Al - Talea
رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 الأربعاء 10-16 شوال 1419هـ - 27 يناير 2 فبراير 1999
العدد 1362

في دراسة عن "ثورة المعلوماتية ..موقعها ودلالاتها* لمحمد سيد أحمد**
مع تقدم عصر المعلوماتية ستصبح قوة المعلومات أكبر من القوة العسكرية

·         الألفية الثالثة تبشر بتحول الإنسان الاقتصادي إلى الإنسان المعلوماتي

·         الإنترنت تيسر الأنشطة غيرالمشروعة للمافيا وتجار المخدرات والجريمة المنظمة

·        ثورة المعلوماتية في العولمة المعاصرة ليست متاحة  إلا للصفوة فقط

 

محمد سيد أحمد:

شهد النصف الثاني من القرن العشرين مجيء عصر جديد لوسائل الاتصال ما يمكن وصفه بما بعد عصر جوتنبرج، ما بعد عصر استهلاك الورق، وهو عصر يفتح آفاقا، ويقدم وعودا، تتخطى بكثير أروع أحلامنا· ومن العناصر الأساسية لما نشهده الآن من تغيير، علاقة جديدة بين الإنسان والآلة، بفضل القدرة الجديدة التي اكتسبها الجنس البشري على صنع آلات ليست قادرة فحسب على أداء مهام العضلات البشرية، بل أيضا على أداء الكثير من الوظائف التي لم يكن يقوم بها حتى الآن غير العقل البشري· وكان اختراع الكمبيوتر الصغير Micro-processor، وهو العنصر الأساسي في الآلات التي تؤدي وظائف العقل، قد فتح آفاقا جديدة· فلم تعد المعرفة بيئتنا، سواء البيئة الاجتماعية أو الطبيعية، نتاجا لما نعرفه من خلال حواسنا، أو حتى لما نسميه "الادراك البسيط" Common Sense بل انفتحت أمامها الآن أبعاد جديدة مستمدة من الامتدادات الميكانيكية والكومبيوترية لوظائف العقل·

والواقع ان من العوامل الأساسية في تكنولوجيا وسائل الاتصال الجديدة ما يمكن أن نسميه "التحرر من الحجم" Liberation from size فلم يعد البشر أسرى لحجمهم فوق كوكب الأرض، أو في الكون على اتساعه· فهم يسيطرون الآن على تكنولوجيا تسمح لهم بالوصول الى عوالم تزداد صغرا أو تزداد كبرا حتى تتجه الى اللانهائية في أي من الاتجاهين· ولم تعد "رحلات جليفر" خيالا أو يوتوبيا· والفيلم الذي عرض منذ وقت وجيز بعنوان Microcosmos قدم للمشاهدين صورا تفصيلية لحياة الحشرات بحيث يبدو عالمها وكأنه في حجم عالمنا· وبفضل الكومبيوتر الصغير، أصبح البشر قادرين على التعامل مع أشكال من الزمان والمكان تختلف عن الأشكال التي اعتادت عليها حواسهم اختلافا جوهريا· وكان من نتيجة القدرة على صنع آلات أكثر دقة وصغرا تعمل بسرعات هائلة أن أصبح في الوسع إنتاج صور كمبيوترية هي من خلق العقل الخالص، وان كان يبدو أن لها معنى وواقعا ملموسا· وهذا ما يسمى "الواقع الافتراضي" Virtual reality وما نجحنا في عمله حقا هو الخروج من العالم الذي نعرفه من خلال حواسنا لننتج، بفضل أجهزة  الكمبيوتر التي تعمل على مستويات مختلفة تماما من الحجم والسرعة، وبالتالي وفق مقاييس مختلفة تماما للمكان والزمان، صورا لـ"عوالم" ربما ترى حواسنا أنها حقيقية، في حين أنها ليست كذلك· وبهذا فإننا نستخدم عالما مصغرا، لا نستطيع أن نصل إليه بقوانا الجسدية المباشرة، من أجل تحسين وإثراء القدرة على فهم "عالمنا"، ما أوجد إمكانية التعرف على نوع من الواقع التعدد· وبهذا يصبح ما نسبه بأنه واقع إحصائي، هو واقع من الواضح أنه تعبير عن معرفة أقل من "المعرفة" المعتمدة على ما كنا نعتقد سابقا أنه "أشياء مؤكدة"، وبات إضافة وليس خصما·

