Al - Talea
رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 الأربعاء 24-30 شوال 1419هـ - 10-16 فبراير 1999
العدد 1364

في ورقة عمل قدمها عن "نظرات في المجتمع المدني: محاولة لتحليل الحالة السعودية"
د. تركي الحمد: مجتمعاتنا مازالت ذات بنية تقليدية قبلية أو طائفية أو عائلية

·  استوردنا منتجات الحداثة ولم نتبن فكرها

·   تعقد السلطة والمجتمع معا يجعل العلاقة المباشرة بين الحاكم والمحكوم غير ممكنة

·   مفهوم المجتمع المدني في بداية ظهوره كان نقيضا للشمولية الإقطاعية "الدينية والسياسية"

·   أساس المجتمع المدني حرية الحركة الاجتماعية بعيداً عن "أبوية" السلطة السياسية أو الدولة

·    حرب الماركسيين في عدن 86 بينت أن الماركسية قشرة تحت عباءتها الحديثة

·   ليس من الضروري أن تكون الديمقراطية نتاجاً حتمياً للمجتمع المدني

 

قدم الدكتور تركي الحمد ورقة عمل عن "نظريات في المجتمع المدني: محاولة لتحليل الحالة السعودية" في الملتقى الاجتماعي الثقافي الخامس لجمعيات وروابط الاجتماعيين في دول مجلس التعاون الخليجي الذي أقيم في الحادي والعشرين وحتى الثالث والعشرين من نوفمبر الماضي في دولة الكويت·· واشتملت الورقة على التالي: 

مدخل: حول مفهوم المجتمع المدني 

يقول اليكس دي توكفيل، في الجزء الثاني من "الديمقراطية في أميركا":

ان الامريكيين من جميع الأعمار، ومن جميع المنازل ومن مشارب مختلفة نجدهم يكونون الجمعيات·· ليس لهم جمعيات اقتصادية وصناعية فقط حيث الكل يشارك فيها لكن لهم أيضا أنواع كثيرة أخرى من دينية واخلاقية مهمة وغير مهمة· جمعيات عامة أخرى خصوصية جمعيات عملاقة وأخرى صغيرة جدا · إن الأمريكيين يكونون جميعيات حتى لوظيفة إقامة الحفلات، ولتأسيس الأديرة، أو لبناء الفنادق الريفية أو لرفع الكنائس، وأيضا لنشر الكتب ولإرسال المبشرين إلى أقاصي الأرض وبهذه الطريقة يؤسسون المستشفيات والسجون والمدارس·

يتعلق الأمر بحقيقة واضحة، إنهم يشكلون الجمعيات باستمرار في كل مناحي حياتهم· وفي كل مجال فأنت تجد على رأس مؤسسة جديدة ما ،في فرنسا حضور الدولة، وفي إنكلترا حضور رجل إقطاعي أما في أمريكا فلا ترى إلا الجمعيات "نقلا عن عبد الباقي الهرماسي" المجتمع والدولة في الممارسة الغربية" في: المجتمع المدني والدولة في الوطن العربي "بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية 1992" ص95·

لا أجد حقيقة أفضل من هذا النص للتعبير عن مضمون المجتمع المدني بعيدا عن التعريفات المجردة، التي تدخل بك في دهاليز النظرية وتاريخ المفهوم والجدل بين المنظرين والفلاسفة، هذا لايعني عدم قيمة الجدل النظري المجرد وتاريخ المفاهيم ولكننا هنا لسنا بصدد إقامة نظرية، أو تعديلها بقدر ما أن الهدف الوصول إلى أبسط معنى للمفهوم بغية الاسترشاد به على أرض الواقع·

وبذلك فإن مفهوم المجتمع المدني من خلال النص السابق مرتبط أشد الارتباط بمفهوم "الحرية" والمبادرة الحرة للفرد والجماعة في المجتمع ولذلك نجده جزءا من الفلسفة الليبرالية، أي حرية المواطن في مقابل السلطة السياسية· فالمجتمع السياسي، أي مجتمع سياسي هو في جوهره عبارة عن حاكم ومحكوم ودولة ومجتمع وبين هذين القطبين يقع المجتمع المدني وفضاه، فالسلطة السياسية هي فضاؤه الحاكم والمجتمع هو فضاء المحكوم، والسؤال المطروح يتعلق بمدى اتساع فضاء هذا أو ذاك، إذ إن العلاقة بين الفضائيين عبارة عن "علاقة لعبة صفرية" "Zero Sum Game" اتساع احدهما لا يكون إلا على حساب الآخر· 

إعجاب بالمجتمع الأمريكي 

ومن هنا كان اعجاب دي توكفيل بالمجتمع الأمريكي مقارنة بالفرنسي والإنجليزي حيث فضاء المواطن أكثر اتساعا من فضاء السلطة ففي المجتمع الأوروبي التقليدي "النظام القديم" نجد أن هناك "عينا ساهرة" وسلطة "أبوية" راعية لكل نشاط وأي نشاط في المجتمع وفي هذه الحالة فإن فضاء المحكوم يتقلص حتى يكاد يقترب من الصفر، وقد كان صفرا بالفعل خلال القرون الوسطى· أما في المجتمع الأمريكي، المجتمع الجديد المتحرر من قيود التقاليد وبنية المجتمع القديم، فإن فضاء المحكوم "المواطن" أكثر اتساعا وحرية للحركة، ومن هنا نشأت ثقافة "المبادرة" التي طبعت المجتمع الأمريكي بطابعها وحولتها من مجتمع للمهاجرين إلى مجتمع للمواطنين· فالسلطة السياسية في أمريكا قُيدت من البداية "إعلان الاستقلال والدستور" بحيث لم تعد السلطة "راعية" للمجتمع بقدر ما هي منظمة ومؤطرة له، وذاك شيء طبيعي إذا علمنا أن المجتمع الأمريكي إنما قام من مهاجرين هاربين من اضطهاد السلطة "الدينية والسياسية" في القارة القديمة وذلك يعني أن السلطة لا تحدد الحركة وطبيعتها ونوعها بقدر ما تحدد مجال الحركة، أما الحركة ذاتها فهي متروكة للفرد والجماعة في داخل إطار المجتمع· 

