Al - Talea
رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 الأربعاء 10-16 شوال 1419هـ - 27 يناير 2 فبراير 1999
العدد 1362

في دراسة عن اليمن ودول مجلس التعاون الخليجي * لعبد الخالق عبدالله**(1-2)
اليمن هو أقل دول الجوار تهديدا على الصعيد الأمني والسياسي والأيديولوجي لدول مجلس التعاون

·   اليمن هو الدولة الأكثر ضعفا اقتصاديا وسياسيا وعسكريا من بين دول الجوار

·   متوسط دخل الفرد اليمني لا يزيد عن 300 دولار سنويا وهو من أدنى معدلات  الدخل في العالم

· علاقة اليمن بمجلس التعاون يكتنفها الشك وعدم الثقة والهواجس  المتبادلة والتصدع بسبب موقف اليمن من حرب الخليج الثانية

·   هل ستكون حرب الوحدة هي آخر الحروب اليمنية؟ سؤال يبحث عن إجابة!!

·   اختطاف الأجانب·· انفجارات الجنوب·· الاحتلال المسلح لآبار النفط مؤشرات عدم الاستقرار في اليمن مؤخرا

· قبيلة حاشد أصغر القبائل اليمنية وأكثرها تماسكا  وأوسعها نفوذا في مؤسسات الدولة والاقتصاد اليمني

·    حزب "المؤتمر" كان يسعى إلى إقصاء "الإصلاح" ليستأثر بالحكم منفردا

·    معظم أفراد القوات المسلحة اليمنية يدينون بالولاء لقبائلهم أكثر من ولائهم للدول

·   مع الانفتاح الديمقراطي والتعدد الحزبي بدأ تقلص دور القبائل  وتنامى دور الأحزاب

·    اليمن تعاني التفكك وعدم الاستقرار السياسي والاجتماعي نتيجة الصراعات الداخلية

·  رغم انتهاء الوحدة إلا أن تداعياتها الاجتماعية والسياسية والاقتصادية  ما زالت حية وفاعلة

 

تتأرجح علاقات دول العالم بين التجاذب والتعاون تارة، والتنافر والتوتر تارة أخرى· فالتوتر والتعاون هما من بديهيات العلاقات الدولية المعاصرة بعامة· وهما سمتان مميزتان للعلاقات بين الدول المتقاربة بخاصة· فالدول المتقاربة والمتجاورة جغرافيا، هي من أكثر الدول ميلا للتعاون والتوتر في ما بينها· القرب الجغرافي يولد دائما مجموعة من عوامل التجاذب والتقارب، من ناحية، ومجموعة أخرى من عوامل التنافر والتصارع، من ناحية أخرى· إن أكثر التوترات والصراعات عنفا وحدة، كما أن أكثر محاولات التعاون والاندماج الإقليمي نجاحا في العالم، هي تلك التي تتم بين الدول المتجاورة وليس بين الدول المتباعدة· فالدول المتجاورة هي، وفي وقت واحد، إما أصدقاء أو أعداء طبيعيون لبعضهما· وأكثر الدول صداقة أو عداوة هي الدول المتجاورة، التي تنتمي لنظام إقليمي واحد· كذلك فإن دول الجوار هي من أكثر الدول تأثرا وتأثيرا في بعضها· كل دولة من دول العالم تسعى للهيمنة والسيطرة والتأثير على الدول الأخرى، بيد أن دول الجوار هي المجال الأقرب لسعي الدول الطبيعي لممارسة النفوذ أو صدها والتقليل منها (مقلد 1985، 669)·

فضلا عن ذلك، فإن دول الجوار، وبحكم القرب الجغرافي، ترتبط ما بينها بروابط تاريخية وسكانية وإنسانية واسعة ومتميزة· كما توجد بينها شبكة معقدة من التفاعلات السياسية والاقتصادية والاجتماعية الدائمة والمستمرة، تتجاوز الحجم المألوف من العلاقات والارتباطات بين الدول غير المتجاورة (سعيد 1987)· لذلك، فإن للجوار أحكامه القاطعة وثوابته الملزمة واعتباراته الخاصة ومترتباته السلبية والإيجابية، المتداخلة أشد التداخل· ففي أقصى حالات التعاون والوفاق والانسجام هناك إمكانية للتوتر والصراع، والخطر الذي يكون مصدره الأساسي دول الجوار· كما أنه في أعلى درجات الاختلاف والتأزم، هناك إمكانية للتنسيق والتحالف وربما الاندماج والتواجد الاقتصادي والسياسي بين الدول التي تنتمي الى منطقة جغرافية واحدة·

