Al - Talea
رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 الأربعاء 24-30 شوال 1419هـ - 10-16 فبراير 1999
العدد 1364

"لوموند" التقت متخصصين سويسريين في الشؤون الأفغانية
أولوية "طالبان" هي السيطرة النهائية على أفغانستان وحقوق الإنسان والأقليات قضية شبه غائبة

حاورت صحيفة "لوموند" الزوجين السويسريين بيار وميشلين سانليفر المتخصصين في الشؤون الأفغانية، وهما باحثان في جامعة نوشاتل· وقد ترأس الزوج حتى تقاعده في الآونة الأخيرة معهد الأثنولوجيا (علم الشعوب)· وهو كرس وزوجته دراساتهما للقضايا الأفغانية·

وترقى معرفة الزوج لأفغانستان الى نحو ثلاثين سنة· وكان ميدانه الأساسي آنذاك مدينة تاشكورغان الشمالية أو سوقها التجارية تحديدا حيث أقام سنتين (1966-1968) ثم كان يتردد على أفغانستان بقدر ما كان يسمح له الوضع السياسي والعسكري مع زوجته ميشلين حتى يدرسا تطور العلاقات بين مختلف الجماعات وأشكال التنظيمات الاجتماعية· وقد جمع ملاحظاته في كتاب "يوميات أفغانية"·

وقد عثر الزوجان على "ذاكرة" تتصل بسوق تاشكورغان في باكستان في معسكرات اللاجئين الأفغان الذين أبعدتهم الحرب ضد التدخل السوفييتي ثم الحرب الأهلية· والزوجة هي في الواقع متخصصة في الشؤون الإيرانية· وقد خصصت إحدى دراساتها للخزافين في مركز ميبود (يزد)·

ومنذ ديسمبر 1980، يصدر الزوجان نشرة إعلامية عن أفغانستان تقدم تحليلا للأوضاع الراهنة يساعد في فهم حقيقة هذه البلاد التي لم تعرف منذ الانقلاب ضد نظام الجنرال محمد داوود في عام 1979 السلام قط· وهذا هو نص الحوار:

 

- خلف التصريحات الدينية المتشددة الصادرة من قادة "طالبان" أليس هناك نية كامنة لإقامة سلطة باشتونية؟

ضعفت نسبيا سلطة الباشتون وهم الأنية الأفغانية الغالبة منذ اندلاع الأزمة الأفغانية ونحن نشهد الآن عودة هذه السلطة· لكن ينبغي أن لا ننسى الطبيعة المزدوجة لـ"طلاب الدين" فهم قبليون وغير قبليين في آن واحد· فهؤلاء هم رأس الحربة في عملية ترمي الى السيطرة على جميع أنحاء أفغانستان، وفي الوقت نفسه تندرج جميع تصريحاتهم الرسمية ومراسيم زعيم الملا محمد عمر في دعوة تتخطى الباشتونية أي تتسامى فوق القبائل· فهم يؤكدون أن الشريعة الإسلامية ينبغي أن يكون لها القول الفصل لا القانون القبلي (الباشتونوالي) ونحن نشهد هذه الطبيعة المزدوجة في ما يخص حقوق النساء· فما طبقه "الطالبان" في كابول هو القانون القبلي (المذكور)، فالتشادري (لباس النساء) وإلزام النساء منازلهن ومنعهن من العمل في الخارج كلها تقاليد باشتونية ترقى الى عشرات بل الى مئات السنين· وفي الجنوب الأفغاني الباشتوني الجبلي والقبلي لم يجد أحد غضاضة في تطبيق هذه التقاليد· لكن "الطالبان" طبقوها في كابول وهذا ما يثير الهول·

- هل يعتبر القانون القبلي "الطالباني" أشد قساوة في كابول منه في المناطق الجبلية؟

نعم· فالعاصمة كانت أشبه بـ"برج بابل" بالنسبة الى الطالبان وكان ينبغي إخضاعها·

 

- هل يتطابق هذا النظام الأخلاقي مع التقليد الباشتوني؟

لا يتطابق تماما· فهو يشبه التقليد الباشتوني عمليا لكنه يختلف عنه نظريا· ففي النهاية يقول الملا عمر وأتباعه إنهم سيطبقون نظام الشريعة الإسلامية· وهذه الأخيرة تتناقض في قضايا معينة مع التقليد القبلي· فقد أصدر الملا عمر في نهاية السنة الماضية مرسوما بشأن حقوق النساء، واستنادا الى هذا المرسوم (القائم على الشريعة) تستطيع النساء استعادة الحقوق الممنوحة لهن من الدين الإسلامي، أي أن المرأة ستتمتع بحق اختيار شريكها وبحق رفض الزواج من شقيق زوجها المتوفى أو أحد أبنائه والحصول على الإرث· وثمة نقطة أخرى في التشريع الإسلامي تناقض القانون القبلي وهو أن النساء لا يمكن استعمالهن لتسوية القضايا المتصلة بالثأر·