تعقد السلطة والمجتمع 

وفي الدولة الحديثة، فإن تعقد السلطة والمجتمع معا، يجعل من العلاقة التقليدية المباشرة بين الحاكم والمحكوم مسألة غير ممكنة· ففي الدولة التقليدية كانت العلاقة مباشرة بين الفرد والدولة طالما أن الدولة متغلغلة في كل دهاليز المجتمع وما دام الفرد لا قيمة له بذاته فهو جزء من رعية الدولة وليس مواطنا حسب المفهوم القانوني الحديث وحتى في تلك الدول التي كان سائدا فيها مفهوم "المواطن" "مثل دولة المدينة الإغريقية والدولة الرومانية" فإن المواطنة كانت قاصرة على نخبة  ضئيلة من السكان في  مقابل بقية الرعية الأكبر حجما أما في الدولة الحديثة فإن العلاقة لا تكون إلا من خلال وسيط، هذا الوسيط هو تلك التنظيمات الاجتماعية الحرة المكونة من مواطنين يجمعهم هدف واحد، أو مصلحة واحدة أو تيار فكري واحد ونحو ذلك· ومن هنا كانت نشأة المؤسسات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية الحديثة، من أحزاب سياسة ونقابات عمل وعمال واتحادات مهنية، وجمعيات ثقافية، وغيرها وهذا هو جوهر المجتمع المدني ومفهومه: حرية المواطن في الحركة ، وفي السعي الحر للتعبير عن أهدافه، سواء بشكل فردي أو من  خلال وسيط مؤسسي وذلك في إطار مؤطرات الحركة التي تحددها السلطة،· وذلك يقودنا إلى مناقشة العلاقة بين السلطة والمجتمع المدني· 

السلطة والمجتمع: تكامل أم تناقض؟ 

عندما يقال إن الحرية هي جوهر المجتمع المدني ومفهومه وأساس حركته، فإن ذلك لا يعني انتفاء السلطة السياسية أو الدولة رغم أن جوهرها يقوم على الإكراه والفرض،حيث إنها الاحتكار الشرعي لوسائل العنف في المجتمع " كما يعبر عن ذلك ماكس فيبر، والذي هو بالضرورة مناقض لمفهوم الحرية· كيف يمكن التوفيق بين المفهومين وهما في حالة تناقض وتعارض واضحة؟ بلا سلطة ينتفي المجتمع المدني وآليات ومؤطراته· فالأطر والآليات تحتاج إلى سلطة مركزية تحددها وتدعمها في الوقت ذاته· والسلطة تحتاج إلى المجتمع المدني لمده بأسباب الحياة· ليس هناك خلل في هذه المسألة عند التحليل الموضوعي، بعيدا عن طوبى الفوضويين والشيوعية الرومانسية حيث لا حاجة للسلطة السياسية· وبعيدا عن أيديولوجيات الفاشية والشيوعية السوفيتيية "رأسمالية الدولة" حيث السلطة السياسية هي كل شيء فالقضية  إذن ليست  في أهمية السلطة أو المجتمع المدني ما هي في العلاقة بينهما والحدود التي عندها يلتقي فضاء السلطة بفضاء المجتمع،  فالبديل لانعدام السلطة السياسية أو الدولة ،ليس المجتمع  بصفة عامة بل هو الفوضى و"حال الطبيعة" التي تحدث عنها هوبز والبديل لانتقاء الحرية هو الشمولية بكافة أنواعها وكلا الطرفين "حال الطبيعة، والشمولية" هو نقيض للمجتمع المدني· 

نقيض الشمولية الإقطاعية

فمفهوم المجتمع المدني ظهر في بداية امره كنقيض للشمولية الإقطاعية "الدينية والسياسية" التي سادت أوروبا خلال الفترة ما قبل الصناعية ،ووجد تعبيره النظري في كتابات منظري العقد الاجتماعي هوبز، لوك، وروسو خصوصا"  بمعنى أن مفهوم المجتمع المدني ظهر كنوع من تأكيد حق "العامة" "أي غير النبلاء والفرسان ورجال الدين" في الحركة الحرة، وخصوصا البرجوازية الناشئة فيما يتعلق بحرية رأس المال والطبقة العاملة في حرية حركة العمل خارج القوالب الاجتماعية الصارمة للمجتمع الإقطاعي أي أن مفهوم المجتمع المدني إنما جاء مع البرجوازية الصاعدة، بصفته جزءا من منظومتها الفكرية الجديدة التي تبشر "بمجتمع جديد" مفتوح في مقابل "مجتمع قديم" مغلق وبذلك يمكن اعتباره واحداً من المفاهيم التي تقوم عليها الحداثة بصفة عامة·

 ومع هيغل وماركس انتقل المفهوم "ليصف" ما يجري في المجتمع الجديد، بعد أن كان مع السابقين "يُشرعُن" للمجتمع الجديد ،فالمجتمع المدني لدى هيغل، هو المجال الذي تقوم فيه المنافسة بين المصالح المتعارضة، في إطار الحق المطلق للفرد، وحيث تقوم الدولة بحفظ سلامة هذا المجتمع، والعمل على تقنين حركته "نظر هربرت ماركوز "العقل والثورة هيغل ونشأة النظرية الاجتماعية " بيروت : المؤسسة العربية للدراسات والنشر،1997 ص 204 وما بعدها" ومع ماركس لا نجد اختلافا كبيرا عن "هيغل في كتابات الشباب ولكن ماركس الشيخ ينتقل من مفهوم المجتمع المدني إلى مفهوم الأساس المادي للمجتمع" البنية التحتية، أو أسلوب وعلاقات الإنتاج" وعلاقته بالشكل الأيديولوجي "البنية الفوقية من دولة وقانون وثقافة ونحوها" ولكن وعند التحليل نجد أن المفهوم يبقى هيغليا وإن حور، إذ يبقى المجتمع المدني هو إطار الصراع والتنافس بين القوى الاجتماعية وإن تحولت الدولة هنا إلى نصير طبقي لهذا الطرف أو ذاك بعد أن كانت فوق المجتمع عند هيغل· 

التنافس الأيديولوجي 

ومع صاحب "الأمير الجديد" انطونيو غرامشي يتحول المفهوم ليعني إطار التنافس الأيديولوجي بعد أن كان إطارا للتنافس الاقتصادي والاجتماعي لدى هيغل وماركس، فغرامشي يقسم المجتمع إلى مجتمع مدني ومجتمع سياسي، وظيفة الأول هي ترسيخ السلطة الاجتماعية للطبقة السائدة عن طريق الثقافة والأيديولوجيا، ووظيفة الثاني هي ترسيخ السلطة السياسية المباشرة عن طريق القسر والإكراه·

وبعيدا عن منظرات المنظرين يمكن القول إن مفهوم المجتمع المدني في الكتابات المعاصرة إنما ينصرف إلى حرية الحركة الاجتماعية بعيدا عن "أبوية" السلطة السياسية أو الدولة وهو المفهوم الأقرب إلى قناعتنا هنا· ولكن البعد عن "أبوية" الدولة لايعني الاستغناء عنها، وبالتالي فإن كلا الفضائين مهمان "الفضاء الاجتماعي والفضاء السياسي" ولا وجود لأحدهما من دون الآخر، ولكن القضية هي حدود العلاقة وطبيعتها وليس العلاقة بذاتها · 