علاقات دول مجلس التعاون الخليجي مع دول الجوار (اليمن، العراق وإيران) لا تخرج عن هذا السياق العام للتوتر والتعاون السائدين في النظام السياسي العالمي· فالتوتر أو الصراع قائم ودائم ومستمر بين دول المجلس ودول الجوار· بل إن حالة الصراع ازدادت عنفا ودموية، وهي السمة الأكثر وضوحا للعلاقات في الآونة الأخيرة· هذه الدول هي الأكثر تهديدا لأمن واستقرار دول مجلس التعاون، وتسعى علنا لبسط الهيمنة والسيطرة السياسية والتأثير المباشر وغير المباشر على سياساتها الداخلية والخارجية· كل دولة من دول الجوار، الصغيرة منها والكبيرة، تشكل عبئا استراتيجيا وقلقا أمنيا وهاجسا وجوديا متواصلا لا يمكن إلغاؤه، ويؤثر كل التأثر على الأولويات الانفاقية والمشاريع الاستثمارية والجهود التنموية في دول المجلس·

لكن، وبالرغم مما تشكله هذه الدول الثلاث من تهديد ملموس، فإنها أيضا قريبة كل القرب من دول مجلس التعاون على الصعيد الإنساني والاجتماعي والحضاري (عبدالله 1993)· بين دول مجلس التعاون ودول الجوار تاريخ لا ينتهي من الروابط المشتركة الواضحة كل الوضوح والتي خلقت مساحة كبرى للالتقاء، ويمكنها أن تؤسس لتفاعلات تنسيقية وتعاونية في المواقف والسياسات وحتى الطموحات· دول الجوار، مجتمعة وربما كل منها على حدة، تشكل إضافة بشرية واستراتيجية وحياتية مهمة لدول مجلس التعاون· وبالإمكان توظيف هذا الرصيد البشري والاستراتيجي الكامن توظيفيا إيجابيا من أجل تحقيق التعايش السلمي والاستقرار السياسي والتكامل الاقتصادي بين دول وشعوب منطقة الخليج والجزيرة العربية، عموما، وبين اليمن ودول مجلس التعاون بشكل خاص· 

 

تحاول هذه الدراسة التركيز على اليمن الذي هو، بكل وضوح، أكثر دول الجوار قربا على الصعيد النفسي والاجتماعي والتاريخي والجغرافي الى دول مجلس التعاون الخليجي التي تستمد هويتها وعروبتها من أرض اليمن· إن لليمن خصوصيته التاريخية والحضارية العميقة التي تمتد  منذ فجر التاريخ· وتسعى هذه الدراسة لإبراز هذه الخصوصية· كما أنها تسعى للتأكيد على أن اليمن هو أيضا أقل دول الجوار تهديدا على الصعيد الأمني والسياسي والأيديولوجي لدول مجلس التعاون· وأكثر ما يميز اليمن عن بقية دول الجوار هو تواضع موارده وفقره وضعفه النسبي وعدم استقراره السياسي المزمن، الأمر الذي سمح للقوى الخارجية، بما فيها عدد من دول مجلس التعاون وبخاصة دوله الكبيرة، بالتغلغل في الشأن اليمني والتأثير على سياساته وقراراته وإلحاقه بنفوذها الإقليمي· لكن ومع كل الروابط التاريخية والقرب الاجتماعي والمنافع الاقتصادية والتنموية الكامنة، فإن جميع المعطيات السياسية والاستراتيجية الراهنة تشير الى أن انضمام اليمن الى مجلس التعاون الخليجي غير وارد حاليا، وربما خلال كل المستقبل المنظور· بل ستحاول هذه الدراسة توضيح أن علاقة اليمن بدول مجلس التعاون، في المرحلة التاريخية الراهنة، وعلى الرغم من تحسنها التدريجي خلال السنوات الأخيرة، ليست علاقة ودية وإنما يكتنفها الشك وعدم الثقة والهواجس المتبادلة، وتعاني من التصدع الذي نجم عن الموقف السياسي اليمن خلال أزمة الخليج الثانية، والموقف السياسي لدول مجلس التعاون خلال الحرب الأهلية الأخيرة في اليمن· لم يتم بعد تجاوز تداعيات هذه المواقف الخلافية تجاوزا نهائيا، ولا يتوقع أن تعود العلاقات الرسمية الى مستوى العلاقات الودية والمتينة والاستثنائية التي كانت سائدة بين اليمن ودول مجلس التعاون قبل أغسطس عام 1990· 