 

- أليست الأيديولوجيا الدينية هي مجرد تغطية لمكونها القبلي؟

ليس عند الملا عمر· فهو إمام ملهم حقا، لكنه يصح على الآخرين· أي أن الباشتون لاسيما الجبليون وأولئك الذين درسوا في المدارس الدينية وكل الذين أحبطتهم باشتونيتهم خلال عشرين سنة يثأرون لأنفسهم الآن·

 

- استنادا الى هذه الدعوة الدينية الشمولية التي تتخطى القبيلة هل يستطيع "الطالبان" تحقيق وحدة أفغانستان أم تبقى مهددة بالتفكك؟

سيبقى "طلاب الدين" موحدين ما بقي أحمد شاه مسعود يقاومهم وما بقي هناك عدو واحد لهم· فعلى الصعيد الشخصي هناك احترام كبير لمسعود وتعاطف معه باعتباره زعيما محاربا، لكن من جهة فقد مسعود أية إمكانية للسيطرة النهائية على أفغانستان ومن جهة أخرى يساهم وجود عدو في شمال شرق أفغانستان في توحيد "الطالبان"· والملا عمر هو الزعيم الذي استطاع تحقيق الوحدة الباشتونية لا باسم الوحدة القبلية إنما بالانتماء الى الإسلام ضد كل المسلمين "الأشرار" في نظره مثل زعماء الحرب والأجانب والشيوعيين والشيعة والإسماعيليين وغيرهم· وبما أن "طلاب الدين" تدخلوا في وضع مضطرب سادته أعمال القتل والنهب فهم لم يلقوا استقبالا سيئا· وفي جزء كبير في أفغانستان هناك نوع من الرضا الضمني المؤقت عن "الطالبان"·

 

- حتى في كابول؟

نعم، حتى في كابول، وحتى عندما يتهكم الناس على "الطالبان" في الغيبة· وإذا كان "طلاب الدين" مكروهين فذلك عائد الى أن نظامهم الأخلاقي قاس"·

 

- إلامَ يمكن أن يستمر هذا الوضع؟

في المقام الأول يعتبر الوضع الاقتصادي سيئا بعد عشرين سنة من الحرب· والناس لا يستطيعون العثور على أي نظام للتبادل التجاري لم يوجد قط· والقائد مسعود مازال له أنصار في كابول، لكن الناس يحتفظون بذكريات سيئة عن قواته، فأيام المجاهدين في كابول كانت صعبة، والناس يريدون فعلا إعادة فتح المدارس وأن يمارس بعضهم المهن التي تعلموها· لكن الإنهاك أصابهم من سنوات الحرب والصراعات بين الزعماء·

 

- يبدو أن وضع المرأة هو القضية الأشد حساسية في سياسة الطالبان؟

نحن نشعر بالغيظ عندما تعطى هذه القضية الصدارة لأن "الطالبان" مشروع يعني المجتمع برمته يتخطى وضع المرأة· وهذا المشروع يمس النساء، وهو أمر مأساوي بالنسبة الى غالبيتهن، لكنه لا يمس جميع أعضاء المجتمع· فإذا لم ترتدِ المرأة التشادري، يقع العقاب على زوجها إما بدفع غرامة أو بجلده أو بإلقائه في السجن· وغالبا ما يحكم على الرجل بالجلد لأن الملا عمر يكره السجن باعتباره قمعا للحرية الإنسانية· ووفق رأي "الطالبان" ينبغي أن يكون هناك مفهوم للمجتمع كله، في ما يخص الصلاة والأخلاق والتصرف مع الأقرباء، والصور (الفوتوغرافية) والتسلية· أما النساء فهن من نشاهد في غالب الأحيان وهن الأشد شعورا بالألم في كابول·

 

- هل يمكن التعويل على تلطيف لنظام "طالبان" بعد نهاية الحرب؟

ينبغي التفريق بين جانبين، فالأول يتصل بالشريعة الإسلامية وتفسيرها وهذا لا يمكن مناقشته· وفي المقابل تمثل المدارس وحصول النساء على العناية الطبية أولوية مختلفة· والغريب أن الأولويات لدى "طالبان" تختلف عن أولويات الخبراء الغربيين من المنظمات غير الحكومية، فأولوية "طالبان" ليست احترام الحياة الإنسانية إنما السيطرة على جميع أنحاء أفغانستان باسم الإسلام وتنقية أخلاق المجتمع· أما تغذية الأرامل والاهتمام بالتعليم أو إحياء الرعاية الصحية فتعتبر أمورا جيدة إنما ليس عاجلة أو جوهرية· وهذه الأمور كانت سبب الخلاف بين المنظمات غير الحكومية و"الطالبان"· وبالنسبة الى التعليم يمكن تحقيق بعض التقدم بالتعاون مع الحركة· ففي الجبال هناك مدارس تتلقى فيها الفتيات العلوم حتى سن التاسعة أو العاشرة· وهناك منظمات غير حكومية تهتم بهذه المدارس خلافا لما يحدث في كابول· فالعاصمة لا تمثل البلاد كلها· ففي كابول تعاقب وزارة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على ذلك بقسوة· لكن النساء أخذن ينظمن أنفسهن· فهناك نساء يعطين الدروس للأطفال برغم الخطر إنما بشرط أن لا يذهبن من بيت الى آخر·

