Al - Talea
رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 الأربعاء 17-23 شوال 1419هـ - 3-9 فبراير 1999
العدد 1363

رياض الصالح الحسين في ذكرى غيابه
طفل مسّته رعشة الوحي... لم تمهله رعشة الموت

·         ماذا يكون مصير الحبّ والأحلام في أزمنة تفوح منها رائحة القتل؟!

·         لا تزال قصيدة (رياض) طازجة ونضرة لأنه شاعر ذو نسيج خاص

 

كتب نزار فلّوح:

عبر رياض الصالح الحسين أفق هذا العالم سريعا مثل كواكب الأسحار، لم يمهله الموت لينشد المزيد من الأغاني، ويرسم أسرابا أخرى من العصافير الهاربة في سماء سوداء، إلا أن في سنوات حياته الخاطفة من الكفاح والعذاب والألم ما يرقى الى جوهر حياة كاملة أصيلة غنية بالعطاء والحلم والإبداع، فقد ترك رياض أربع مجموعات شعرية متميزة انطبعت قصائدها ببساطة الأحاسيس الأولى ودهشة التساؤلات الطفولية البريئة من دون أن تبتعد عن محرقة الهموم الكبرى، إذ ظلت معظم قصائده مسكونة بهاجس فساد الأشياء وخراب العالم المهددة - دوما - بالموت والجوع والحروب···

 

عالم يتهاوى على إيقاع مرعب

 

تتغير صورة العالم في رؤيا رياض الشعرية وتتسارع لقطاتها بين فضاء وجحيم، أو بين قبر ومستنقع، لتستقر اللقطة على مشهد "خنجر واسع" ذابح للأحلام، وقصيدة رياض بهذا المعنى مرثية سوداء لعالم يتهاوى على إيقاع مرعب يجرف بانهياره كل أحلام الحب والطمأنينة ومشاريع الحياة والبقاء، فلا ترى قصيدته في تاريخ البشرية الطويل إلا فصولا متعاقبة من ابتكار فنون الموت وممارسة شهوة القتل والقمع والتدمير، ووسط هذا الركام وألغام الموت يختار الشاعر دور المغني حاملا ناي الحب يوزع الأغنيات على قرى ومدن لا يحلم أهلها بأكثر من بعض الخبز والأمان: "منذ القبلة الأولى على رقبتك الطويلة/ وحتى الحرب العالمية الثالثة/ التي لم تأتِ بعد/ كنت أوزع الحب على النازحين/ وهم يوزعون بطاقات الإعاشة/ منذ انبثاق النار من احتكاك حجرين/ وحتى اختراع القنابل العنقودية/ كنت أوزع الحب في القلوب/ كما يوزعون الرصاص/ كنت أنثر الأغاني في الطرق الجبلية/ كما ينثرون الألغام"·

 

الحرب تقصف الأحلام الطرية

 

تستمد نصوص رياض من اليومي معنى الوجودي، وتنتقل بالخاص وتفاصيله الحميمة - وربما - النافرة الى العام وصورته الكبرى الدامية المثقلة بكوابيس الموت والحرب والمجازر· في قصيدته "حرب·· حرب·· حرب··" التي يفتتح بها مجموعته "أساطير يومية" تقصف الحرب الأحلام الطرية للعاشق وتقذف به بين "حشرجة النازحين وحشرجة الكلمات" ليطل على "البراري المدماة والجثث الذهبية"·· هذا المشهد السوداوي الذي تنداح على أرصفته صور الموت والدماء والنشيج هو من أكثر الملامح حدة في تجربته ورؤياه الشعرية المفتوحة دوما على هذا الوجه الدامي للعالم ومسوخه المشوهة: "هذي هي الحرب/ تخلع قمصانها الخشبية/ تكشف عن عريها الحشري/ دماء وأرصفة/ ودفاتر مبتلة بالنشيج/ دماء وعاشقة ودفاتر مبتلة بالدماء/ دماء وأرغفة/ وأساور ضيقة/ ومآذن واسعة/ وطيور تهاجر··/ هذي هي الحرب/ تفتح نافذة الحب للقاتلين/ وللعاشقين ستفتح نافذة للقبور··"·

ماذا يكون مصير الحب والأحلام في أزمنة تفوح منها رائحة القتل، وينبعث من أعماقها أنين الكوارث والمجاعات والمجازر، كما في صلاة حزينة ترتفع بالابتهال والشكوى: "كان وجه أليف لعاشقة يتمرغ في الرمل/ والألم الطبقي/ كانت العاشقات الوسيمات يخرجن للشرفات/ ويعرضن أجسادهن المدماة لله"· يخلق الشاعر طقسا جنائزيا موازيا لصورة الخراب التي يطل عليها في عالم طافح بالمأساة مضمخ بالفجيعة، وينجح في تعبئة إحساس القارئ وإدخاله في أتون هذه التجربة وأوجاعها حيث يكشف القناع عن مفاسد العالم ومظالمه، ويجاور بين الحلم والكابوس في تصوير جدلي للحياة وتناقضاتها الحادة: (نافذة الحب للقاتلين - للعاشقين نافذة للقبور)·