رصد المرحلة الراهنة 

إن الهدف الرئيس هو رصد المرحلة الراهنة من علاقة اليمن بدول مجلس التعاون، وإبراز تعقيداتها ومقارنتها بطبيعة العلاقات في مرحلة ما قبل أزمة الخليج الثانية· لذلك فهي تسعى الى الإجابة عن تساؤلات عدة حول كيف تدار العلاقات مع اليمن، وكيف كانت عليه العلاقات وكيف أصبحت، وإلى أين تتجه؟ ما عوامل التجاذب والتقارب؟ وما عوامل التنافر والتباعد في العلاقات بين اليمن ودول مجلس التعاون؟ وكيف ينبغي عموما التعامل مع اليمن كدولة مجاورة ذات الخصوصية التاريخية والمعاصرة؟ كيف ينبغي التعامل مع اليمن الموحد والديمقراطي، الذي يبدو كأنه الآن قيد التشكل بعد نجاح الانتخابات التشريعية الأخيرة في اليمن؟ وكيف ينبغي التعامل مع اليمن الذي يعاني من الضعف وعدم الاستقرار والتفكك السياسي والاجتماعي؟ هل ينبغي على دول مجلس التعاون اتباع سياسة التعايش السلمي والاعتماد المتبادل والسعي الصادق نحو ضم اليمن لمجلس التعاون ودمجه في النظام الإقليمي الخليجي، أم أنه ينبغي اتباع سياسة الحذر وتطبيق مبدأ الهيمنة والإلحاق والعزل الإقليمي؟

النموذج اليمني 

اليمن، ومن بين كل دول الجوار الأخرى، هو الأقرب الى دول مجلس التعاون على الاطلاق· وقرب اليمن ليس قربا جغرافيا فقط، أي مجرد انتماء لمنطقة جغرافية واحدة بدون عوازل طبيعية· بل إن قرب اليمن هو قرب تاريخي وحضاري وأسري· اليمن هو الوحيد من بين دول الجوار الذي يدخل في النسيج الاجتماعي والثقافي وفي الموروث التاريخي لدول مجلس التعاون، التي تستمد هويتها الحضارية من الموجات البشرية التي تدفقت من اليمن، والتي انتشرت في كل أرجاء الجزيرة العربية، شمالا وشرقا وغربا· كما أن عروبة دول مجلس التعاون متجذرة في أرض اليمن أكثر من تجذرها في أي مكان آخر· لذلك، فالعلاقة مع اليمن تتخطى علاقات الجوار التقليدية والشكلية لترتبط بأبعاد إنسانية وثقافية، وبتقاليد وعادات اجتماعية مشتركة· لقد تطورت هذه العلاقات عبر الفترات الزمنية المختلفة وأصبحت الآن جزءا من الذاكرة الجماعية لسكان الجزيرة العربية· كما أن اليمن هو جزء من التاريخ العام لدول مجلس التعاون الخليجي منذ فترة ما قبل الإسلام، أي منذ الحضارة العربية الصاعدة في جنوب الجزيرة العربية، التي تعتبر من أقدم الحضارات والتي بلغت أوجها في عهد الملكة بلقيس في بداية الألفية الأولى للتاريخ· بين اليمن ودول مجلس التعاون ثوابت الجوار والتاريخ والدم والدين والوجود المشترك والتراث الواحد· لذلك فإن لهذه العلاقات التاريخية الوثيقة بين اليمن ودول مجلس التعاون انعكاساتها على عواطف ومشاعر وأحاسيس الأفراد، تتجاوز الاعتبارات السياسية الآنية والفروقات الحياتية والمعيشية المعاصرة (مرهون 1996،144)· 