 

- هل يمكن توحيد جميع القبائل الأخرى غير الباشتون؟

نعتقد أن ذلك ممكن في المدى القصير ومستحيل في المدى البعيد· فهناك مشكلة الأقليات· فإذا وجدنا بعض الوزراء من أصل طاجيكي، فهؤلاء هم جميعا من الملالي· فما يحسب له حساب هو البروز الديني لا الكفاءة· ويمكن أن تجد وزيرا للتعليم العالي لا يعرف كثيرا كيف يقرأ أو يكتب إنما يعتبر ملا (شيخا) ممتازا· حتى أنك قد تجد مخرجا سينمائيا في حين أن السينما غير ممنوعة· وهذا المخرج يؤدي الصلاة طوال اليوم· لقد حافظ طلاب الدين على البنية التي كانت قائمة من قبل في ظل نظام داوود (الذي أسقطه انقلاب شيوعي عام 1978) وهذا وضع ذو دلالة لأن داود كان باشتونيا· لقد احتل "الطالبان" المراتب العليا وتركوا المناصب الدنيا لأشخاص يعرفون القراءة والكتابة ويديرون ما يشبه الإدارة·

 

- ما المصير الذي تحضره "الطالبان" للأقليات؟

الأقليات الدينية هي الأكثر تعرضا للخطر ومنها الشيعة والإسماعيليون· وعندما يطرح على "الطالبان" سؤال بشأن الهيمنة الباشتونية فهم يبادرون الى القول إنهم ليسوا سلطة باشتونية ويؤيدون ذلك بأن أول شخص شنقوه في كابول عندما أسقطوها هو الرئيس السابق محمد نجيب الله وهو باشتوني·

 

- ما الفروق بين "الطالبان" والحركات الأصولية التي شاركت في الحرب ضد السوفييت؟

كان هناك نقاش بشأن حق النساء في التصويت والانتخاب، أي أن بعض الحركات الإسلامية لم يعارض هذا الحق كما هو موجود في إيران· لكن بوجود "الطالبان" صار هذا الحق بعيد المنال· فهو لا يهمهّم الآن· فهم أصوليون أو أصوليون محدثون يعودون الى النص القرآني في أية قضية· وخلافا للإسلاميين الآخرين، ليس عندهم أي مفهوم أيديولوجي عن المجتمع· فبالنسبة إليهم يعتبر المجتمع المثالي قائما ويكفيه تطبيق الشريعة·

 

- ما الموقف الذي ينبغي أن يتخذه المجتمع الدولي إزاء الطالبان؟

استطاعت المنظمات غير الحكومية تكوين متطوعين (أجانب) شديدي الإخلاص حتى أن بعضهم يضحي بمهنته وبأجمل سنوات عمره من أجل العمل في أفغانستان· وهذا يعني أن هذه المنظمات يجب أن تبقى وأن تسوغ وجودها· ولهذا السبب كانت مستعدة للذهاب بعيدا في تنازلاتها (أمام الطالبان) فالمنظمات غير الحكومية غادرت أفغانستان احتجاجا على انتهاك حقوق الإنسان· وكان يعتقد أنها لن تعود من دون حصول تغييرات· والواقع أننا نشهد الآن تنافسا بين نحو 15 منظمة غير حكومية تحاول العودة· وهكذا انقلب ميزان القوى· فحركة "طالبان" هي من يفرض شروطه الآن·

 

- وهل رضي بعض المنظمات؟

رضي الجميع· فالمنظمات تقف الآن على أبواب كابول، و"الطالبان" أدركوا أن ليس من حق هذه المنظمات إبرام اتفاقات بشأن نقاط محددة·

 

- وماذا بشأن الأمم المتحدة؟

نعتقد أن على الأمم المتحدة أن لا تطالب بأشياء كثيرة أي كما فعلت المنظمات غير الحكومية، وأن تكتفي بالحدود الدنيا، أي الحقوق المتساوية في الرعاية الصحية والتعليم بالنسبة الى السكان رجالا ونساء والأقليات الدينية· لكن أخشى أن يكون ذلك مجرد أمانٍ لا تتحقق·

(لوموند)

طباعة  

أزمة العراق وعملية السلام والاقتصاد المتردي
ملك الأردن الجديد: تركة ثقيلة وفرصة وحيدة لابد من اقتناصها

 
الأردن والتركة السياسية للملك حسين
كيف يوفق الملك عبدالله بين الاستمرارية والمستقبل المختلف؟