Al - Talea
رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 الأربعاء 24-30 شوال 1419هـ - 10-16 فبراير 1999
العدد 1364

أزمة العراق وعملية السلام والاقتصاد المتردي
ملك الأردن الجديد: تركة ثقيلة وفرصة وحيدة لابد من اقتناصها

ترك الملك حسين لنجله الأكبر الملك الجديد عبدالله مملكة تواجه صعوبات كبيرة· فالعوائق الاقتصادية والمالية والسياسية والاجتماعية تتخذ الآن بعداً أكبر بكثير مما كان في الماضي لأن الأردن المحصور بين عدة بلدان قوية يواجه أزمتين: هما الأزمة العراقية اللامنتهية وجمود عملية السلام بين العرب وإسرائيل·

فبرغم توليه السلطة بلا منازع طيلة 46 سنة، خسر الملك الراحل كثيرا من الأرصدة في السنوات الأخىرة· فأنصار الملكية في الأردن ومعارضوها يتساءلون الآن عن وجه الحكمة في استراتيجيته التي أثارت غضب جيرانه العرب من دون تحمل مشكلات بلد يرى كثيرون أنه ما زال مهددا بأن يتحول إلى "موطن بديل" للاجئين الفلسطينيين·

كان العراق هو مصدر "الخطيئة الأصلية" لأن الملك حسين أيّده عند غزوه الكويت فصارت المملكة الهاشمية محبوسة في ما يشبه المعزل، وهكذا رأى العاهل الراحل كيف تلاشت عائدات مالية مهمة أي مليارات الدولارات من المساعدات العربية والملايين الأخرى التي تتراوح ما بين 250 و300 مليون دولار سنويا كان يحوّلها المهاجرون الأردنيون سنويا من  الخليج، أما عودة هؤلاء المهاجرين عقب أزمة الخليج الثانية فأدت إلى زيادة كبيرة في أعداد العاطلين في بلد يشكل من هم تحت الـ 25 نسبة 65 في المئة من السكان وحيث يضم القطاع  العام 40 في المئة من العاملين في حين يبلغ معدل الولادات السنوي 3.5 في المئة، ثُم انخفضت الأنشطة التجارية لكثير من المؤسسات والمصانع التي كانت تعتمد على التبادل مع بغداد، وبعضها أقفل أبوابه·

وثمة أخطاء أخرى غير استراتيجية، ومنها توقيع معاهدة السلام مع إسرائيل عام 1994· فالملك الراحل الذي كان يخشى بقاء بلاده منعزلة عن عملية سلام بدت وكأنها تتجه نحو النجاح بعد إعلان مبادىء أوسلو الفلسطيني ــ الإسرائيلي،  عمل على تسريع عملية التطبيع مع الدولة العبرية، وبقدر ما كان يوثق العلاقات مع هذه الأخيرة كان يبتعد عن جاره العراقي، وهذا التطور كان يفتح المصالحة مع دول الخليج العربية الغنية وزيادة التقارب مع الولايات المتحدة التي كانت مساعدتها السنوية للأردن وهي 150 مليون دولار أقل من أن تلبي الحاجات الاقتصادية للمملكة، وباستقباله المثقفين العراقيين عام 1995 "حسين كامل وجماعته" بيدين مفتوحتين، أدار الملك الراحل ظهره للعراق الذي ما زال يتمتع بقدرات على زعزعة الأوضاع الداخلية في الأردن، لكن الأعظم من ذلك أن الملك حسين صار يواجه نقمة من أردنيين شعروا بأن "المغامرة السياسية" أفقدتهم الكثير ولم يكسبوا منها شيئا·

على الصعيد الاقتصادي، شكَّل العراق ومعاهدة السلام عاملين مساعدين لأحداث أزمة بنيوية أوكلت إلى الحكومات الأردنية المتعاقبة مهمة التصدي لها في العقدين الأخيرين من دون أن تحقق نجاحا· وهكذا لم يحصل أي تطور في المجال الاقتصادي إلا عندما فرض صندوق النقد الدولي على الأردن عام 1989 خطة للتعديل الهيكلي أسفرت عن مفاقمة الظروف والتوترات الاجتماعية، وهذه التوترات عبَّرت عن نفسها بالعنف مرتين: فعام 1996 انتقض الناس على مضاعفة أسعار الخبز ثلاثة مرات، وعام 1998 سارت تظاهرات تأييد للعراق المهدد بالغارات الأميركية·

