Al - Talea
رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 الأربعاء 17-23 شوال 1419هـ - 3-9 فبراير 1999
العدد 1363

لأنه فقد المصداقية وصار مشغولاً بأزمته
المحاكمة أضعفت كلينتون والسياسة الخارجية الأمريكية

تمر الولايات المتحدة الآن بأيام صعبة، فالأزمة السياسية الداخلية أضعفت مؤسسة الرئاسة، ونالت من السياسة الخارجية بقدر كبير· فمع محاكمة الرئيس بيل كلينتون الرامية الى عزله - المرة الثانية في تاريخ الولايات المتحدة والأولى منذ الرئيس اندرو جونسون عام 1868 - بلغت هذه الأزمة ذروتها·

وأيا كانت وجهة نظر المرء في الاتهامات الموجهة الى كلينتون، يبدو منظر رئيس الولايات المتحدة في هذه العملية القضائية محبطا بشدة لأولئك الذين يعتقدون أن الزعامة الأمريكية تبقى عنصرا حيويا في الساحة الدولية· وأيا كانت نتيجة المحاكمة، تواجه الزعامة العالمية الأمريكية أضرارا· فإذا أدين الرئيس، وهذا هو الاحتمال غير المرجح، يفترض أن يعمل نائبه آل غور على جمع شظايا الرئاسة الأمريكية المحطمة، وحتى لو تمت تبرئة الرئيس، وهذا هو الاحتمال المرجح، فسيقضي السنتين الأخيرتين في المنصب باعتباره أضعف بطة عرجاء في البيت الأبيض· فقد انهارت سمعته الشخصية وسلطته السياسية ومصداقيته·

هذه الأزمة المستمرة منذ سنة نالت كثيرا من السياسة الخارجية· أما الاعتقاد القائل إن الفضيحة لا تؤثر في أداء السياسة الخارجية فيفتقر الى المصداقية· وباعتباري رئيسا سابقا لموظفي البيت الأبيض ثم وزيرا للخارجية (في عهد الرئيس السابق جورج بوش) أدرك مقدار الصعوبة التي تجابه الولايات المتحدة في تأدية دورها العالمي حتى في الأيام السعيدة· فهذا الدور يحتاج الى رئيس غير مشتت يستطيع توجيه الرئاسة والبيت الأبيض والرصيد السياسي نحو غاية واحدة·

يمكن اعتبار كلينتون رجلا ذا طاقة عالية، وذكاء سريع وقدرة ملحوظة على تقسيم أوقات حياته· لكن تبين منذ يناير الماضي عند انفجار الأزمة أنه صار عاجزا عن تحقيق الزعامة الأمريكية المطلوبة في الشؤون الدولية· وهذه النتيجة مفهومة إذا أخذنا بالاعتبار المشكلات الدستورية والسياسية والقانونية التي تعترضه· فهناك الكثير من ساعات العمل التي تتطلب قدرا كبيرا من قوة الاحتمال· فالرئيس الأسبق ريتشارد نيكسون المعروف بقوة الشكيمة شارف الانهيار قبل أسابيع من تقديم استقالته (على خلفية فضيحة ووترغيت)·

وفضلا عن تأثيرها في مؤسسة الرئاسة والرئيس نفسه، ساهمت الأزمة فعلا في إحداث تراجعات بارزة عدة في السياسة الخارجية· فالإدارة الأمريكية لم تستطع الحصول على دعم من غير بريطانيا عندما وجهت الضربات الجوية الأخيرة بحق صدام حسين، أما التحالف الدولي الواسع الذي جمعه جورج بوش فلم يعد قائما· والزيارة التي قام بها كلينتون الى إسرائيل والأراضي الفلسطينية في ديسمبر الماضي كانت عقيمة· أما اتفاق واي ريفر الفلسطيني الإسرائيلي الذي أعلنته واشنطن وسط صخب كبير فقد وصل الى حافة الاخفاق الكامل· وبعد ستة أشهر من الزيارة الرسمية التي قام بها كلينتون للصين، تحركت بكين بلا رحمة نحو قمع المنشقين السياسيين، في لفتة تؤكد أنها لا تبالي بموقف واشنطن من قضية حقوق الإنسان· والأدهى من ذلك أن كوريا الشمالية واصلت تطوير السلاح النووي والصواريخ اللازمة لإطلاقه في إشارة تؤكد إخفاق واشنطن نهائيا في تهدئة بيونغ يانغ·

