت ولا وسائل الإعلام الجديدة أو الفضائيات ولكن كان هناك اتصال مع الحضارات الأخرى، ولم نكن نرفض بل كنا نتأثر به ويؤثر فينا·

 

التيار الأصولي مستغل من دوائر خارجية

 

إن هذا التيار طويل النفس وسيأخذ مداه، وهو مستغل من دوائر خارجية وعالمية ودليلنا قضية أفغانستان وتشابك أقطابها مع الدوائر الخارجية والعالمية، إنها بالنتيجة طبخة عالمية ونكون واهمين لو اعتقدنا أنها طبخة عربية أو محلية، وهو تيار قوي بصورة أو بأخرى وما الأفراد إلا أدوات منفذون (موظفون) وإعلام هذا التيار قوي ومتمكن مع الأسف وقائم على بنية اقتصادية قوية وقابل للاستحواذ مثلما كان التيار القومي والليبرالي أو اليساري سابقاً، وإذا ما امتدت هذه التيارات ونجحت فلا شك أن تأثيرها المستقبلي سيكون أقوى وأقوى وخطورتها أن الأجيال ستُرتهن ويكون مصيرها بيد هؤلاء الذين يريدون إثبات الوجود والسيطرة والهيمنة ضد النهوض والتحرر وتقدم الإنسان، وإشعال الحرب بين العباد والخالق إلى أن ينتهي دورهم كما ينتهي دور أي ممثل على المسرح·

وهي هجمة شاملة على كل العالم، وإذا كانت على الفكر والثقافة في الكويت فهي هجمة على الإنسان الذي يدفع حياته ثمناً لرأيه مثلما دفع الأنبياء حياتهم، وكما يدفع الأبرياء الآن حياتهم كما في الجزائر وفي غيرها من البلاد·

وأجابت د· عالية شعيب:

1 ـ لا فرق يذكر بين الحدود الرقابية من دولة عربية لأخرى، ربما يزداد الأمر سوءاً في الدول الخليجية بسبب التقاليد البالية والعادات التي لم تعد تواكب الانفتاح الحضاري الذي نعيش فيه· للأسف تتطور هذه الدول الخليجية مادياً من ناحية العمران والأجهزة وسبل الحياة المعيشية والملابس والسيارات وغيرها وفي المقابل تبقى فكرياً ومنهجياً في تخلف وتراجع غير متكافئ وهذا ينعكس على القيود الرقابية، فمن حق المرأة الكويتية مثلاً أن تسافر وحدها لنيل الدكتوراة والعيش خمس سنوات في الخارج لكن ليس من حقها الكتابة أو الرسم أو الإبداع بأية صورة أخرى في أشكال حداثية تعاصر تجربتها·· أي تناقض هذا؟!·

 

مُنع كتابي في الدول العربية

 

ولكن التخلف الرقابي في كل مكان وبقعة عربية، فقد منع كتابي الثاني (بلا وجه) اصدار عام 92· بريطانيا، من الدول العربية كافة ما عدا البحرين·

2 - هنا القضية تختلف لأن التشدد في القيود الرقابية على الوضع الثقافي يشارك فيه المثقف والمبدع معا بخوفهم ونفاقهم والازدواجية التي يعانون منها، وهذا يعني الخضوع للسيف الرقابي مثلا، لو كانت هناك علامات معينة على شخصية ثقافية أو فكرية، تتخوف المؤسسات والروابط الثقافية من استضافتها مما يعني التواطؤ سرا أو بصورة غير مباشرة مع الرقابة الأمر الذي يزيد من قوة وهيمنة الرقابة نفسها وأيضا يعني حاجتنا كمثقفين ومبدعين ومسؤولين للتماسك والتآزر والاتحاد لمواجهة الرقابة بكل أنواعها·

3 - هذا سؤال مهم لأنه يعكس التناقض الذي بدأته في إجابة سؤالك الأول· فبينما نجد الرقابة على الكتب والمعارض الفنية والمسارح أيضا، نجد في المقابل الحرية في اقتناء أية قناة فضائية (دون رقابة أو قطع) والتعامل مع الإنترنت بالدرجة نفسها من الحرية أيضا· تخيل أن من ضمن البحث الذي أعده عن الشذوذ استعنت ببعض إعلانات الإنترنت من امرأة بصفات معينة تطلب امرأة معينة لعلاقة حميمة بصفات محددة·

 

التراث مليء بالجنس ولا يستطيع الأصوليون مواجهته

 

