Al - Talea
رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 الأربعاء 10-16 شوال 1419هـ - 27 يناير 2 فبراير 1999
العدد 1362

على أعتاب القرن الحادي والعشرين
الثقافة العربية تحمل هموم قرن كامل إلى مستقبل جديد

·         الاهتمام بجيل الأطفال والشباب يبني مجتمعاً معافى

·         التعددية والعلمية والبعد العربي والإنساني والفكر الاستراتيجي أهم عناصر ثقافة المستقبل

 

كتب المحرر الثقافي:

نستعد لنطبق الباب على قرن كامل من عمر أمتنا العربية، قرن من الحرائق لم تخمد نارها سنة واحدة، قرن من البحث المضني عن الهوية التي غيبت قرونا طويلة، فمن نضال ضد الاستعمار وتحقيق الاستقلال السياسي الى نضال ضد التخلف وتحقيق بعض أشكال التطور والتقدم والتنمية· غير أن الأمة العربية الممتدة على جغرافيا فسيحة لم تزل حتى الآن تركب العربة الأخيرة في قطار الحضارة، في حين سبقتها أمم كثيرة جاءت بعدها كالأمم الآسيوية مثلا·

والثقافة العربية التي لا تنفصل عن فعاليات العصر العربي، عبرت عن هذه التحولات تعبيرا دقيقا، فكانت صورة عن هذا العصر فيها تناقضاته جميعا، كما فيها إنجازاته وإخفاقاته·

 

التيار الليبرالي

 

قامت النهضة الثقافية العربية نتاجا طبيعيا للاحتكاك مع المدنية الغربية التي أيقظت العقل العربي القابع في سباته التاريخي، منذ حملة نابليون بونابرت، التي لم تكن غزوا عسكريا فحسب بل غزوا حضاريا أيضا· وإذا دحرت الحملة عسكريا فإن صداها الحضاري لم يقف عند حد، لذلك وجدنا رجلا مستنيرا، هو محمد علي، يتنبه الى أهمية العلم والتقدم المدني في تكوين الأمة والدولة، فأخذ على عاتقه بناء دولة عصرية· ومنذ ذلك الحين بدأت النزعة الليبرالية الثورية تتغلغل في النفوس والعقول، وكان أبرز ممثليها سلامة موسى وطه حسين اللذين انطلقا - رغم ما بينهما من اختلاف - من هدم السائد وتحريك الساكن في العقل العربي المسترخي قرونا، مما جعل أطروحاتهما حادة في وقتها شأن كل فكرة جديدة ذات بعد مستقبلي·

حققت الليبرالية بتمجيدها للعقل إنجازات كبيرة، إذ نقلت الوعي العربي الى مرحلة جديدة، وفتحت الأعين على آفاق العصر، لاسيما أنها لم تكن هدامة فقط بل كانت بناءة في المقام الأول، ولم يكن مثقفو الليبرالية منفصلين عن واقعهم ولا منعزلين عنه، وإنما كانوا مثقفين عضويين، يسهمون في النسيج الاجتماعي، ومعظمهم عمل عبر المنابر الرسمية، مثل طه حسين، لبث الوعي الجديد الذي أثمر، بسبب تنظيمه وتوجهه الى جيل الشباب في مقاعد الدرس، عطاءات حقيقية وأجيالا حملت المسؤولية بصورة طبيعية الى مرحلة جديدة·

تميزت الليبرالية بأنها كانت إيقاعا واحدا، وكانت مشروعا متكاملا وواضحا، فقد رفعت شعارات واقعية مثل العلم والعمل والتقدم والعدالة، وسعت إليها بجميع السبل، في الجامعة والصحافة والإعلام والمؤتمرات والكتب· وبما أن شعاراتها غير إشكالية فقد انعدم الى حد كبير الاختلاف بين دعاتها حولها· كانت الليبرالية مرحلة ضرورية ولا بديل منها لمناخها الديمقراطي الذي يتيح للأفكار التحرك بحرية دون قيود· وكانت الليبرالية في تلك المرحلة مرادفا للحرية والتحرر الاجتماعي والسياسي، ولكنها حين أنجزت مشروعها ووقفت عنده بدأت تتخلف عن التطورات المتسارعة التي اجتاحت الأمة العربية·

 

التيار القومي

 

تمخض الصراع الدامي مع القوى الاستعمارية الغربية عن الفكر القومي الذي كان تعبيرا عن حلم الجماهير العربية في القوة والتقدم والوحدة والتحرر، وحقق هذا الفكر إنجازات وانتصارات كثيرة ولاسيما في المرحلة الناصرية التي تجاوز تأثيرها الحدود العربية الى العالم الثالث كله·