ثم أخذت الأحزاب السياسية تقود الرفض الشعبي، ومنها في المقام الأول "الإخوان المسلمون" فهذا التنظيم كان في الأصل حليفا للملكية، ثم انقلب إلى المعارضة، أما السماح بإطلاق الصوت المعارض فيعود إلى الأزمة على نحو غريب، ففي الأردن يقال إن الملك أراد من وراء إطلاق حرية التعبير السياسي أن يفتح صمام أمان للحكم والأمن السياسي ، وهكذا عاد الأردن عام 1992 إلى التعددية السياسية· لكن القانون الانتمائي الصادر عام 1993 كان يرمي إلى تطويق آثار التعددية السياسية وتعزيز التحالفات القبلية والدينية على  حسابها

وبرغم محاولات لتهديد الصحافة وإرهاب المعارضين الذين لم يكفوا عن إدانة الفساد واللامساواة الاجتماعية ومناصرة الولايات المتحدة والتحالف مع إسرائيل والتلاعب بالمؤسسات باستثناء البرلمان، تحولت الصحافة إلى مرآة تعكس للحكم الوضع السياسي والشعبي، لكن إلى جانب المعارضة الشرعية هناك المتطرفون الإسلاميون الذين لم ترتفع أعدادهم بقدر كبير، إنما عبَّروا عن وجودهم عام 1998 بأعمال  عدائية ما كانت مؤذية كثيرا، ولم تسقط ضحايا·

أياً كان الأردنيون من أصل أردني أم فلسطيني "نحو 60 في المئة" منهم يتساءلون الآن عن الحكمة من وراء اتخاذ مملكتهم دور "الشقيق الخائن" الذي يدفع الفلسطينيين إلى السير في عملية السلام مع إسرائيل بتوجيه من الحكومة هي الأشد يمينية في تاريخ البلاد، وفوق ذلك هي مدانة سياسيا من المجتمع الدولي· وبعض الأردنيين لا يخفي خشيته من أن يبقى اللاجئون الفلسطينيون في المملكة يعيشون على حسابهم وبالقدر نفسه، هناك كثير من الأردنيين يتساءل عن الحكمة من وراء استمرار بلادهم في ارتكاب الأخطاء، ومن وراء كونها البلد العربي الوحيد الذي يتقارب مع التحالف الإسرائيلي ـ التركي الذي تعتبره سورية و دول عربية أخرى موجها ضدها، فالتوتر اتخذ اتجاها صاعدا عام 1998 بين دمشق وعمان ولم يكن من شأن تبادل الاتهامات مفاقمة الريبة العدائية بين الطرفين·

وهكذا يمكن القول إن ثمة مهمة شاقة تنتظر الملك الأردني الجديد الذي تقارب خبرته السياسية الصفر، فبرغم جاذبيته ورؤيته السياسية الثاقبة لم يستطع الملك حسين نفسه أن ينجو من الشباك، وربما كان الخطأ الجوهري للملك الراحل هو أنه لم يفهم أن "الأسلوب الأبوي" في السياسة انقضى عهده وأن الأردن نضج بما يكفي لأن يترك المؤسسات تعمل بحرية، وربما يشكل هذا الفرصة الوحيدة التي يقتنصها ابنه·

"لوموند"

طباعة  

الأردن والتركة السياسية للملك حسين
كيف يوفق الملك عبدالله بين الاستمرارية والمستقبل المختلف؟

 
"لوموند" التقت متخصصين سويسريين في الشؤون الأفغانية
أولوية "طالبان" هي السيطرة النهائية على أفغانستان وحقوق الإنسان والأقليات قضية شبه غائبة