Al - Talea
رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 الأربعاء 17-23 شوال 1419هـ - 3-9 فبراير 1999
العدد 1363

قيادتهم لم تقطع العلاقات مع صدام نهائياً
أكراد العراق يفضلون الهروب من ماضٍ أليم ومستقبل مضمون

يفيد ظاهر الأوضاع كما لو أن الأكراد العراقيين خرجوا نهائيا من معاناة امتدت 11 سنة قصفهم فيها صدام حسين ذات مرة بالغازات السامة، أو مزقتهم فيها الخلافات الدموية واضطرتهم الى الجلاء عن ديارهم· فقد أتاح صدفة سعيدة للأكراد في الخريف الماضي أن يعيشوا "ربيعهم" الأول عندما وجدت بغداد نفسها تقف مرة جديدة في صدام مع الأمم المتحدة، أي عندما أبرم الطرفان الكرديان المتصارعان (الحزب الديمقراطي الكردستاني بزعامة مسعود البرزاني والاتحاد الوطني الكردستاني بزعامة جلال الطالباني) صفقة سلام رعتها واشنطن· فقبل كل شيء كان الأكراد بمنأى عن الغارات التي شنتها القوات الأمريكية والبريطانية على العراق·

وفي بغداد، راجت منذ فترة شائعات مفادها أن الحياة شمالا (في كردستان) هي أفضل من الحياة في وسط العراق أو جنوبه· وأظهرت استطلاعات منظمة الأمم المتحدة لرعاية الطفولة "يونيسيف" أن مستويات سوء التغذية لدى الأطفال دون سن الخامسة هي في المحافظات الكردية الثلاث دهوك، أربيل والسليمانية أدنى منها في أي مكان عراقي آخر·

كانت المساعدات المقدمة من المنظمات غير الحكومية، ثم من وكالات الإغاثة التابعة للأمم المتحدة ذات فوائد كبيرة، وكان اتفاق "النفط مقابل الغذاء" مثمرا جدا بالنسبة الي الأكراد العراقيين· فهناك نسبة 13 في المئة من عائدات النفط العراقي تخصص لثلاثة ملايين نسمة تقطن المحافظات الثلاث وهذا ما يفوق حسب مصادر الأمم المتحدة بنسبة 40 في المئة العائدات المخصصة لنحو 18 مليون نسمة في وسط العراق وجنوبه·

والثمار الواضحة لهذه المساعدات تمثلت في إعادة إعمار القرى المهدمة· ففي فيزاوة وبردود لم يبق ظاهرا فوق الأرض غير المقابر، ثم ارتفعت سقوف المباني القرميدية من قلب الركام الذي خلفته جرافات صدام· وهذا الانبعاث يتسم بأهمية كبيرة لكونه يحدث في مناطق تحاذي الجنوب الخاضع لسيطرة بغداد· وعن ذلك يقول أحد الأكراد: إنهم هناك فوق التلال يراقبوننا"· وعندما تذهب النساء للتسوق في أقرب قرية يكن مصحوبات برجال مسلحين·

إذا اتجهت بعيدا في الشمال نحو ديالا القريبة من الحدود العراقية الإيرانية تجد خبراء تابعين الى الأمم المتحدة يقومون بعملية كبيرة لنزع الألغام· وهناك ترى شعار الموت مرسوما على لوحات تحذيرية مغروسة في أرض يختفي تحتها الخطر· وعن ذلك يقول المسؤول في الأمم المتحدة ديفيد باكس: "وجدنا الكثير هنا· ألغام مضادة للدبابات وأخرى مضادة للأفراد، ألغام ترقى الى الحرب العراقية - الإيرانية وألغام زرعتها الفصائل الكردية عائدة الى الحزب الديمقراطي والاتحاد الوطني·

كان هناك نحو 100 رجل كردي ينتظرون أمام أبواب قلعة بناها البريطانيون بانتظار الحصول على عمل في نزع الألغام مقابل أجر شهري هو 150 دولارا· وبعد نحو مسيرة ساعة بالسيارة في القلعة كانت هناك ستة كلاب ألمانية تابعة لمؤسسة جنوب أفريقية تتشمم الأرض بحثا عن الألغام· وكان بعضها قد عمل سابقا في أنغولا وموزامبيق والبوسنة· وعندئذ دوى صوت انفجار فقال مدرب استرالي إن بعض "صيادي السمك يصطادون في النهر بالقنابل، وأضاف أن بعض المزارعين غالبا ما يعبرون حقول الألغام اختصارا للمسافة لكن أحدا لم يصب منهم حتى الآن لحسن الحظ·