قام الفكر القومي على مُثل وشعارات مستقبلية، كانت تجسيدا لأحلام الجماهير العربية التي كانت ترسف في التخلف والاستعمار، غير أن هذا الفكر على الرغم من امتداده الأفقي لم يستطع في غالب الأحيان الامتداد عموديا في الواقع العربي، فلم يكن لديه نظرية سياسية اجتماعية متماسكة ولا متكاملة، وفي حين غلب السياسي على الاجتماعي، تعرض للتصدع في كل مواجهة مع حدث سياسي كبير· كما أن النظرة المثالية للواقع السياسي جعلته يغفل ما تحت السطح من التناقضات الكثيرة التي يزخر بها الواقع العربي، فلم يقف وقفة فكرية عميقة أمام الحالات الإقليمية أو القطرية، بالإضافة الى أن الفكر القومي الذي انغمس في السياسة الفعلية أصبح عرضة لتناقضات الراهن والآني مما جعله يبتعد شيئا فشيئا عن استراتيجيته الشاملة، واتسم في كثير من الأحيان بالارتجالية والانفعالية··· وفي هذا المأزق الذي حث الخطا إليه بعماء تام أجهز على نفسه في يوم الخامس من حزيران - يونيو 1967·

إن أهم ما أنجزه التيار القومي هو تحقيق الهوية على الصعيد السياسي، وجعل الثقافة سلاحا حقيقيا في قضايا الأمة العربية الكبرى، كما أنه رسخ ثوابت في الوجدان العربي وعلى رأسها الإيمان بوحدة العرب مهما باعدت فيما بينهم الحدود، وهذا ما نلاحظه في الفعاليات الثقافية العربية في كل مكان، إذ تنطلق في معظمها من هذا المبدأ القومي، كما حقق الى حد كبير ما يشبه الوحدة الثقافية العربية·

 

التيار الماركسي

 

التيار الثالث الذي كان له دور مؤثر في الثقافة العربية كان التيار الماركسي، وهو الذي بدأ مع انتصار الثورة الشيوعية في روسيا عام 1917 وقيام الاتحاد السوفييتي، ثم نما أكثر بعد انتصار السوفييت على النازية، وتكون الكتلة الاشتراكية، وانتصار الشيوعية في الصين وكوبا وفيتنام وغيرها· وكان التيار الماركسي مسلحا أكثر من غيره بالأيديولوجيا والفكر الماركسي المادي التاريخي الجدلي، وهي فلسفة متكاملة ذات رسوخ قوي في الفكر العالمي، مما جعل هذا التيار يمتلك رؤية عميقة أكثر من غيره في معالجة القضايا السياسية والاجتماعية، على الرغم من محدودية انتشاره النسبية في وسط معاد رسميا وشعبيا أحيانا· وبلغ من تأثير هذا التيار أن استقطب شرائح مثقفة من التيارات الأخرى، بل إن التيارات الأخرى أخذت تطعم أفكارها وبرامجها بالفكر الماركسي·

قدم التيار الماركسي أعلاما فكرية وثقافية وأدبية وفنية لا حصر لها، بل إن أبرز المبدعين العرب في النصف الثاني من هذا القرن كانوا ينتمون الى هذا التيار، مما يجعلنا لا نستهين به أو نغمط حقه كما يفعل الكثيرون·

أصيب التيار الماركسي بلعنة السياسة، وشتان ما بين الفلسفة والفكر والحزبية الضيقة، فأخذ يتشرذم ويتمزق في كل بقعة عربية، ثم جاء انهيار الاتحاد السوفييتي صدمة زلزالية ترنحت بتأثيرها القوى الماركسية في كل مكان· غير أن اللافت للنظر هنا أن القوى الماركسية الحية هي الوحيدة التي أخذت تقوم بمراجعة نظرية لمسيرتها الفكرية والتنظيمية، في حين استمر معظم التيار القومي، رغم مأزقه التاريخي، يعيش على أمجاد الماضي، أو يطمئن لإنجازاته الراهنة المتوهمة·

أهم إنجازات الفكر الماركسي العربي التغلغل في قضايا المجتمع، ولاسيما الطبقات الفقيرة، واكتشاف القوانين التي تحرك الصراع الاجتماعي، وغرس التفاؤل التاريخي البعيد عن العاطفة الرومانسية المجردة، وإذكاء روح التفكير العلمي التحليلي في الثقافة العربية·

 

التيار الديني

 

أما التيار الديني ذي الطابع الثقافي فقد استمد منطلقاته من الموروث الجاهز، غير أنه أخذ يعمل على "عصرنتها" في التصدي للقضايا المستجدة في السياسة والمجتمع والاقتصاد والثقافة، وبما أنه مقيد بثوابت لا يستطيع التزحزح عنها فقد كانت إنجازاته الثقافية محدودة، حين غرق في اجترار الماضي ومحاربة العلمانية، مما جعله يتناقض مع العصر يوما بعد يوم، ولا سيما أنه تيار لا يؤمن بالتعددية الفكرية حتى في أوساطه، مما أصابه بداء التمزق والانقسام· وإذا كانت الثورة الإيرانية قد دفقت فيه دما جديدا فإنها أضافت إليه عوامل تأزيمية أخرى، تمثلت بالمعادلة السياسية الفكرية التي أخذت تتصادم مع الواقع·