نحن ومفهوم المجتمع المدني 

"إن الجميع اليوم يقول عبد الباقي الهرماسي ـ أصبحوا  يلجأون إلى استعمال مفهوم المجتمع المدني· فلقد أصبح المفهوم المركز الهندسي للقاء جميع الأفكار المضادة للدولة ،كما ظهر نوع من الطوباوية في استعمال مفهوم المجتمع المدني وكأنه تحول من منطق السوق  والمنافسة إلى منطق العفوية والتضامن والتعايش المشترك؛ ولعل ما ربحه المفهوم في سعة الانتشار قد خسره على مستوى  الدقة·· ولكن لابد للفكر ـ اذا أراد أن يكون نقديا ـ أن يخضع المفهوم إلى التمحيص الضروري حتى نعرف ماذا يقصد هل يقصد كيانا معينا؟ أم هل يطوع كأداة تحليل؟ أم يقع الالتجاء إليه كأسطورة وشكل من أشكال الطوباوية السياسية؟ "عبد الباقي الهرماسي مرجع سابق ص 102" ككل المفاهيم التي نتبناها ولا ننحتها نستخدم مفهوم المجتمع المدني للدلالة على مكوناته المعاصرة في المجتمعات الغربية المعاصرة ولكننا ننسى جوهره "حرية الحركة" ومكوناته في مجتمعاتنا، أي المجتمعات التي تختلف في بنيتها عن المجتمعات التي نشأ المفهوم في أحضانها فكما كنا نتحدث عن الصراع بين البرجوازية والبروليتاريا مثلا، ومجتمعاتنا، تخلو من طبقتين بالمواصفات ذاتها والاتساع والهيمنة، وعن الحداثة وما بعد الحداثة، ونحن لم نخط الخطوات الأولى في الحداثة نتحدث اليوم عن المجتمع المدني ومكوناته ذاتها بالنظر ة في الوقت ذاته الذي نهمل فيه العناصر الحقيقية المكونة لمجتمعاتنا أي إنه وكما "أدلجنا" المفاهيم السابقة، نحن اليوم نؤدلج  المفاهيم اللاحقة· آفتنا هي أدلجة المفاهيم بدل الانطلاق منها سوسيولوجيا وفق المكونات التي لدينا وليست تلك التي نرغب أن تكون لقد كانت قيمة "المقدمة" لابن خلدون انها حاولت دراسة العلاقة "الفعلية" بين المجتمع والدولة في التاريخ العربي من خلال تفاعلات البداوة والحضارة عن طريق ذلك المفهوم الذي يفسر الشيء الكثير من تاريخ حركة المجتمعات العربية وبذلك نعني مفهوم "العصبية" أما نحن فنبحث عن مكونات "الآخر" لدينا ونحاول أن نصدر أحكاما لن تكون إلا قيمية، أو حتى أيديولوجية لا تعبر عن واقع الحال وحركته بقدر ما تعبر  عما نريده نحن، هذه الفئة أو تلك من الحال وحركته· 

نتاج اجتماعي 

فالمجتمع المدني ومفهومه إنما انبثق من التغيرات التي حدثت في المجتمعات الأوروبية الغربية  مع بداية العصور الحديثة للتعبير عن تطلعات تلك  الطبقات والفئات الجديدة والمتسعة وحريتها في الحركة وتنظيم  أنفسها في مقل تلك الطبقات المهيمنة ولكنها فقدت القاعدة الاجتماعية للهيمنة ، وبالتالي كان لزاما إعادة صياغة المجتمع وفق معادلة تبرز التوازن الحقيقي  لقواه الاقتصادية والاجتماعية، وبالتالي السياسية· وبالتالي فإن مفهوم المجتمع المدني والحالة هذه كان نتاجا اجتماعيا، في المقام الاول، ومن ثم جاء التعبير النظري عنه لاحقا سواء كان تنظيرا تبشيريا كما في حالة منظري العقد الاجتماعي أو تنظيرا أيديولوجيا كما في الحالة الهيغلية والماركسية أو وصفيا كما هو جار في الأديبات السياسة والاجتماعية المعاصرة·

فلو نظرنا إلى مجتمعاتنا·· المجتمعات  العربية عامة فماذا نجد؟ رغم مؤشرات الحداثة التي تتوافر في المجتمعات  العربية إلا أن الحداثة ذاتها "كموقف ثقافي، وسلوك منبثق من ذلك" مازالت بعيدة المنال في مجتمعاتنا لقد استوردنا منتجات الحداثة ولكننا لم نتبن فكر الحداثة ولذلك لم تؤثر فينا مؤشرات الحداثة وهي إن أثرت فهو أثر لا يتجاوز الشكل من دون المضمون· فمجتمعاتنا ما زالت ذات بنية تقليدية، اي عبارة عن مجتمعات قبلية أو طائفية أو عائلية حيث "الأبوية" "البطريركية" هي أسلوب التعامل والعلاقة بين الأطراف الاجتماعية المختلفة مهما بدت هذه الأطراف حديثة الشكل والمظهر ،ومهما بلغت من قدرة على التعامل مع منتجات الحداثة طالما أن التغير لم يبلغ العقل ذاته· 

القيم التقليدية 

وحتى في حال اختفاء البنى التقليدية، أو زعم ذلك، فإن البنى الثقافية التقليدية تبقى هي السائدة، قيم القبيلة والعائلة الممتدة والطائفة ونحوها· وبذلك فإن المؤسسات الحديثة التي تقام من سياسية واجتماعية تكون ذات مضمون تقليدي في حركتها وإن كانت حديثة  ولا علاقة لها بالمؤسسات التقليدية ظاهرا، فالأحزاب السياسية، وغيرها من تنظيمات سياسية واجتماعية مثلا نشأت في الغرب كتعبير عن تطلعات ومصالح الطبقات الجديدة في المقام الأول ثم أصبحت إطارا عاما للتنظيم الحديث خارج إطار السلطة السياسية السائدة وهذا هو لب المجتمع المدني، اما في الحالة  العربية وما شابهها من مجتمعات تقليدية فإنه مع وجود التنظيمات الحديثة هنا إلا أن محتواها يبقى تقليديا·· فحرب الماركسيين في عدن عام  1986 مثلا بينت أن الماركسية ليست إلا قشرة تحت عباءتها الحديثة، تحالفات  وصراعات قبلية لا علاقة لها بالبروليتاريا أو البرجوازية·· والحرب الأهلية اللبنانية مثلا، بينت الطبيعة الطائفية للأحزاب اللبنانية بحيث إنه يمكن تصنيف الأحزاب طائفيا، أو تصنيف الطوائف حزبيا "الحزب التقدمي الاشتراكي والدروز القومي السوري والأرثوذكس،القوميون والسنة ناهيك عن الأحزاب الطائفية من الأساس"· 