لم تنقشع الغيوم من فوق الجو السياسي الكردي إلا في الفترة الأخيرة عندما توصل الحزب الديمقراطي والاتحاد الوطني الى سلام بعد سنوات من الصراعات· وعندئذ انبعثت آمال كثيرة· فمؤسسات الحكم الذاتي التي نشأت في ظل الحماية الدولية منذ عام 1992 صار بإمكانها أن ترى النور·

في مدينة صلاح الدين معقل البرزاني، كان سامي عبدالرحمن رئيس المكتب السياسي للحزب الديمقراطي حريصا على إثبات وجود نية حسنة لدى حزبه والاتحاد الوطني· وقال: "هناك الكثير من البوادر المشجعة· فنحن نعمل معا في كثير من لجان المراقبة· وهذه فرصة تاريخية لكون الأمريكيين هم من توسطوا في الاتفاق· ولا بد من مرور وقت على ذلك فهناك صورة سيئة عنا في العالم الخارجي"·

في السليمانية، عاصمة الاتحاد الوطني، عبر وزير الشؤون الإنسانية سعدي بيارا عن وجهة نظر إيجابية مماثلة فقال: "ارتكبنا كثيرا من الأخطاء في السنوات الأربع الماضية وخسرنا كثيرا من الأصدقاء· وقد تبين للجميع أننا لن نستطع التقدم إلا إذا توحدنا·

برغم جميع الصراعات والأعمال القمعية، لم تنقطع صلات الأكراد ببغداد تماما، وهم حريصون على عدم الرد بإيجابية كبيرة على الدعوات الأمريكية الى إسقاط صدام· فقد علمتهم التجارب أنه لا يمكن الاعتماد على الولايات المتحدة وهم لم يعودوا يرحبون بحرارة كما فعلوا سابقا بالجماعات التي دربها الأمريكيون·

تسود غالبية الأكراد أن تصدق النوايا الطيبة التي يعلنها الحزب الديمقراطي والاتحاد الوطني· وعن ذلك قال أحدهم إن آخر حرب أهلية بينت أن أحدا لا يستطيع التغلب على الآخر وعليهما أن يتعاونا حتما·

لكن السلام يبقى ضعيفا، فماذا يمكن أن يحدث لو أدت عملية ثعلب الصحراء الى تخريب اتفاق النفط مقابل الغذاء؟ وهل يمكن المحافظة على المنطقة الأمنية في شمال العراق التي تبدو انتهاكا للسيادة العراقية؟ ففي سبتمبر الماضي أكد اتفاق الحزب الديمقراطي والاتحاد الوطني المشاعر الانفصالية لأكراد العراق التي لم تقبلها بغداد قط·

لم تغير الحكومة العراقية سياستها إزاء المسألة الكردية: وفي هذه الأثناء ما زالت عائلات مهجرة تقيم في الخيام جنوب السليمانية· وفي شمال كردستان يقيم مقاتلو حزب العمال الكردستاني التركي الانفصالي الذين يقاتلون القوات التركية· أما وجود الأمم المتحدة والحوار الجديد بين الحزبين المتنازعين فليسا كافيين لتغيير المجتمع الكردي المسلح أو إزالة الحواجز العسكرية من على الطرق· أما الأعلام الخضر والصفر التي تبين مناطق سيطرة الحزب الديمقراطي والاتحاد الوطني على التوالي فتؤكد أن هذين الفصيلين أقرب الى كونهما جهتين متصارعتين أكثر منهما شريكين في الحكم· وفي هذا الصدد ويلاحظ مراقبو الأمم المتحدة أن كلا من الطرفين يحاول الاستفادة من المساعدات الغذائية والإعمارية·

هناك شيء مشترك بين الحمية الكردية الشمالية ومناطق الوسط والجنوب المقصوفة في العراق وهي أن سنوات الحرب الطويلة انهكت سكانها فجعلتهم لا يفكرون بغير الفرار· وتظهر جماعات اللاجئين الذين يطرقون أبواب أوروبا شيئا واحدا وهي أن الأكراد العراقيين المحصورين بين جروح الماضي ووعود المستقبل اختاروا تقرير مصيرهم·· بأقدامهم·

(لوموند)

طباعة  

الاتهامات لن تطول الشخصيات الكبيرة في النظام
إيران بعد فضيحة وزارة الاستخبارات: حرب خاتمية باردة على الجناح المحافظ

 
لأنه فقد المصداقية وصار مشغولاً بأزمته
المحاكمة أضعفت كلينتون والسياسة الخارجية الأمريكية