خصوصية تاريخية

لليمن خصوصية تاريخية واجتماعية كما أن له خصوصية أمنية وسياسية تميزه عن بقية دول الجوار· فهو، ونتيجة لتناقضاته الداخلية الحادة واضطراباته السياسية والاجتماعية المستمرة، أقل دول الجوار تهديدا لأمن واستقرار دول مجلس التعاون· اليمن هو الدولة الأكثر ضعفا اقتصاديا وسياسيا وعسكريا من بين كل دول الجوار· لا يشكل اليمن بقدراته الراهنة وإمكاناته وموارده المتواضعة كل التواضع أي مصدر قلق واقعي مقارنة بالتحديات والمخاطر الأمنية والسياسية لدول الجوار الأخرى ذات الحضور السكاني الكثيف، والطموح السياسي المعلن، والبناء العسكري الكمي والنوعي الذي لا يمكن لدول مجلس التعاون مجاراته· فمن حيث القدرات والإمكانات الفعلية، يبدو اليمن كدولة عادية وهامشية ولا يتمتع بأية قيمة استراتيجية· الأهمية الاستراتيجية الوحيدة لليمن هي إطلالته على مضيق باب المندب المهم، بيد أن أهمية هذا المضيق آخذة في التراجع· لم يكن اليمن، وبخلاف بقية دول الجوار، في أي وقت من الأوقات، إلا في ما ندر، في وضع يؤثر فيه على سياسات ومواقف دول مجلس التعاون· إن تأثير اليمن السياسي ليس ضعيفا فحسب بل هو منعدم· فكفة ميزان التأثير تميل بشكل واضح لصالح دول مجلس التعاون· اليمن هو، وباستمرار، في حالة تأثر بمبادرات الدول المحيطة به والتي تبدو حاليا قادرة على اختراقه وإلحاقه والتأثير على أولوياته· التأثير في اليمن ممكن بحكم التفكك اليمني الداخلي وضعف السلطة المركزية، الأمر الذي سمح للدول الخارجية التأثير في سياسته وقراراته· لقد وقع اليمن، نتيجة حاجته الماسة للمعونات الخارجية، تحت التأثير والنفوذ السياسي لدول مجلس التعاون، وبخاصة منها المملكة العربية السعودية التي لها حضور وتأثير واسع على الشأن السياسي والاجتماعي اليمني· الوضع اليمني سمح بهذا التغلغل الذي تجاوز الأطر الرسمية للدولة ليصل الى الأفراد والجماعات والمؤسسات، كالقبائل والجيش، من أجل التأثير على خيارات وسياسات اليمن· بل إن هذا التأثير بلغ قلب صنع القرار السياسي في اليمن، ليخلق بذلك ما أخذ يعرف بـ"عقدة السعودية" لدى اليمنيين، إذ أصبح في تصورهم أن كل ما يجري في اليمن من أزمات سياسية متكررة ومشكلات حياتية معلقة، هي من صنع المملكة العربية السعودية (جويس 1993)· 

دولة ضعيفة وفقيرة 

الوضع اليمني غير المستقر هو الذي يسمح لأصحاب النفوذ بالتغلغل في عملية صنع القرار السياسي· فاليمن، وخلافا لبقية دول الجوار، هو أساسا دولة فقيرة وضعيفة ويعاني من عدم استقرار سياسي واجتماعي مزمن· اليمن يعيش وسط محيط من الأغنياء ويجاور أكثر دول العالم الغنية بالنفط، تمتلك سيولة مالية تزيد عن قدرتها الاستيعابية· معدل دخل الفرد في اليمن والذي لا يزيد على 300 دولار هو بين أدنى معدلات دخل الفرد في الوطن العربي والعالم بأسره· أما معدل دخل الفرد في دول مجلس التعاون والذي يبلغ في الإمارات، على سبيل المثال، حوالي 20 ألف دولار، فهو من أعلى المعدلات في العالم ويبلغ قرابة 70 ضعف نظيره اليمني· هذا الفارق في معدل دخل الفرد يخفي فوارق حياتية ومعيشية واجتماعية وتنموية بين كل من اليمن ودول مجلس التعاون التي تمكنت من توظيف جزء من العائدات النفطية، لتطوير البنية التحتية والاسراع بمعدلات النمو الاقتصادي ورفع معدلات التنمية البشرية وتحقيق الرفاهية الاجتماعية· كل ذلك كان يتم في الوقت الذي كان اليمن يزداد فقرا وتخلفا، وتتراجع معدلات نموه الاقتصادي الذي سجل معدلات سالبة خلال الخمس سنوات الأخيرة· لقد باعد النفط، وربما أكثر من أي عامل آخر، بين اليمن ودول مجلس التعاون (عبدالله 1994)· ومع تراكم الثروة النفطية خلال العقدين الماضيين، ازدادت الفجوة الاقتصادية والاجتماعية بينهما· لقد أدت هذه الفجوة الملموسة الى بروز حساسيات لا مجال لإنكارها بين دول مجلس التعاون التي تعيش في غنى لا مثيل له، واليمن الذي أخذ يئن تحت وطأة الحاجة والفقر وعدم الاستقرار الذي لا يزال يميز التاريخ المعاصر لليمن· 