وإذا كان القارئ يلاحظ هيمنة الإحساس بالفاجعة والكارثة، وافتقاد شروط العدالة الإنسانية في هذا العالم، الى درجة تعميم هذا الإحساس وتجذيره، فإن رياض الصالح الحسين لا ينفك - رغم ذلك يدافع ببسالة عن الحلم بحياة كريمة عادلة، يمجد الحياة ويتغنى بأفراحها القليلة، باحثا عن أنبل حالة عطف إنساني ممكنة: "حدثيني عن السهول ذات الخضرة الضاربة/ عن الوعول التي تقفز بسعادة بالغة/ وهي تقضم عشب الفرح بحرية/ لا تشبه إلا قلبي"·

 

الطفولة: حبر يلهم ريشة الشاعر

 

ينطق الشاعر في كثير من قصائده بما يشبه صوت قديس أو طفل مسته رعشة الوحي، فتتميز الطفولة بحضورها في قصيدته كحالة شعرية وذهنية، ومنطق تساؤلي مفعم بالبراءة والدهشة: "ما الذي سيحدث في هذا الفضاء الواسع/ إذا توقفت العصافير عن الزقزقة/ لمدة ثلاثة أيام؟"، كما تظهر الطفولة في النص من خلال اللغة والبناء والصور، فنسيج القصيدة اللغوي والذهني هو نسيج طفولي سلس بكر، ينشد العذوبة والنقاء والفرح وسط عالم ملوث قاس: "أذهب الى المدرسة في القرى الموحلة/ أطارد الدجاج في الطريق/ وأتعلم كيف أقبل الفتيات الصغيرات/ وأسرق لهن التوت من الأشجار الواطئة"·

ولا يكف الشاعر عن إطلاق تساؤلاته ونداءاته التي يغترفها من منبع طفولي يضج بالعبث والبراءة، حيث الصورة المقلوبة لسيرة العالم سمة من سمات هذا المنزع الطفولي الذي لا يعبأ بمنطق التفكير أو بصوغ الإجابات المقنعة: "أيها الطفل تعال لأقص عليك حكاية الذئب والأرنب/ أيها العاري تعال لأكسوك بالقبلات/ أيتها الحقول الجافة تعالي لأهبك خضرة دمي/ أيتها الشمس لماذا ترتعشين من البرد/ وحطب قلبي مهيأ للاشتعال؟" وكما يرهق الطفل نفسه والآخرين بتساؤلات ملحة لا تنتهي، يصوغ الشاعر كذلك حلمه اللامعقول في زمن جديد وفوق أرض جديدة تنقلب فيها أدوار لعبة الحياة لصالح قيم الخير والحب والحرية في علاقة دامية لا تعرف التوازن بل تفضي الى حرب جديدة، لا بد أن يكون فيها دوما قاتل وقتيل: "تعالي لنتفاءل بذات يوم فوق سرير شاسع/ ذات يوم فوق سرير شاسع حيث/ العصافير تقصف الطائرات/ الشهداء يضعون القتلة على الكراسي الكهربائية/ الزهور تسن للرصاص شفرات المقاصل/ والحرية تغتصب السجون!!"·

وتبقى موضوعة الطفولة في شعر رياض سرا جديرا بتأمل من نوع خاص، ففي نصوصه وقصائده من الانفعالات الغامضة، والأحلام الشقية، والصور العبثية المرحة، والأفكار الطفولية المحملة ببساطة آسرة، ما لا نجده عند سواه من شعراء جيله، فما الذي توحيه لنا صورة من مثل: "الجثث الذهبية" أو "القمصان الخشبية"··· وغيرهما من صوره المشاكسة الحارة؟··

 

الحب: تعويذة في مواجهة الموت···

 

وإلى جانب الطفولة تحتفي تجربة رياض بالأنوثة وما تزرعه في العالم من دفء وحب وألم وحنين، إذ نستطيع أن نرصد في أكثر من قصيدة له ذلك التلازم الدائم بين صورتي المرأة والطفل وفق مسار تعبيري متنوع الأطياف والمشاعر:

"أيتها المرأة تعالي لأضمك/ أيها الطفل تعال لأقص عليك حكاية الذئب والأرنب"·

"امرأة تغني بصوت حزين/ وطفلة تقول لكل رجل تصادفه: أريد بابا"·

"امرأة تخلع عينيها وتطارد الغزلان/ طفل يفجر بالونه ويطالب بمسدس"·

وغنائية رياض وحبر الطفولة الذي يلهم ريشته يجعلان منه - رغم المرض والجسد المتعب - مدافعا شجاعا عن مصائر الحب والحلم، حيث المرأة ملاذ ومنبع للجمال، والحب تعويذة للموت، يعاش في تفاصيله الصغيرة ولحظاته الدافئة التي ترمز الى عالم ذي شفافية جميلة وتلقائية مميزة، لكنها توحي بأن الحب لا ينجو - هو الآخر - من المصائر الفاجعة التي تعصف بأحلام العاشقين: "كانا اثنين/ أحدهما يغني/ والآخر يحب الإصغاء/ فجأة توقف عن هذا/ وتوقفت عن ذاك/ عندما انكسر المزمار/ كانا اثنين/ أهدته قلما للكتابة/ وأهداها حذاء خفيفا للنزهات/ بالقلم كتب لها وداعا/ وبالحذاء الخفيف جاءت لتودعه"·

 

جمالية الصورة في شعره

 

يكتب الشاعر في إحدى قصائد مجموعته الأولى "خراب الدورة الدموية": "تعالوا لنحتسي قليلا من الدهشة/ ونلف أوجاعنا بورق السجائر الرقيق/ وندخنها باطمئنان"، فإذا ما توقفنا مليا عند التضاد الحاد بين "الدهشة" و"الاطمئنان" أمكن لنا أن نلاحظ كيف تتجاور في صور رياض الشعرية أقصى الشفافية مع أقسى درجات الوحشية، مما يولد في شعره مسافة من التوتر تشد القصيدة بخيط من الدهشة والغرابة التي تصدم مخيلة القارئ، وتخرجه من حياده الفني والشعوري، لتضعه في قلب أسئلة الوجود المعذب بطريقة نزقة حالمة، يبحث الشاعر من خلالها عن البكارات الأولى للأشياء في أضدادها ونقائضها، حيث تتعانق مشاهد الحب والموت، وتتداخل صور النقاء والتلوث، وتشتبك رمزية الحلم مع الكابوس في حدس يشابه النبوءات الشعرية التي يطل بها الشاعر على مصير الذات والعالم، يوحد في فسحة واحدة بين القبلة والقذيفة، أو بين الجوع والرغيف، ليخلق مشهدا نرى في تفاصيله العبثية الظاهرة بعضا من يوميات العالم، وفي إيحاءاته الأعمق نشيدا جنائزيا لملحمة الخراب الوجودي: "بعد ثلاث قبلات/ بعد ثلاث قذائف/ بعد ثلاثة أرغفة/ بعد ثلاث مجاعات/ بعد ثلاث جثث/ بعد ثلاثة أرانب/ من يستطيع أن يحبني/ بعد ثلاثة أيام؟"·

ترتكز جمالية الصورة في شعر رياض - كما نرى - على شيء من التنافر يعمق حس المفارقة والإدهاش الشعري، حيث تقوم الصورة على بناء علاقات تجاور وتداخل وتراسل بين أشياء يبدو لنا - للوهلة الأولى أنه لا علاقة بينها أصلا، وذلك لخلق فجوة تعبيرية وتضاد لغوي يغذيان النص بحس الدهشة، ويبقيان حضور القصيدة طازجا وجديدا لدى القارئ الذي يشعر بأنه أمام صور ورموز لم يألفها من قبل، ولم يقتلها الابتذال التعبيري المتكرر، فتشيع في نصوصه صور وتعبيرات شعرية من مثل: "دم أبيض وأزهار سوداء"/ "فتاة جائعة تمشط شعرها باتقان"/ "أرانب تتعلم ركوب الدراجات"/ "جيوب محشوة بالمدرعات"/ "ألسنة مطلية بالنيفيا"/ "دبابة سقطت بين فكي زهرة دفلى"!!··

وهذه السمة الجمالية القائمة على خلق درجة حادة من الانحراف اللغوي عن درجة الصفر في الكتابة تبدو ذات حضور قوي في شعر رياض على مستوى "العبارة الشعرية"، وهي - وإن تكن سمة سائدة في شعر الحداثة عموما - فإن المختلف في تجربته هو فرادة صوته المستقل - رغم عدم اكتمال ملامحه - وخصوصية مناخاته وانفعالاته ورموزه وصوره التي تقدم توليفة شعرية خاصة جدا فيها من القسوة والهول والغرابة مقدار ما فيها من العبث والمرح الطفولي البكر··

 

غرابة··· وكاريكاتير

 