مكونات المجتمع المدني 

حين حديثنا عن المجتمع المدني بصفة عامة نركز على مكونات المجتمع المدني هناك، فنبحث عن الحزب والنقابة والجمعية والنادي ونحو ذلك من أنشطة "نخبوية" أهلية ثم نصدر الحكم بضعف، أو حتى انعدام المجتمع المدني لدينا، المطلوب هو تبني مفهوم "المجتمع المدني كمنهج للتحليل، وليس كمكونات جاهزة نبحث عنها ولا نجدها كما بحثنا عن البروجوازية والبروليتاريا فلم نجدهما ولم نقر بذلك إلا بعد أن صدمنا الواقع بالرغم منا، فباسم المجتمع المدني نشجب القبيلة والطائفة والعائلة ونحو ذلك من مؤسسات تقليدية وذلك باسم الحداثة والمجتمع المدني، ليكن ذلك فهذا خيار قيمي وايديولوجي ولكن الشجب لا يمكن أن ينفي الوجود الفعلي لمثل هذه المؤسسات وأثرها الاجتماعي والسياسي، فهذه المؤسسات هي المكون الرئيس "لمجتمعنا" المدني وليست الطبقة والحزب والجمعية التي تتخذ مضمونا ينتمي إلى  هذه المؤسسة التقليدية أو تلك وإن كان ذا شكل حديث كما ذكرنا سابقا أن نقف "مع" "أو" "ضد" هذه المؤسسات التقليدية قضية وأن ندرسها ونعرف أثرها مسألة أخرى، لا علاقة لها بالموقف القيمي وهذا إذا كان الهدف هو الفهم الموضوعي،وليس الحكم الأيديولوجي· 

المجتمع المدني والديمقراطية 

عندما يناقش المجتمع المدني ومفهومه يُربط ذلك بموضّع الديمقراطية وهو ربط صائب وخاطىء في الوقت ذاته، فهو صائب لأنه وعند التحليل الأخير لا ديمقراطية بدون مجتمع مدني اي في ظل استقلالية معينة للمجتمع في مقابل السلطة السياسية، وهو خاطىء لأنه ليس من الضروري أن تكون الديمقراطية نتاجا حتميا للمجتمع المدني، كما أنه ليس من الضروري أن لا يكون هناك مجتمع مدني  من دون ديمقراطية، فالمجتمع المدني الذي يتحدث عنه "توماس هوبز" في "الليفايثن" هو مجتمع مدني تتنافس فيه المصالح في إطار سلطة منظمة  ولكن لا حقوق سياسية لأحد· ومع ذلك ،فإن توماس هوبز يعتبر من المنظرين الأوائل للمجتمع المدني في أوروبا· وحتى "جورج هيغل" لم يتعرض لقضية الديمقراطية مباشرة حين  الحديث عن "صراع المصالح" في المجتمع واحتواء الدولة هذا الصراع ولكنه يُعتبر واحدا من أهم المنظرين في مجال المجتمع المدني ومفهومه ،وفي هذا المجال كان لزاما التفريق بين نوعين أو شكلين من أشكال التنظيم السياسي:"السلطوية،" و"الشمولية" أو "التوتاليتارية" أو "الكليانية" في الأولى "السلطوية" حرية الحركة مكفولة ومتاحة إلا في المجال السياسي الذي هو حكر على الدولة"أسبانيا فرانكو مثلا  ومعظم دول العالم الثالث" وبالتالي يمكن قيام مجتمع مدني وإن كان غير كامل هنا نجد مجتمعا مدنيا وإن انعدمت الديمقراطية، أما في الثانية "الشمولية" فبرنامج الحركة مبرمج كليا من السلطة "ألمانيا هتلر، أو روسيا ستالين، أو العصور الوسطى" وبالتالي ينعدم المجتمع المدني وإن كان لا يصل إلى درجة الصفر ،ومن نافلة القول الديمقراطية بطبيعة الحال فطالما أن الدجاجة غير موجودة فلا تتوقع البيضة· 

مفهوم الديمقراطية 

ولكن وكما ·· هي عادتنا في أدلجة كل شيء نخلط الأمور وتضيع دقة المفاهيم وذلك حين نضع الديمقراطية مؤشرا لوجود المجتمع المدني من عدمه وذلك وفق المقياس الأثير إلى نفوسنا مقياس "إما" "أو" فالديمقراطية منظور إليها سياسيا هي نوع من الإطار المؤسسي الهادف إلى احتواء التناقضات السياسية والاجتماعية  بحيث يمكن التعبير عنها سلميا ومنع انفجار المجتمع أو امكانية ذلك في لحظة من اللحظات  فإذا كان هذا الإطار أي الديمقراطية مطبقا في مجتمع قبلي أو طائفي مثلا ، فلا يتوقع أن تكون المؤسسات السياسية "الأحزاب والتجمعات ونحوها" المعبرة عن مكونات المجتمع غير ذلك·· حقيقة أن الديمقراطية قد تمهد الطريق لتحولات اجتماعية متعددة كونها إطارا يسمح بحرية الحركة والتعبير في خط عام متفق عليه ولكنها هي بذاتها ليست في النهاية إلا مجتمعها·

فمن المعروف أن الديمقراطية الحديثة هي نتاج "مجتمعي" تاريخي أوروبي أنتجته التغيرات الاجتماعية الأوروبية في بداية العصور الحديثة وما عقبها من صراع سياسي وتغيرات سياسية بالتالي فهي ــ أي الديمقراطية كانت الحل التاريخي لسلسلة الحروب الطائفية والثورات الاجتماعية والانقلابات السياسية  وتغير موازين القوى الاجتماعية وعدم التوازن بين القوة الاقتصادية والسلطة السياسية " في أوروبا لتكون إطارا عاما يتنافس "من خلاله الجميع"  من دون اللجوء  إلى العنف، وتحطيم المجتمع ذاته وهذا هو لب نظريات "العقد الاجتماعي" التي وصفت وبشرت في الوقت  ذاته بالتغيرات الاجتماعية والسياسية الموجودة أولا قبل أن تكون متمناة·· وإذا نظرنا إلي بنية المجتمع الأوروبي المتحول نحد أن الطبقة والفئة كانتا أساس تلك البنية ومكوناتها الرئيسة لذلك كان  التعبير السياسي المنظم عن تلك البنية قائما على تمثيل الطبقة والفئة ونحوهما ، بحيث إنك لا تجد وحتى اليوم حزبا أو تنظيما سياسيا غربيا إلا وهو يقوم على بنية اجتماعية من طبقة أو فئة ومع التطور التاريخي للمجتمعات الأوروبية والغربية عموما بدأت الديمقراطية في استيعاب تناقضات واختلافات وقضايا اجتماعية جديدة وذلك مثل الحركات النسائية والمهنية والبيئية وأنواع الجمعيات  الأهلية كافة· وبدأ التعبير السياسي عن التعددية الاجتماعية يأخذ شكل تعددية سياسية تعبر عنها  الأحزاب السياسية وأنواع التنظيم السياسي كافة التي تتمتع بحرية الحركة بموجب بنود دستور يشكل تجسدا للعقد الاجتماعي العام· بإيجاز، كانت الديمقراطية هي تلك الحلقة الوسطى التي تربط السلطة بالمجتمع والتي من خلالها يستطيع المجتمع المدني الحركة الحرة والتعبير عن هدف الحركة ومراقبة السلطة في  الوقت ذاته ولكنها ليست هي ذاتها المجتمع المدني كما أنهاـ أي الديمقراطيةـ أداة للسلطة أيضا في تأطير مجال الحركة القانون مثلا واحتكارها الشرعي لوسائل العنف في المجتمع· 