التفكك الداخلي 

إن ما يميز اليمن عن بقية دول الجوار ليس فقره الاقتصادي وتواضع موارده، فحسب، وإنما التفكك الداخلي وعدم الاستقرار السياسي· اليمن دولة مضطربة أشد الاضطراب وتفتقد الاندماج السياسي والاجتماعي، وحروبها الداخلية متكررة وقد ازدادت عنفا ودموية مؤخرا· لقد عايش اليمن خمس حروب رئيسة فضلا عن حربين خاطفتين خلال الـ30 سنة الأخيرة، أي بمعدل حرب واحدة كل أربع سنوات· والتاريخ المعاصر لليمن هو أساسا تاريخ متواصل من الحروب والصراعات الأهلية الدامية بين اليمنين (الشمال والجنوب سابقا) وبين اليمنيين في اليمن الواحد· العنف والحرب هما، على ما يبدو، الأسلوب اليمني المفضل لحل الخلافات والمشكلات اليمنية الآتية والبنيوية· كل الخلافات اليمنية تتحول الى أزمات مستعصية سرعان ما تتحول بدورها الى حروب دامية ومكلفة· الحرب الأهلية الأولى (1962-1968) بين الملكيين والجمهوريين دامت لأكثر من 7 سنوات متتالية· بعد انتهاء هذه الحرب الأهلية اندلع أول نزاع مسلح بين الشمال والجنوب عام 1972 حول قضية الوحدة· أما النزاع المسلح الثاني بين الشمال والجنوب، فقد امتد من عام 1978 الى عام 1979· تلا ذلك اندلاع الحرب الأهلية بين الفصائل اليمنية الحاكمة في الجنوب في عام 1986· وأخيرا شهد اليمن عام 1994 حرب الوحدة بين الشمال والجنوب، التي كانت من أعنف الحروب اليمنية· لقد نشبت هذه الحرب بين الشمال والجنوب في 19 أغسطس 1993 واستمرت نحو شهرين وبلغت خسائرها المالية أكثر من 11 مليار دولار وأكثر من 70 ألف بين قتيل وجريح فضلا عن دمار عمراني وتنموي ونفسي لم يتم بعد تقديره تقديرا كاملا· لقد انتهت حرب الوحدة بيد أن تداعياتها الاجتماعية والسياسية والاقتصادية ما زالت حية وفاعلة في المجتمع اليمني وفي علاقات اليمن بدول مجلس التعاون الخليجي (السويدي 1996)· فالوحدة يمكن لها أن تتحول الى ضعف· كما أن الحلم الوحدوي تحول الى مجرد مشروع هيمنة الشمال الذي يتعامل مع الجنوب بعقلية وثقافة الغنيمة· والشمال يواجه الآن تحدي معالجة المشاكل في الجنوب فضلا عن مشكلاته الاقتصادية والمالية والحياتية المتراكمة والتي ازدادت سوءا· أما الجنوب المستسلم فهو في مزاج انتقامي وينتظر بفارغ الصبر يوم الانتقام من الشمال· 

هل ستنتهي الحروب اليمنية؟ 

والسؤال الذي ما زال يبحث عن إجابة مقنعة في اليمن وخارجه، هو: هل ستكون الحرب الأخيرة هي آخر الحروب اليمنية؟ لا شك أن كل الاحتمالات واردة، بما في ذلك فرصة حصول اليمن على فترة من الاستقرار السياسي والتلاحم الداخلي والازدهار الديموقراطي، خصوصا بعد نجاح الانتخابات التشريعية الأخيرة التي سجلت معدلات عالية من المشاركة الشعبية· ربما كان اليمن فعلا في طريقه نحو بناء المجتمع المدني التعددي القادر علي احتواء النزاعات والتناقضات في قالب ليبرالي يجنبه المزيد من الحروب· أن اليمن الموحد والديمقراطي ممكن الآن أكثر من أي وقت آخر· وما لا شك فيه أن هذا اليمن الموحد والديمقراطي سيعزز الأمن والاستقرار في منطقة الجزيرة العربية والخليج العربي ككل· كما أن هذا اليمن الجديد، الذي ربما كان في طور التكوين والذي لم يتبلور على أرض الواقع بعد، سيساهم مساهمة إيجابية في دفع مجالات التنمية في اليمن وفي دول مجلس التعاون معا، وسيشكل إضافة مهمة للتوجه العربي نحو بناء المجتمع المدني كمطلب أساسي من مطالب تحقيق الديمقراطية في الوطن العربي لكن هذا ليس إلا السيناريو الأكثر تفاؤلا بالنسبة لليمن (الشريف 1995، 127-171)· فالوضع اليمني يبقى مليئا بمؤشرات عدم الاستقرار التي تجسدت مؤخرا في شكل عمليات اختطاف السواح الأجانب لأسباب قبلية، واندلاع موجة الانفجارات في مقاطعات الجنوب والتي نسبت رسميا الى الحزب الاشتراكي (طاهر، جريدة البيان 3/11/1997) والاحتلال المسلح لآبار النفط كرد على قرار الحكومة برفع أسعار الديزل· هذه التطورات تشير الى أن الوضع اليمني ما زال مليئا بالتناقضات العميقة ولا يمكن استبعاد عنف سياسي، بل إنه لا يمكن استبعاد حرب أهلية جديدة في المستقبل· فالأسباب القبلية والمذهبية والإقليمية والسياسية الداخلية والخارجية التي ولدت الحرب الأخيرة وكل الحروب اليمنية السابقة، ما زالت فاعلة وحية في المجتمع اليمني ويمكن لها أن تتسبب في اندلاع حروب مستقبلية جديدة· وهي حتما من الفاعلية بحيث تجعل اليمن، كما كانت على مدى الـ30 سنة الماضية، في حالة دائمة من عدم الاستقرار والتفكك السياسي والاجتماعي· وتأتي في مقدمة هذه الأسباب التناقضات القبلية في اليمن· 

