Al - Talea
رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 الأربعاء 24-30 شوال 1419هـ - 10-16 فبراير 1999
العدد 1364

ضوء

السيرة .. والقبض على الزمن العابر

 

ركان الصفدي

1

 

نقبض على الزمن العابر بالكتابة، لا نوقفه بل نسيّره في كل اتجاه·· بالكتابة وحدها يصبح الزمن شخصياً، مطواعاً، مكثفاً وممدّدا في آن واحد·

لا يتاح العيش إلاّ مرّة واحدة، والعمر عرضة لفأرة الزمن التي لا تشبع، ولكننا نقاوم فناءنا بالإبداع ··بالكتابة·الإنسان جزع بين قطبين: ماضٍ يرتحل وينحسر كالظلال ، ومستقبل يرتحل إليه مرعبا غامضا، وبما أن الإنسان لا يستطيع التحكم بما سيأتي فيجد من الأولى أن يتمسّك بتلابيب ماضيه الذي ينأى لحظة فلحظة، ويوما فيوما ، وذكرى فذكرى·

 

2

 

يكتب الإنسان يومياته أو مذكراته لتكون ذكرياته، مهما كانت بسيطة وساذجة·· إن التفاصيل قد تجعله يعيش الحالة نفسها مرّة ثانية و·· عاشرة· المذكرات إمساك بالزمن·

ويكتب الإنسان سيرته باحثا عن " زمنه المفقود" ومكانه المفقود أيضا·· السيرة قبض على العمر مكتملاً··

وتكمن قيمة "السيرة" في أنها تخرج عن نطاق  "الذاتية" إلى فضاء التجربة الإنسانية·· تصبح ملكاً للجميع·

 

3

 

التاريخ سيرة أمة أو شعب، وحين يكون سيرة يصبح ألصق بالقلوب ، إذ يتخلّص من جموده، ويتحرّر من جفاف أرقامه، وصرامة أحداثه الموضوعية·· يصبح سيرة إنسانية، واقعية حيّة·· هذا ما فعله ابن منقذ في "الاعتبار"·

لدى العرب نزوع قويّ إلى الذاتية، ولذلك جاءت مروياتهم الأدبية والتاريخية مجبولة بماء "الذات" كأن يقول قائلهم: حدثني، أخبرني·· حضور الذات في الزمن ذو إغراء برّاق·

بعضهم يكتب سيرة غيره، كأنما يريد معايشة تجربة لم تُتَحْ له، أو لايستطيع أن يعيشها، وبعضهم يكتبها لحكائيتها أو لطرافتها أو لمغزاها·· وفي كل ذلك تحضر الذات معانقة التاريخ ، منصهرة في الحلم·

 

4

 

حين يقرأ الإنسان مذكرات نيرودا أو كازنتزاكي "تقرير إلى غريكو" تغويه الحياة، البحث، التأمل ، الصراع من أجل الحياة والحقيقة· يحسّ بطعم جديد للحياة، للهواء، للماء، للحب، للألم، للفرح·· حين يفهم المبدع حياته فهماً عميقا يجعل قرّاءه أقدر على فهمها أيضا·

قد يكون المبدع أغنى  الناس وأقدرهم على كتابة سيرته، أما السياسيون فهم غالبا لا ينقلون حاضرهم كما هو، وإنما كما يجب أن يكون، أو أنهم يكتبون لتسويغ أفكارهم وممارساتهم، أو التزاما لخطّهم السياسي والفكري·· أسوأ مذكرات قرأتها كانت مذكّرات غروميكو، الذي بلغ به التزامه الحديدي لحزبه أن ذوّب ذاته حتى لم تعد تُرى·· لو كتب تاريخاً موضوعيا لعذرناه·

 

5

 

قلّة من المبدعين والمبدعات العرب استطاعوا أن يكتبوا سيرتهم بحريّة·· لأن الاعترافات  والبوح الحقيقي والأخطاء والخطايا توقع في المأزق الاجتماعي··

ما زال الأديب العربي ينظر حواليه حتى حين يكتب عن نفسه·· وحده محمد شكري عرّى نفسه تحت شمس الحبر، فكان أصدقنا جميعا·

مازال الكثير من أدبائنا يتخيّلون "السيرة الذاتية" صورة شخصية في "استديو" التصوير، فيظهرون فيها مزيفين مقنَّعين متكلّفين، فتفقد سيرتهم ذاتيتها، وتفتقر حياتهم إلى الحياة·

 

6

 

بعضهم يكتب سيرة المدينة التي علقت بروحه، ودبغت جلده·· مثل "عمان" عبد الرحمن منيف، و"طنجة" محمد شكري ·· وربما "بغداد" غالبا هلسا·

وبعضهم يكتب سيرة شعب، أمة، تاريخ، مثل الكثيرين··

وفوزية الشويش تكتب سيرة "النواخذة" في شكل جديد، هل نسميه "شِعْرِواية"؟

أما السيرة الشعبية·· فلها حديث آخر·

طباعة  

أفق
 
إصدارات
 
في قرطاس: المشروع الشرق أوسطي.. والتسلح النووي
 
أخبار ثقافية
 
وزارة الإعلام أعدت بشأنها دراسة مذهلة بالأرقام
مجلة الكويت تكلفتها: 300 ألف دينار.. تطبع: 20 ألف نسخة ويتداولها:200 قارىء فقط!!

 
من أمستردام... إلى هافانا
 
وخزة
 
أجراس
 
نافذة