الديمقراطية في مجتمعنا 

ولكن ماذا عن مجتمعاتنا؟ لم تكن الديمقراطية في مجتمعاتنا التي تقول بها نابعة من حركة المجتمع ذاته بقدر ما هي مطبقة من السلطة ذاتها، بمعنى أن الديمقراطية  لدينا إن وجدت تكون قادمة من الأعلى إلى الأسفل وليس كما كان الحال في أوروبا والغرب، ومن ناحية اخرى فإننا ووفق العقل المؤدلج وعندما نطالب بالديمقراطية ونسعى لها فنحن نأخذها وفق تطورها التاريخي الأوروبي أي كقيمة بذاتها وليس كإطار يعكس بالضرورة القوى الموجودة فعلا وليست المفترضة، فمشكلة المثقف العربي أو حتى العالم الثالث، هي أنه وعندما يتبنى الديمقراطية ويدعو لها، فإنه يضعها في إطار "سحري" كفيل بحل كل مشكلاته واشكالاته، السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية، وكل ما يمكن أن يكون في الذهن من هذه الأمور، يحاول أن ينقل النموذج "القيمي" التاريخي للديمقراطية في الغرب ويطبقه على البنية الاجتماعية المحلية ، وعندما لا يتماهى الطرفان يصاب المثقف بخيبة أمل، وربما يشجب كل شيء ولكنه لا يراجع نفسه  والمنهج الذي اتبعه في دراسة الواقع الاجتماعي الفعلي وليس ما يراد له أن يكون·

هل يعني ذلك القبول المطلق بالمجتمع وبنيته وقيمه السائدة باسم الواقعية ؟ ليس بالضرورة ، ولكنه يعني أن تغيير المجتمع لا يتأتى بدون فهمه أولا، وبغض النظر عن الموقف القيمي منه· فالقبيلة مثلا أو الطائفة أو العائلة أو غيرها من بنى اجتماعية تقليدية ليست شرا ولا خيرا بذاتها، إنها نوع من التنظيم الاجتماعي ما كان ليوجد لو لم يكن هناك حاجة إليه فالتنظيمات الاجتماعية لا تأتي من فراغ ولا تستمر في الفراغ وسرعان ما تضمحل إذا فقدت وظيفتها الاجتماعية وفي مجتمعاتنا تشكل  هذه التنظيمات التقليدية أساس مجتمعنا المدني، منظورا إليه سوسيولوجيا وليس أيديولوجيا· الطبقة موجودة، والفئة موجودة والحزب موجود، والجمعية موجودة، ولكن كل  هذه التنظيمات الحديثة لم تلغ التنظيمات التقليدية ، بل إنه في غالب الأحوال يستوعب التقليد الحديث، و"يجبره" لصالحه وهذا ما يجب علينا دراسته وتحليله وليس مجرد ايراد كم جمعية تكونت لدينا أو كم حزبا أو تنظيما مجرد نظرة سريعة إلى كيفية تحول حزب علماني حديث، مثل حزب البعث العربي  الاشتراكي في العراق وسورية إلى منظمة اقليمية كفيل  بتحديد القضية المتحدث عنها·

جزء من الجواب يكمن في تلك التوليفة الناتجة عن اصطدام الوافد الصرف بالمحلي الصرف· فقد جاءتنا "الدولة القومية" الحديثة مثلا، كتنظيم ومفهوم، من أوروبا، وهي كتنظيم اجتماعي وسياسي كانت تحمل قيما ومعايير نابعة من حركة المجتمع ذاتها في أوروبا ولكنها واجهت واقعا مختلفا كل الاختلاف في المنطقة العربية، فالقبيلة مثلا أو غيرها من أشكال التنظيم التقليدي، تنظيم اجتماعي بتداعيات سياسية معينة له علاقاته وقوانينه الخاصة على مدى تاريخ طويل مثل تلك العلاقات والقوانين لا ريب في اصطدامها مع العلاقات والقوانين الآتية مع التنظيم الحديث، أي الدولة القومية في مثالنا، ومن هنا كان لا بد من ظهور توليفة، أو توفيق اجتماعي وسياسي يجمع بين النقيضين، وهذا هو الحال مع بقية التنظيمات الحديثة ومن ضمنها الديمقراطية ·والسؤال المهم في كل ذلك هو لماذا لم تستطع التنظيمات أن تحل محل التنظيمات التقليدية وظيفيا في مجتمعاتنا بحيث يختفي القديم بعد أن ينتهي دوره؟ جزء من الجواب يكمن في ضعف المأسسة الحديثة في مجتمعاتنا ولكن الجزء الأكبر يكمن في أن الحداثة لم تخترق البنى الثقافية التي تقف وراء أي تنظيم اجتماعي وبالتالي بقي التنظيم الحديث روحا بلا جسد ولكن هذه قضية ليس من مجال هذه الورقة مناقشتها وإن كان هناك بعض من محاولة جواب في ثناياها فلعله يكون موضوع ورقة أخرى  