القبائل هي اليمن 

اليمن هو القبائل والقبائل هي اليمن (الظاهري 1996)· هذا الوصف الذي يبدو مخلا في بساطته يحمل الكثير من الحقيقة عن الدولة والمجتمع في اليمن· فالقبيلة هي المؤسسة الأكثر وضوحا، كما أن شخصياتها وقوانينها وأعرافها تبدو أكثر أهمية وأوسع نفوذا من مؤسسات وشخصيات وقوانين الدولة نفسها· لقد عجز اليمن عن التخلص من القبيلة كمؤسسة منافسة ومؤثرة كل التأثير في الدولة· كما عجز عن تقليص القبلية والعقلية القبلية التي تعوق الاندماج السياسي والتحديث الاجتماعي· للحياة القبلية والعقلية القبلية التي تعوق الاندماج السياسي والتحديث الاجتماعي· للحياة القبلية ديمومتها وارتباط الإنسان اليمني بالقبيلة مستمر، على الرغم من كل محاولات التحديث ورغم سعي الدولة الحثيث لبسط سيطرتها على  المناطق اليمنية كافة· إن القبلية ظاهرة ملازمة للشمال والجنوب معا بيد أن القبلية متجذرة بشكل خاص في الشطر الشمالي من اليمن حيث توجد قرابة خمسة آلاف وحدة قبلية تنتمي في أصولها الى ثلاثة تجمعات قبلية كبرى هي حاشد وبكيل ومذحج· وتعتبر قبيلة مذحج أكبر القبائل اليمنية ويتفرع عنها عدد كبير من القبائل الرعوية والزراعية الصغيرة والتي تنتشر في كل أنحاء اليمن وخاصة المناطق الوسطى· وتأتي بعد ذلك قبيلة بكيل كثاني أكبر القبائل اليمنية حجما· وتنتشر قبيلة بكيل بفروعها القبلية المختلفة في جميع أرجاء اليمن وخاصة في المناطق الجنوبية· أما قبيلة حاشد فتعتبر أصغر القبائل اليمنية عددا لكنها الأكثر تماسكا والأوسع نفوذا في مؤسسات الدولة والاقتصاد اليمني· 

قبيلة حاشد 

لذلك وبالرغم من وجود ثلاثة تجمعات قبلية كبرى ومتنافسة، تبقى المقولة السائدة في اليمن: "ليس هناك إلا حاشد" وذلك تأكيدا لحقيقة نفوذ هذه القبيلة في الدولة والجيش والمجتمع ككل· بل إن شيخ حاشد يعد الآن شيخ مشايخ اليمن· لقد تمكنت حاشد من تهميش الدور السياسي للقبائل اليمنية الأخرى، وذلك من خلال وجود رجالها في قمة السلطتين التنفيذية والتشريعية في اليمن، وحصولهم على الامتيازات المالية وكسبهم ولاء شيوخ القبائل اليمنية الأخرى· لكن هيمنة حاشد الواضحة ليست هيمنة مطلقة، فهي تثير الاستياء والرفض من قبيلة بكيل التي تشكل المنافس القبلي التقليدي لحاشد· والصراع بين بكيل وحاشد هو صراع تاريخي اشتد بشكل خاص خلال الحرب الأهلية الأولى في الستينات، التي دارت بين حاشد التي حاربت الى جانب الجمهوريين في هذه الحرب وبكيل التي ساندت الملكيين· وتحاول بكيل حاليا استعادة دورها السياسي المفقود من خلال تشكيل جبهة ضد تسلط حاشد، وتناهض فساد الدولة وتدعو للحفاظ على المال العام ومنع التصرف به لشراء الذمم والولاءات الحزبية· لقد دعت بكيل الى مؤتمر بكيل الموحد الذي عقد عام 1994 تأكيدا لدورها السياسي ورغبتها في مواجهة النفوذ السياسي المتعاظم لحاشد· كذلك بادر شيخ مشايخ قبائل مذحج لعقد مؤتمرهم القبلي الخاص والتوسط في النزاعات القبلية المتعارضة، والدعوة لتضامن القبائل اليمنية المختلفة، والتأكيد على أن تقسيم المجتمع اليمني الى قبائل هو قدر اليمن وليس من صنع الإنسان كالأحزاب· 