والتيار الديني ألوان: منها الوطني المكافح الذي يحارب الاستعمار والإمبريالية والصهيونية، ومنها التصفوي الذي يعتمد الإرهاب الفكري والمادي في القضاء على الخصوم، ومنها التيار الرسمي الذي ليس له ملامح مميزة، وإنما يأخذ ملامح السلطة التي يمثلها·

وإذا كان للتيار الديني إنجازات سياسية واجتماعية كبيرة فإن إنجازاته الثقافية قليلة وفقيرة، ولإحساس هذا التيار بعجزه الفكري أمام قضايا العصر وثقافته الغنية أخذ يلجأ الى أساليب أخرى، كالإمساك بالمفاصل الاقتصادية والسياسية في المجتمع·

إن أزمة التيار الديني تتجلى في كونه يسعى بعكس اتجاه سهم الحضارة والزمن على الرغم من الادعائية والتورم الذاتي في خطابه الإعلامي·

 

تيار الاستهلاك

 

يسود الآن تيار براغماتي اقتصادي عدمي قام على أشلاء التيارات الأخرى، بعد الهزائم التي منيت بها القوى القومية والماركسية، وبعد النكسات التي أصابت الأمة العربية بعد حربي الخليج واتفاقات التسوية السلمية وغيرها، وهو تيار يطرح ثقافة استهلاكية ضحلة، ويطرح قيما أمريكية في الغالب تزيد من غربة المواطن العربي، ويستمد قوته من الضعف العربي الذي يعم جميع المجالات، غير أن أزمته تكمن في ضحالته التي لا يمكن أن تؤسس لأي شيء مهما استقوى بالعولمة والكوسموبوليتية·

 

ثقافة المستقبل

 

إن الثقافة العربية - على الرغم من جراحها - ظلت الطود المتين الذي تستند إليه الأمة، وتستكشف فيه مستقبلها وآفاقها، وإذا كانت الآن تعيش أزمات كثيرة فإنها حبلى بالاحتمالات الكثيرة، وهي احتمالات إيجابية من غير تفاؤل رومنسي·

لقد كانت التيارات الثقافية بجميع صورها تعاني أحادية الرؤية، وتدعي امتلاك الحقيقة وحدها، كما وضعت لها أهدافا عامة فيها الكثير من المبالغة والبعد عن الواقعية· وبالطبع لم تمت هذه التيارات كما أنها لن تندثر ولكنها ستستمر بأشكال جديدة مستفيدة من تجارب الماضي وأخطائه·

والمثقفون اليوم مطالبون بتحمل مسؤولياتهم التاريخية، فإن دورهم - في رأينا - أكبر من دور الأحزاب والسلطات، لأن الثقافة فكرا وعلما وأدبا وفنا رافعة التطور والتقدم، وصانعة الحضارة من غير شك·

إن الثقافة التي ينبغي أن تسود في مطلع القرن الحادي والعشرين هي ثقافة جادة ذات خصائص واضحة، أهمها: الإيمان بالتعددية، والمنطق العلمي، والأفق العربي والإنساني، والفكر الاستراتيجي·

والثقافة العربية في ولوجها إلى القرن الحادي والعشرين ستجد نفسها كما هي الآن أمام أسئلة كبيرة تتمثل في العولمة والوجود القومي، ولاسيما في مواجهة الصهيونية العسكرية والاقتصادية والسياسية، كما تتمثل في الديمقراطية خياراً سياسياً واجتماعياً وفكرياً حتمياً للشعب العربي في كل مكان، وفي العدالة الاجتماعية التي قد تكون في المستقبل القريب الحاضنة الأولى للتحولات الاجتماعية الكبرى·

ومن القضايا المطروحة على ثقافتنا العربية المستقبلية التوجه الى الأطفال والشباب، لأن تكوين وعي صحيح في مرحلة مبكرة يصنع جيلا قادرا على تحمل أعباء مجتمعه وأمته·

طباعة  

في دورته الأخيرة لهذا القرن التي بدأت أمس
معرض القاهرة الدولي للكتاب يبدّد الكثير من يأسنا الثقافي

 
دخلت عامها الخامس
"نزوى"... نافذة فسيحة على الثقافة العربية والعالمية

 
إصدارات
 
أخبار ثقافية
 
جديد "المستقبل العربي"
 
الأصدقاء
 
ضوء
 
أجراس
 
نافذة