المجتمع والدولة في المملكة العربية السعودية قبل السلطة المركزية 

كانت شبه الجزيرة العربية وقبل قيام السلطة المركزية السعودية تنقسم اجتماعيا إلى كتلتين رئيستين : البادية الأكثر اتساعا والحاضرة ·وكانت الحاضرة تتألف من تلك الفئات والطبقات الاجتماعية التي استقرت في المدن والقرى وتمارس أعمال التجارة والزراعة والصيد والحرف التقليدية بشكل رئيس· أما البادية فقد كانت تتألف من تلك القبائل  غير المستقرة في حيز مكان معين والتي كان جل نشاطها الاقتصادي ينحصر في الرعى وتربية الماشية حيت تجود البيئة بخيرها النادر أو أعمال الغزو على بعضها بعضا وعلى المراكز الحضرية حيث تسوء الأحوال وهي كثيرا ما تسوء، وإذا كان الاستقرار والاجتماعي من عدمه وطبيعة النشاط الاقتصادي، تفرق بين الحاضرة والبادية فإن "القبيلة" بصفتها حجر الرحي في البنية الاجتماعية العامة لشبه الجزيرة تجمع بين الكتلتين وتشكل مصدر الانتماء الرئيس في المجتمع حاضرة وبادية· فالقبيلة هي المؤطر الأوحد تقريبا وأساس التنظيم  الاجتماعي المباشر في البادية ومصدر القيم وشرعية السلطة فيها· أما في في الحاضرة وان كانت أكثر تعقيدا اجتماعيا من البادية نسبيا· إلا أن القبيلة تلعب دورا رئيسا، وإن كان أقل مباشرة عنه في البادية، فالتمايز الطبقي أكثر وضوحا في الحاضرة عنه في البادية "تجار، زراع حرفيون، صيادون، إلخ" كما التمايز العائلي والاقليمي، وما يستجد من تمايزات، إلا أن القبيلة بقيمها  وكونها من مصادر شرعية السلطة تبقى موجودة على الدوام، رغم التمايزات الاجتماعية المختلفة·· وإذا كانت العلاقات الاجتماعية العامة في البادية تقوم بين قبائل، فإن العلاقات الاجتماعية في الحاضرة تقوم بين منتمين إلى قبائل بصفتهم كتلة واحدة، وبين غير منتمين إلى قبيلة معينة· وفي هذا الإطار الشامل تقوم وتتحد بقية العلاقات الأخرى القائمة على التمايزات الأقل، فإذا كان الانتماء في البادية يستند مباشرة إلى القبيلة وتفرعاتها "فخذ عشيرة، الخ" فإن الانتماء  في الحاضرة يستند بدوره على القبيلة وقيمها ومن ثم تبدأ بقية الانتماءات الفرعية ، من إقليمية وعائلية وطبقية، فالتدرج الاجتماعي قد لا يكون محددا بالطبقة أو الفئة مثلا وبشكل مطلق بقدر ما يكون للموقع القبلي دوره في تحديد ذلك التدرج فقد تجد مزارعين يقومان بالنشاط الاقتصادي نفسه ويحتلان نفسه الموقع الطبقي ولكن أحدهما يكون أرقى اجتماعيا من الآخر لأنه ينتمي إلى قبيلة معروفة والآخر معدوم النسب القبلي وعلى ذلك قس· بل إن السلطة السياسية في  الحاضرة لا يمكن أن تنشأ وتقوم من دون أن يكون لها سند قبلي أولا، تستمد منه الشرعية والتحالفات الاجتماعية  والسياسية الضرورية لقيام السلطة ، ثم يأتي دور بقية التنظيمات والمؤسسات الاجتماعية الأخرى، فما الحاضرة في هذه المنطقة من العالم إلا قبائل استقرت وتميزت بنشاط اقتصادي مختلف يتطلب الاستقرار ولكنه لايلغي بالكامل الخلفية القبلية ولا قيم القبلية يصفتها مصدرا من مصادر الهوية والانتماء·

القبيلة إطار البناء 

ولكن إذا كانت القبيلة الإطار العام للبناء التنظيمي وبالتالي القيمي لمجتمع شبه الجزيرة العربي آنذاك فإن  العلاقة اليومية بين الكتلتين الاجتماعيتين الرئيستين يتجاذبها المد والجزر بناء على معيار المصلحة ،ووفقا للعلاقات الاقتصادية بين الطرفين فمصلحة الحاضرة تعتمد على الاستقرار الاجتماعي أولا، ثم يأتي الاستقرار السياسي الذي بدونه لا قيام لأي نشاط اقتصادي حضري من زراعة أو تجارة أو صناعة أو هي كلها معا ولذلك، فإنه يمكن إدراك لماذا كان جيش الملك  عبد العزيز مثلا أيام تكوين المملكة مكونا ومدعوما من الحضر في المقام الأول ولم يكن دور البادية حاسما إلا بعد أن نظمت في "حركة الإخوان" واستقرت في "الهجر" باختصار فإن الاستقرار يعني الحاضرة، والحاضرة تعني الاستقرار ونشاط البادية قائم ومعتمد على عدم الاستقرار" ترحالا كان أو غزوا" وبالتالي عدم إمكانية قيام مجتمع ثابت، ومن ثم تتحدد طبيعة العلاقة بين الطرفين من خلال أسلوب الإنتاج المتبع· فتناقض المصالح وفقا للتحليل السابق كان لابد منه بين الطرفين ،فمصلحة أحدهما لا يمكن أن تتحقق إلا على حساب الطرف الآخر، أحدهما يتطلب الاستقرار والسلم الاجتماعي والآخر لا يعيش غالب الأحيان إلا في ظل عدم الاستقرار  ومن هنا كان من الصعب قيام أي نوع من أنواع السلطة السياسية المستقرة الضرورية لقيام مجتمع مدني حيث إن ذلك يتطلب نوعا من الاستقرار الاجتماعي طويل الأمد نسبيا وذاك ما لايمكن ضمانه في مثل تلك الظروف لذلك كانت  كل أنواع السلطة السياسية في المنطقة والتي تحاول أن تكون مركزية ذات طبيعة جنينية وغير مستقرة إلى ما بعد الشخصية الكارزمية التي تؤسسها في أغلب الأحوال، فقد قامت بالفعل أنواع من السلطة السياسية المركزية في المناطق الحضرية، ولكنها  كانت غير مستقرة، ومتصارعة فيما بينها من ناحية وخاضعة لطبيعة التحالفات  الاجتماعية ومن ثم السياسية التي انتجتها "تحالفات قبلية، أو عائلية، أو حضرية، قبلية أو كل ذلك" من ناحية أخرى وبذلك تبقى المشاريع السياسية ذات التوجه المركز جنينية أو حتى بدائية غير قادرة في ظل تلك الظروف  على تطوير مؤسسات سياسية ومن ثم مدنية راسخة قادرة على الاستمرار بعد الزعيم المؤسس أو التحالف المساند ومجرد استشراف سريع للإمارات التي نشأت في منطقة نجد مثلا يبين أنه وخلال قرون من الزمان كانت تنشأ وتسقط من دون أن يكون هناك أي نوع من التطور المؤسسي "الاجتماعي والسياسي" بل بقيت كما هي تنظيما وبنيويا ولم تنتقل من حال البساطة البدائية إلي حال السلطة  المركبة والمجتمع المعقد· 