الدور السياسي للقبائل 

وتستعد القبائل اليمنية الكبرى في الشمال حاليا للقيام بأدوار سياسية جديدة، مستغلة الواقع التعددي والديموقراطي· بيد أن هذه القبائل هي أيضا على أتم الاستعداد لخوض حروب مسلحة مع بعضها إذا تطلب الأمر ذلك، وبخاصة أن هذه القبائل لديها المال والرجال والسلاح والعصبية القبلية· فلدى كل قبيلة من هذه القبائل ميليشياتها العسكرية الخاصة بها والمسلحة بكميات من الأسلحة التي يعتقد أنها أكبر مما لدى الجيش النظامي نفسه· بل يتردد أن لدى هذه القبائل أكثر من 100 ألف مقاتل مسلحين بحوالي 11 مليون قطعة سلاح، تتراوح بين الأسلحة الخفيفة كالكلاشنكوف والأسلحة الثقيلة كراجمات الصواريخ· وفضلا عن ذلك فإن معظم أفراد القوات المسلحة اليمنية يرتبطون بالولاء للقبائل أكثر من ارتباطهم بالولاء للدولة (القاسمي 1985،139-140)· والتناقضات القبلية في الشمال واضحة كل الوضوح وحادة كل الحدة· بيد أن القبلية ليست مقتصرة على الشمال فقط، فالشطر الجنوبي يعاني أيضا من التراتب القبلي· لقد ظلت القبلية في الجنوب محتفظة بكل الحيوية على الرغم من كل الجهود الرسمية التي بذلت لتجاوزها خلال الحكم الاشتراكي الذي امتد لحوالي 20 عاما والذي حاول أحداث تحولات جوهرية في المؤسسات الاجتماعية (السكادي 1997)· والجنوب يضم 90 قبيلة انتعشت مؤخرا· وتنتمي هذه القبائل الى تجمعات قبلية متفرقة ومختلفة كل الاختلاف عن التقسيمات القبلية في الشمال· ففي كل إمارة من إمارات الجنوب الـ24 هناك قبائل قديمة وجديدة، بدوية وحضرية، متنقلة وأخرى مستقرة، وربما كانت قبائل حضرموت هي القبائل الأكثر وضوحا، ومن أبرزها الحموم والشنافرة وقبيلة يافع التي تمتد من منطقة شبوة الى الحدود العمانية في أقصى الشرق (القاسمي 1985،139-140)· 

التناقضات القبلية 

لا تزال التناقضات القبلية هي التناقضات الأكثر حدة في اليمن· لكن القبائل لم تعد هي المحرك الوحيد في الحياة السياسية اليمنية المعاصرة· بل إن قدرة هذه القبائل على لعب دور حاسم في السياسة الوطنية آخذة في التراجع، في الوقت الذي أخذ يتنامى النفوذ العام للأحزاب السياسية اليمنية في ظل الانفتاح الديموقراطي والتعددي الصاعد· فالانتماءات الحزبية أخذت تحل تدريجيا محل الولاءات القبلية والبرامج الحزبية تلقى التجاوب على حساب المطالب القبلية· كل ذلك يشير الى دخول اليمن في مرحلة من التناقضات الحزبية الجديدة التي أخذت تحل محل التناقضات القبلية التقليدية· لقد أخذ الحزب يلبس القبيلة والقبيلة تلبس الحزب من دون أن يعترف أحدهما بالآخر ومن دون أن يكون التعايش ممكنا بينهما· لذلك اندلعت خلال الانتخابات التشريعية الأخيرة المعارك الحزبية بين أنصار كل من المؤتمر الشعبي العام والتجمع اليمني للإصلاح (الحزبان الشريكان في الحكم) والحزب الاشتراكي اليمني· وأكدت هذه المعارك السلمية والعنيفة أن الصراعات الحزبية، وليست الصراعات القبلية التي كانت في معظمها دموية، هي التي ترسم حاليا المستقبل السياسي في اليمن (ناشر، جريدة الخليج 18/9/1996)· وللأحزاب اليمنية الثلاثة الكبرى حاليا، كما كان للقبائل اليمنية الثلاث الكبرى سابقا، حساباتها ومصالحها واعتباراتها الخاصة· كما أن لها تحالفاتها الحزبية التي هي عموما تحالفات سياسية آنية وغير ثابتة، وتتبدل بتبدل الاعتبارات الذاتية والمصالح الشخصية· 