وفي عالم الجغراسيا حيث يحسب للقوة والجبروت والمصداقية حساب، يمكن القول إن أعمال كلينتون أسفرت عن تأثير سيئ في العلاقات مع الحلفاء والخصوم على حد سواء· فقبل كل شيء صار مدانا بالحنث باليمين الدستورية وينتظر تصويت مجلس الشيوخ الأخير قبل اعتراضه المحتمل سياسيا· وبناء على ذلك، تضاءل نفوذه السياسي وتحطمت مصداقيته الشخصية· ولذلك صار يقف موقفا ضعيفا في السياسة الدولية بغض النظر عن رضا الأمريكيين عن أدائه· وهذا الضعف يؤذي معنويات حلفاء الولايات المتحدة ويشجع الخصوم·

لكن التأثير الأعظم للأزمة في السياسة الخارجية لا يظهر في الخارج إنما في الولايات المتحدة نفسها· فالأداء الناجح للسياسة الخارجية كان يعتمد تقليديا على قدرة الرئيس على تحقيق الإجماع باسم البلاد· ولا يمكن أن نوكل هذه المهمة الى أي فريق مهما كان موهوبا، وهذا ينطبق على جميع الرئاسات بدءا من عهد هاري ترومان حتى عهد بوش· وبناء الإجماع يعتمد بدوره على قدرة الرئيس على تكوين الثقة لا بين المؤيدين فحسب إنما لدى الخصوم والرأي العام أيضا· أما الأزمة الحالية فقد أطاحت الثقة·

الخلاف في السياسة شأن والريبة شأن آخر· فهذه الأخيرة تؤدي الى رؤية حزبية للسياسة الخارجية، فأيا كانت الدوافع وراء الضربات الجوية للعراق وهي دوافع لا أناقشها) فإن حقيقة التحدث عنها علانية ومناقشتها في الرأي العام تؤكد أن الرئيس الأمريكي خسر أكبر رصيد لديه: المصداقية·

ويمكن للولايات المتحدة والعالم أيضا أن يطمئنا الى أن هذه الأزمة ظهرت في وقت يسود الهدوء النسبي الساحة الدولية، فمع انتهاء الحرب الباردة لم تعد الولايات المتحدة تواجه تحديا خطيرا لأمنها القومي أو لموقعها الفريد في العالم· لكن هذا الاطمئنان محدود· وإذا كان هناك درس ينبغي أن نفهمه من تاريخ هذا القرن فهو ضرورة بقاء الفرادة الأمريكية· وهذه الضرورة تبقى ملحة لاسيما في ظل الحاجة الماسة لشمال القارة الأمريكية وجنوبها الى التجارة الحرة، وفي ظل عملية السلام في الشرق الأوسط والاستقرار في شمال شرق آسيا·

والزعامة الأمريكية تعني الزعامة الرئاسة دائما· والأزمة الحالية التي تنكشف فصولها أمام عيون مليارات المشاهدين في العالم أضعفت أي فرص لبقاء هذه الزعامة في السنتين المقبلتين إن لم تكن قضت عليها·

بقلم وزير الخارجية الأمريكي السابق جيمس بيكر

(فايننشال تايمز)

طباعة  

الاتهامات لن تطول الشخصيات الكبيرة في النظام
إيران بعد فضيحة وزارة الاستخبارات: حرب خاتمية باردة على الجناح المحافظ

 
قيادتهم لم تقطع العلاقات مع صدام نهائياً
أكراد العراق يفضلون الهروب من ماضٍ أليم ومستقبل مضمون