4 - لا شك أننا لا نقبل أي كتب تسيء لمحمد عليه الصلاة والسلام أو للذات الإلهية وللإسلام عامة لكننا نحتاج لفكر نقدي يتأمل ويجتهد في المادة الإسلامية، ولذلك خلقنا بشرا وزودنا الله تعالى بالعقل للنظر والتفكر والاجتهاد من دون تجريح وإساءة· كتب التراث مليئة بالجنس لكن لا تستطيع التيارات الأصولية مواجهة ذلك أو الاعتراف به، كما أن حياة بعض الشخصيات الإسلامية تحتوي في تفاصيلها على بعض النماذج المربكة لاقترافها الخطأ سواء كانوا فلاسفة أو مفكرين وكتب التفسير مليئة بها· الرقابة كمفهوم تعني وتعكس الخوف من المواجهة، المواربة واللاصدق والحد من الاستمرار باتجاه النور والوضوح والكشف، الأخطر منها هي الرقابة الداخلية التي تزرعها فينا مجتمعاتنا تدريجيا بأساليب التربية والتعليم والإعلام والثقافة فيخاف الفرد من التعبير عن نفسه وعن فكره· معظم أدبائنا يحملون هذه الرقابة لذلك نجد أعمالهم باردة مكررة سطحية وهشة، لا تواكب ولا تعاصر مشاكل المجتمع بل تتجاهلها أو تجهلها·

5 - حين تم التحقيق معي في فحوى قصيدة من كتاب (عناكب ترثي جرحا) الصادر في الكويت عام 94 بسبب قضية رفعها ضدي بعض الأفراد، وضّح لي المحقق أن من حق الدولة أن تحاسبني وتقاضيني كمواطنة أحمل الجنسية حتى لو صدر كتابي في آخر دولة في العالم· الى هذا الحد يخاف المسؤولون من فكر المبدع وإنتاجه وإلى هذا الحد يودون تكبيله وتقييده وفرض الجهل والتبلد عليه· ماذا يعني هذا سوى الخوف من الكشف والوضوح والتحليل· إنه أمر يثير الشفقة·

- أما الناشر الأستاذ يحيى الربيعان فقال:

1 - أولا أود أن أقول إننا كدار نشر وكمواطن كويتي، أشهد أن إدارة الرقابة بوزارة الإعلام تتعامل معنا بمنتهى اللين، فضلا عن أن رجال إدارة المطبوعات، على درجة كبيرة من الوعي· ولا تمارس عمدا القيود على الكتاب، إلا نادرا حينما يتضمن الكتاب إساءة لشعبنا أو ديننا أو قيمنا، أو غير ذلك، ونحن حقا بحاجة الى هذا النوع من الرقابة التي تصون أمننا الإعلامي، وتحمي النشء من السقوط في أحضان الرذائل التي تنشر ليس فقط بواسطة الكتب، بل لها آليات أشد وأقسى، فهناك أشرطة الجنس·· ومجلات جنس وصور جنس لذلك لا بد من وجود رقابة تحمي الشباب·

 

الرقابة··· في أضيق الحدود

 

أما عن كتب الرأي الآخر فجلها مسموح والرقابة لا تقيد هذه الكتب إلا في أضيق الحدود، وهذا بفضل المناخ الديمقراطي الذي يحكم الكويت· وإذا قارنا القيود الرقابية المتشددة في بعض الدول العربية بالكويت، فإننا نلاحظ أنه كلما اتسعت مساحة الديمقراطية تساهلت إدارة الرقابة في قمع الرأي الآخر·

2 - لا يوجد في الكويت تشدد رقابي على الإصدارات الثقافية الإبداعية، وإذا حدث شيء من هذا القبيل فإن أي قارئ يستطيع أن يرفع دعوى قضائية ضد المؤلف والناشر، وهذا حق يكفله القانون للقارئ·

3 - إن إدارة رقابة المطبوعات تعمل ما في وسعها تجاه هذا الطوفان والله يعينها على تحقيق رسالتها·

4 - التجمعات التراثية في الكويت تعمل بما تؤمن به، وهذا من حقها في ظل النظم التعددية والديمقراطية، والساحة تتسع للكل والجميع والبقاء للأنشط·

5 - كتب التراث الإسلامي والأدب العربي صحيح أنها تتضمن إشارات جنسية ولكنها في إطار إرشادي لا يسيء الى المجتمع، أما الكتب الحديثة فإن بعضها يطرح قضايا الجنس بسوء نية وبقصد الهدم والتشفي·

طباعة  

أفق
 
قصائد
 
قراءة في "نساء على أجنحة الحلم"
فاطمة المرنيسي تقدم مفهوماً جديداً لتحرر المرأة

 
إصدارات
 
ضوء
 
وخزة
 
أجراس
 
نافذة