وتندرج هذه السمة التعبيرية ضمن مساحة تصويرية ودلالية أرحب تتمثل في اللوحة المشهدية الشاملة التي ترتسم فيها صورة العالم بقوة نابعة من غرابة الصورة وعبثيتها وعجائبيتها، إذ يقدم الشاعر بعض هذه الصورة بأسلوب يستلهم شيئا من تقنيات "الكاريكاتير" الذي تسود أبعاده وصفاته علاقات الغرابة والمفارقة والدهشة: "راعي بقر مكسيكي/ يمتطي دبابة سمينة/ أسنانه في نهد خط الاستواء/ وأصابعه تلعب البوكر في داريا/ جزمته في طهران/ ودماغه في واشنطن/ راعي بقر مكسيكي/ أطلق قذيفة واحدة/ فأصاب ثلاث عائلات/ الأولى: لم تسمع بالأمم المتحدة· الثانية: لم تسمع بالأمم المتحدة الثالثة: لم تسمع بالأمم المتحدة/ راعي بقر مكسيكي/ أطلق قذيفة واحدة/ فثقب قلبي من ست جهات شحذت سكيني ببرود/ أيها الراعي· أيها الراعي/ تعال لأحبك!!"·

ففي هذا المشهد الشعري (الفانتازي) ملامح متنوعة لأجواء درامية وسينمائية ومسرحية وتشكيلية تسودها علاقات بصرية وسمعية وحركية ونفسية، تنهض الى إبراز المفارقة الكونية الصارخة بين الخير المستضعف والشر القوي المتسلط، من خلال أساليب عفوية عديدة: النزعة القصصية، وتكثيف الأثر النفسي للحدث (ست جهات)· والتشخيص الأخطبوطي للطغيان، ودلالة اختيار الأماكن (نهد خط الاستواء؟)، والتضاد الذي تحفل به علاقات المشهد (شحذت سكيني ببرود)، والسخرية والتكرار (الأمم المتحدة)، والنداء الطفولي (أيها الراعي···)· فهذا التمازج التعبيري الغني يشحذ مخيلة المتلقي ويترك أكثر من علامة استفهام وتساؤل تعمل في مخيلته لزمن غير قليل·· فهل على القصيدة أن تفعل أكثر من ذلك؟

أنظر في تجربة رياض الصالح الحسين - اليوم - وبعد أن اختفت مجموعاته الشعرية من التداول في المكتبات، فأجدها لا تقل تميزا عما كانت عليه في سنوات حياته الماضية، إذ ما تزال قصيدته حتى اليوم طازجة ونضرة، لم يستهلكها مرور الزمن، فهي تجدد تساؤلاتها وتحفر في أرض الواقع، لأنها نتاج شاعر ذي نسيج خاص، ظل ينظر الى العالم بعينين صافيتين لم تتعودا ألفة الأشياء القائمة على القبح والتدجين· وإذا كان الوسط الأدبي والثقافي قد احتفى برياض وتجربته في الحياة والإبداع والموت شعرا ونقدا وإعلاما، فإننا نأمل من الجهات المعنية مثل "اتحاد الكتاب العرب" أو وزارة الثقافة" التي سبق لها أن أصدرت له ثلاثا من مجموعاته الشعرية أن تجدد لمسة الوفاء بالمبادرة الى إعادة إصدار الأعمال الشعرية الكاملة لرياض الصالح الحسين في طبعة جديدة تليق بإبداعه وأحلامه الشعرية التي ظلت شاردة في فضاء الإبداع، لأن الموت المعجل لم يتح لها أن تكتمل حروفا وألوانا وأغنيات·

 

* * *

 

رياض الصالح الحسين:

 

- ولد عام 1954 في أسرة فقيرة·

- منعه المرض من إكمال دراسته، فدأب على تثقيف نفسه بنفسه·

- اضطر الى ممارسة العمل مبكرا: عاملا وموظفا وصحفيا، وعانى مشكلة البطالة·

- كتب الشعر والقصة القصيرة، وقصص الأطفال، والمقالة الصحفية والنقد الأدبي·

 

أعماله الشعرية:

1 - خراب الدورة الدموية: وزارة الثقافة - دمشق - 1979·

2 - أساطير يومية: وزارة الثقافة - دمشق - 1980·

3 - بسيط كالماء·· واضح كطلقة مسدس - دار الجرمق - دمشق - 1982·

4 - وعل في الغابة: وزارة الثقافة - دمشق - 1983 (صدرت بعد وفاته)·

- توفي في مستشفى المواساة بدمشق متأثرا بمرضه يوم 21/11/1982·

طباعة  

نحو انتخابات رابطة الأدباء في الكويت
الهدف النبيل أسمى من المصالح الشخصية... لإنقاذ الثقافة

 
أخبار ثقافية
 
إصدارات
 
قصيدتان
 
ضوء
 
وخزة
 
أجراس
 
نافذة
 
هل يعود الفارس عبد المحسن لرئاسة القلعة الصفراء؟؟