العلاقة بين الحاضرة والبادية 

وإذا كان تناقض المصالح ومعايير السلوك المنبثقة من هذا التناقض هو الطابع العام للعلاقة بين الحاضرة والبادية فإنه يقوم في بعض الأحيان نوع من التحالفات والاتفاقات البدوية ـ الحضرية على قاعدة مالية واقتصادية تسمح بفترات من السلام الاجتماعي، يسمح بدوره بقيام سلطة مركزية جنينية في هذا المنطقة أو تلك، هذا الإقليم من تلك المنطقة أو ذاك، ففي فترات معينة يقوم اتفاق بين جماعة حضرية وأخرى بدوية "قبلية ، أو مجموعة من القبائل" قد يتطور لاحقا إلى درجة الحلف والتحالف يسمح بموجبه للحليف الحضري بالمرور سالما ببضائعه في تلك الأراضي الخاضعة  للحليف في البادية وضمان أمنه وسلامته، وذلك مقابل "جعل" مالي معين "خوة" يدفعها المستفيد للمستفاد منه كما أن الاساس الاقتصادي للتحالف قد لا يكون ماليا بحتا، بل قد يكون بمجرد السماح للطرف البدوي مثلا بالرعي في مناطق واقعة في إطار نفوذ الحليف الحضري وضمان  إمدادات الماء عندما تقسو الطبيعة وهي كثيرا ما تقسو، وتعتبر مثل هذه التحالفات  "الخطوة الأولى في سبيل قيام تشكيلات جيو ـ سياسية مؤدية إلى بنية حكومية وقيام دولة" كما تلاحظ كريستين هيلمز "أوردها تركي الحمد في "توجية الجزيرة العربية:" دور الأيديولوجية والتنظيم في تحطيم البنى الاجتماعية ــ الاقتصادية المعيقة للوحدة " في دراسات أيديولوجية في الحالة العربية· بيروت : دار الطليعة ، 1992 ص 133 ـ  148"·

في مثل هذا الوضع الهش سياسيا واجتماعيا ما كان من الممكن قيام مجتمع مدني واضح· فالمجتمع المدني وبالرغم من أنه يقف في مقابل السلطة إلا أنه يحتاج إلى السلطة لوجوده في الختام ·فلا مجتمع مدنيا يقوم  بدون استقرار سياسي واجتماعي طويل المدى نسبيا، يسمح بقيام الحضارة وتطورها، ولا تقوم الحاضرة بدون سلطة مركزية مستقرة ·وهذا هو بالضبط ما حدث مع بزوغ السلطة المركزية السعودية أي ظهور المجتمع الواسع المستقر نسبيا والضروري في الخاتمة لظهور مكونات ومؤسسات المجتمع المدني· 

بعد السلطة المركزية 

لم يعد محور البادية ـ الحاضرة وتناقضاته هو المحدد لحركة المجتمع وتشكلاته، ولم تعد البساطة المطلقة هي طابع المجتمع بشكل عام، ما زالت البادية قائمة ولكنها لم تعد بادية بالمعنى الذي كانت عليه قبل نشوء السلطة المركزية وذات الحاضرة أخذت تتوسع أفقيا على حساب البادية وعموديا بظهور فئات وطبقات جديدة، ويمكن القول إن عامل التوحيد السياسي "دور السلطة في المجتمع" مضافا إليه عامل الثروة النفطية لاحقا قد أحدثا تغيرات جذرية كبيرة في المجتمع وإن بقي المجتمع تقليديا إلى حد كبير رغم ذلك كما سيتبين لاحقا· فئات جديدة وطبقات جديدة  احتلت موقعها على الخارطة الاجتماعية في المملكة لعل أهمها طبقتا العمال والطبقة الوسطى الجدية·

العمل· فمع اكتشاف النفط وقيام صناعة نفطية بدأت هجرة كثيفة من مختلف مناطق الدولة الناشئة "حاضرة وبادية" إلى حيث مصادر الدخل الجديدة·· لم تكن الهجرة الجديدة قاصرة على منطقة معينة أو طبقة قديمة معينة بقدر ما كانت شاملة وفي مناطق العمل الجديدة انصهر الحضري والبدوي القبيلي واللاقبيلي المزارع الحرفي التقليدي في بوتقة واحدة ليتكون منها طبقة جديدة هي الطبقة العاملة ومع هذه الطبقة الجديدة· وانطلاقا من طبيعة وظروف عملها جاءت أفكار جديدة ووعي اجتماعي وبالتالي سياسي جديد مختلف عن الوعي التقليدي السابق ومع الاتساع المستمر لهذه الطبقة أخذت تعبر عن طموحاتها وغاياتها ووعيها الجديد عن طريق الاضرابات والمظاهرات " بخاصة الخمسينيات " وفي بعض الأحيان عن طريق تكوين النقابات واللجان العمالية والتنظيمات والأحزاب السياسية بدرجة أقل، السرية التي كانت شاملة على مختلف التيارات الأيديولوجية والسياسية السائدة آنذاك من قومية ويسارية تحديدا "انظر في هذا المجال: فاسيلييف فصول من تاريخ العربية السعودية دار الفضاء 1988 ص 407  ـ 417، 473-466"

إلا أن اتساع هذه الطبقة الجديدة ونشاطها توقف عند لحظة معينة وأخذ في الانحسار الشديد حتى باتت ــ أي هذه الطبقة ــ معدومة اليوم أو شبه معدومة على أقل تقدير··  فمع الارتفاع "الثوري" في أسعار النفط في السبعينيات تحديدا وتسرب الثروة الجديدة إلى المجتمع عن طريق خطط التنمية المتتالية وإنفاق الدولة ومكننة الصناعة بشكل أكبر، ومن ثم دخول اليد العاملة الأجنبية بكثافة إلى السوق، اتجه عمال الأمس إلى ما هو أكثر دخلا سواء عن طريق  تكوين أعمال خاصة بهم أو العمل مع القطاع الخاص المتنامي أو الإتجاه إلى وظائف الدولة التي تحولت إلى أكبر موظف في المجتمع وعلى ذلك فإنه يمكن القول إنه لا وجود لطبقة عاملة وطنية في المملكة· ولعل هذا الوضع غير قاصر على المملكة بل يمتد  إلى بقية دول الخليج وربما بشكل أكثر حدة في   معظمها باستثناء البحرين غالبا· 

الطبقة الوسطى الجديدة· 

إلى ما قبل دخول النفط كمتغير في الحياة الاجتماعية في المملكة، كانت الطبقة الوسطى تتكون أساسا من التجار التقليديين وتلك البيوتات التجارية العريقة في نجد والحجاز والأحساء على وجه التحديد· ومع اكتشاف النفط توسعت هذه الطبقة نسبيا نتيجة الأعمال التجارية المنبثقة على  هامش صناعة النفط وأحيانا في صلبها، ولكن مهما كان الاتساع  الذي شهدته هذه الطبقة إلا أنه بقي محدودا وغالبا ما كان محصورا في بيوتات تجارية معينة·· ولعبت هذه الطبقة الوسطى التقليدية دورا في دعم الدولة المركزية منذ البداية وحتى النهاية، فمن ناحية كان لها مصلحة في مركزة السلطة والاستقرار بالتالي ومن ناحية أخرى كانت وبعد النفط تحديدا كانت مرتبطة بالدولة إلى حد كبير، كما أن الدولة وقبل النفط تحديدا كانت تعتمد كثيرا على هذه الطبقة في دعمها اقتصاديا·