الصراع بين المؤتمر والإصلاح 

فالعلاقة بين الحزبين الحاكمين، المؤتمر والإصلاح، بلغت حد الأزمة والصراع المعلن الذي يعيد الى الأذهان الأزمة التي نشبت عام 1993 بين المؤتمر والاشتراكي· لقد تبادل الحزبان الشريكان، خلال فترة الانتخابات التشريعية الأخيرة، الاتهامات بارتكاب مخالفات قانونية وتجاوزات عند فرز الأصوات، خصوصا في ما يتعلق بالدوائر الانتخابية المغلقة· وتعدت الاتهامات طور المجالس الخاصة لتنتقل الى وسائل الإعلام والمؤسسات الاجتماعية العامة، وبلغت مرحلة الصراع المكشوف والمعلن بعد أن اتخذ الإصلاح قراره الحزبي الجماعي بالدخول في مواجهة حاسمة مع المؤتمر الشعبي· ودشن الإصلاح معركته السياسية بالحوار المفاجئ مع الحزب الاشتراكي وهو العدو الرئيس للإصلاح· ثم تتابعت المفاجآت بعقد الإصلاح حوارا سياسيا شاملا مع أحزاب المعارضة كافة، التي كانت والى وقت قريب موضع ازدراء حزب الإصلاح· وأعلن الإصلاح تبنيه لوثيقة سياسية تؤكد على خطر الانهيار الذي يتهدد الدولة والانتهاكات الخطيرة لحقوق الإنسان، وتجاوز الدولة للممارسات الديمقوراطية وتنامي الفساد المالي والإداري وتصدع الوحدة الوطنية· في المقابل، أخذ المؤتمر الشعبي يشن حملة إعلامية مركزة ومخططة تستهدف الإصلاح وقياداته وشخصياته، على كل المحاور، مستخدما نفوذه الإعلامي والسياسي والعسكري، وربما بنية إخراج الإصلاح من الحكم نهائيا والحصول على أغلبية مريحة في الانتخابات تسمح له بالحكم بمفرده في اليمن، الأمر الذي تم بالفعل· لقد خاض الحزبان صراعا انتخابيا مريرا أبعد ما يكون عن الصراع الانتخابي السلمي والاعتيادي، وتحولت العلاقات الاستراتيجية بينهما الى علاقات تكتيكية قائمة على أساس من المساومات والمقايضات لتقسيم الدوائر الانتخابية· وتحول المؤتمر في نظر الإصلاح الى حزب الفساد والإفساد، وتحول حزب الإصلاح في نظر المؤتمر الى حزب الإرهاب ولاتطرف· وتصاعدت الاتهامات الى اشتباكات واعتداءات مسلحة بين الطرفين في مناطق عدة من اليمن، راح ضحيتها حوالي 20 من القتلى خلال فترة الانتخابات·

ربما كانت هذه الصراعات الحزبية مجرد تسخين انتخابي غير اعتيادي ومؤقت، خصوصا أنها انتهت، على ما يبدو، مع انتهاء الانتخابات التشريعية التي فاز بها حزب المؤتمر فوزا ساحقا· بيد أن حدة هذه الصراعات هي أيضا مؤشر لا يمكن تجاهله على أن الصراعات السياسية والحزبية الجديدة ربما كانت تكرارا للصراعات القبلية القديمة، وتأكيدا على أن هناك أسلوبا يمنيا مميزا في التعامل مع الأزمات والخلافات· الأسلوب اليمني لا يخلو من العنف، وهو المسؤول عن عدم الاستقرار في اليمن، والذي - بدوره - سيؤثر سلبا على علاقاته بدول الجوار وعلى جهود التنمية في المنطقة ككل· إن عدم الاستقرار السياسي في اليمن سيستمر باستمرار التناقضات القبلية والحزبية والمذهبية والإقليمية العدة، والتي لم تحسم الحسم النهائي بعد حتى بعد قيام دولة الوحدة· فاليمن يتقدم خطوة ليتراجع خطوتين· واليمن يتوحد لينقسم· واليمن يستقر ليعود مجددا للاقتتال والانفجار العسكري المتكرر· هذا هو المبدأ السياسي الحاكم في اليمن· لقد كان اليمن، وباستمرار، منقسما الى وحدات قبلية ومذهبية وإقليمية مستقلة ومتصارعة، الأمر الذي أدى ويؤدي الى تفككه من الداخل وانكشافه على الخارج· اليمن هو اليوم في وضع يسهل اختراقه والتأثير في سياساته وتوجيهاته· والتأثير في اليمن ممكن· وبعض من الدول كدول مجلس التعاون وبخاصة دوله الكبرى، مارست وتمارس هذا التأثير بأشكال مختلفة، تتراوح بين الأسلوب التدخلي السلبي والأسلوب البنائي والتكاملي الإيجابي·

 

* عن مجلة العلوم الاجتماعية المجلد 26 - العد 1 ربيع 1998

** أستاذ مساعد بقسم العلوم السياسية - كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية - جامعة الإمارات العربية المتحدة

طباعة