التغير الاجتماعي الجذري هو الذي أتى مع انتشار التعليم وتوسعه مع زيادة عائدات الدولة وزيادة إنفاقها، فمع التعليم المتنامي كانت هناك طبقة جديدة تتكون، لا بناء على معايير جديدة يمكن إيجازها بامتلاك المعرفة ودورها في الإنتاج ومن هنا فإن هذه الطبقة الجديدة مثلها مثل الطبقة العاملة في صناعة النفط لم تقم على أسس تقليدية أو نتيجة إرث اجتماعي معين "كأن يكون إبن الفلاح فلاحا أو ابن الحرفي  حرفيا" بقدر ما هي معايير طارئة ونتيجة انصهار عناصر من أصول طبقية واثنية وإقليمية وطائفية مختلفة في بوتقة واحدة ليكون الناتج طبقة جديدة ،ففي هذه الطبقة الجديدة تجد ابن المزارع والفلاح والعامل والحرفي وابن الطبقة الوسطى التقليدية مع اختلاف أصولهم الاثنية والإقليمية والحضارية· وعلى عكس الطبقة العاملة فإن هذه الطبقة اتسعت وامتدت بشكل كبير مع زيادة مداخيل النفط وإنفاق الدولة في السبعينات أو ما اصطلح على تسميته بفترة "الطفرة" وأخذت تشكل جانبا  كبيرا من بيروقراطية الدولة ،بما في ذلك الحكومة ذاتها والعاملون في القطاع الخاص· وإذا كان نشوء ونمو الطبقة العاملة في المملكة قد أتى معه بوعي اجتماعي وسياسي مختلف فإن نشوء واتساع الطبقة الجديدة قد أتى معه بوعي سياسي واجتماعي مختلف حتى وإن لبس لباس التقليد والموروث الديني أحيانا ومنذ ابتداء الطفرة تحديدا، وعي لا علاقة له بالوعي الاجتماعي والسياسي التقليدي إلا من ناحية اكتساب الشرعية غالب الأحيان· ومحاولة اكتساب أرضية اجتماعية في مجتمع بقي تقليديا في أعماقه رغم مظاهر التحديث مما سيرد ذكره لاحقا فسواء كان الحديث عن التيارات القومية واليسارية  قبل الطفرة أو التيارات الدينية و"الليبرالية" بعد الطفرة فإنها كلها تعبير أيديولوجي عن طموحات هذه الطبقة في أن يكون لها دور مؤثر في السياسة والمجتمع· 

خاتمة وتقويم· 

تحليل المجتمع والدولة في المملكة العربية السعودية يبين أنه ليس من الضروري تلازم المجتمع المدني والديمقراطية، فكما قيل سابقا فإن المجتمع المدني أو بنيته الأساسية ضرورية لنشوء الديمقراطية ولكن ليس من الضروري أن لا يكون هناك مجتمع مدني مع غياب  الديمقراطية بالمعني الوارد في الأدبيات السياسية فالتعددية الاجتماعية والسياسية موجودة في كل مجتمع وأي مجتمع وهي تتسع أكثر كلما كان المجتمع أكثر "تعقيدا" ،أما المأسسة فهي "تقنين" "من قانون وقناة معا" لما هو موجود أصلا وذلك حين تكون المؤسسات القديمة وتنظيماتها قادرة على  استيعاب الحركة الجديدة ومتغيراتها، ولكن المشكلة أن البعض يخلط ما بين مأسسة التعددية الاجتماعية وبين التعددية ذاتها بحيث تصبح المأسسة وحرية التنظيم هي أساس المجتمع المدني وليس العكس· وإذا كان الاستقلال النسبي لوحدات المجتمع وتنظيماته هو أساس المجتمع المدني فإن هذا الاستقلال موجود دائما في المجتمع بشكل أو بآخر، ففي الحالة السعودية مثلا نجد أن التجار كان لهم دائما استقلالهم النسبي الذي تضاءل مع "الطفرة" وارتباط التاجر الذي أصبح رجل أعمال بإنفاق الدولة وهي ظاهرة في كل دول الخليج تقريبا، وكما أن التجار ورجال الأعمال  كانوا دائما أحرارا في تنظيم أنفسهم من خلال الغرف التجارية التي يمارس فيها الانتخاب دون غيرها من تنظيمات، قد يكون هناك فقر في عملية المأسسة في السعودية بل ودول الخليج عامة مقارنة بالتحولات الاجتماعية التي شهدتها المنطقة خصوصا في  العهود الأخيرة، ولكن ذلك لا ينفي وجود مجتمع  مدني واسع، ولكنه بحاجة إلى المأسسة لشرعيته بدل أن ينمو عشوائيا، وفي ذلك خطر على الدولة  والمجتمع معا، ولعل في ضعف المأسسة السياسية والاجتماعية جزء من جواب لسؤال سابق حول قوة المؤسسات التقليدية رغم كل التغيرات الاجتماعية ،ففي ظل عدم وجود مؤسسات حديثة فاعلة فإن الفرد والجماعة في المجتمع يلجأون إلى المؤسسات التقليدية من أجل الحركة المستقلة نسبيا عن "أبوية" الدولة· والمشكلة أنه في دول الخليج عامة ساعدت عائدات النفط المتزايدة في السبعينات على تدعيم "أبوية" الدولة وبالتالي قلصت مجال الاستقلال النسبي لحركة المجتمع المدني في  الوقت ذاته الذي كانت فيه مشاريع الدولة وخطط التنمية فيها تنمي المجتمع المدني ذاته، وهي معضلة على دول الخليج عموما حلها خصوصا في مثل هذا الوقت الذي أصبحت فيه الدولة غير قادرة على ممارسة الأبوية المطلقة، لضعف قاعدتها الاقتصادية وفي الوقت نفسه كانت الدولة تدعم القيم التقليدية لأسباب متعلقة بالشرعية السياسية في الوقت ذاته تنتشر فيه قيم حديثة من خلال جهود التحديث التي تقوم الدولة نفسها· هذا  تناقض آخر يضاف إلى قائمة التناقضات في مجتمعات المنطقة وكل هذه التناقضات سوف تنفك من عقالها دفعة واحدة إن لم يوجد لها الحلول المناسبة وأول هذه الحلول وربما أساسها ، المأسسة المستمرة والملازمة للتغيرات التحتية الجارية، فالمملكة ودول الخليج عامة تملك البنية التحتية الكاملة لمجتمع مدني نشط، ولكنها تحتاج إلى مزيد من المأسسة ومزيد من القنوات المنظمة لحركة المجتمع·

طباعة