ومن ناحية أخرى، فإن إمكانية الترابط Inter-connectivity أي خلق نسيج متلاحم من شبكات الكمبيوتر التي تمثلها الآن بصورة جلية شبكة الإنترنت، شبكة أجهزة الكمبيوتر التي تزداد اتساعا وفقا لمعادلة أسية، والتي أوجدت فيما يتجاوز مستخدميها من الأفراد نوعا من "الكيان المتفوق" الذي يملك شكلا من أشكال الذكاء الجماعي، حيث يميل المكان والزمان للاختفاء باعتبارهما مصدرا للاختلاف بين الأنشطة والأحداث المتزامنة· والذكاء الجماعي شرط ضروري، إن لم يكن كافيا، لكي يشرع البشر في السعي لخلق ذكاء الآلة، أي الذكاء الاصطناعي (يمكن أن يصوغ ذكاء الكمبيوتر بأنه القدرة على التمييز بين الأشياء)، وتوسيع مجال عمل أجهزة الروبوت الذكي· وهذه الإنجازات تخلق فرصا غير مسبوقة لتشجيع التفكير العقلاني، وكذلك لتخيل صور جديدة من الفنتازيا، وإنشاء أشكال جديدة من التعبير الفني، وفتح افاق جديدة أمام الخيال البشري، ومع انتشار التنميط والتوحيد، يزيد التنوع أيضا· وكانت رسوم إيشر Escher ارهاصا قويا بهذا الالتقاء الجديد بين ما فوق المنطق، وما فوق اللامعقول، والذي كان أقوى تعبير عنه هو مبدأ اللاقرار Undecidability الذي وضعه جودل Goedel·

ومع نهاية القرن العشرين وبداية الألفية الثالثة، يبدو أن ثورة المعلوماتية Informatics تبشر بتحول الإنسان الاقتصادي Homo Economicus الى الإنسان المعلوماتي Homo Informaticus· وليست وسائل الاتصال الجديدة هي القضية المحورية في هذا التحول، لكنها ربما تكون أوضح مظاهره· وقد بدأ الحديث بالفعل عن أجهزة كمبيوتر يمكن للإنسان أن يرتديها· أي ملابس كمبيوترية توفر للمرء الدفء في الشتاء والبرودة في الصيف، ويمكن تغيير لونها وشكلها وملمسها تبعا للإرادة مع استخدام ساعة اليد أو النظارة كشاشة للكمبيوتر· وسيكون في وسع أي فرد أن ينشيء جريدته الخاصة في زي مصطلح "طريق المعلومات السريع" Information Superhighways تعبيرا عن الاندماج بين التليفزيون والتليفون والكمبيوتر· ويمكن أن يوجد مزيج من الكمبيوتر والتليفون والتليفزيون والفاكس مرتبطا بهوائيات متصلة مباشرة بقمر صناعي، وكل ذلك على هيئة صندوق صغير يشبك في الحزام مثلا، فيتيح لحماله فرصة استعادة أي نص مكتوب في أي موقع من العالم، وأية صورة، وأي فيلم، وأية قطعة موسيقى على الفور، حتى إذا كان الشخص المعني يجول في أبعاد الصحارى· ولن تكون هناك حاجة الى تزويد البيت بالصحف والكتب، لأن التعامل بالورق سيصبح أمرا من مخلفات الماضي، وسيكون في وسع كل شخص أن يحصل على المعلومات المرسلة بالطريق الالكتروني، والتي يستطيع أي إنسان أن يصل إليها في أي وقت وفي أي مكان·

ولكن السؤال الجوهري حقا هو ما إذا كانت المعلومات تستطيع أن تحل محل الاقتصاد باعتبارها المطلب الذي لا غنى عنه للحياة البشرية، ولبقاء الإنسان ورخائه، والى أي مدى هناك حاجة الى المعلومات المتزايدة أبدا للإنسان العاقل Homo sapiens، ولإنتاجه للسلع وإعادة إنتاجه كجنس؟ والواقع أنه في الوسع تصور أشخاص يعانون من تخمة المعلومات، أي أنهم وصلوا الى حالة التشبع بالمعلومات، لأن القدرة على المعرفة شيء، والإرادة أو الدافع للمعرفة شيء آخر· والأمر كذلك لأن قدرة العقل البشري على الاختزان ليست بلا حدود، كما أن هناك حدودا للاستيعاب والتمثل والقدرة على التذكر· يضاف الى ذلك التساؤل عن مدى فائدة تخزين المعلومات في العقل، بينما تستطيع أجهزة الكمبيوتر أن تقوم بهذه الوظيفة في الوقت الحالي بقدر أكبر من الكفاءة، وفيما وراء حد أدنى لا بد منه، أم يعد من الضروري للمرء أن يعرفه· بل المهم أن يعرف كيف يعرف· فالاطلاع على الأشياء لم يعد هدفا في ذاته، بل وسيلة كي يصبح المرء أكثر سيطرة على مصيره· فإذا كان الوضع كذلك، فلأي مدى تصدق فكرة الإنسان المعلوماتي Homo informaticus أيا كانت إنجازات ثورة المعلوماتية واحتمالاتها في المستقبل؟

والحقيقة أن المعلومات لا تهم إلا في حدود معينة· ويمكن تقسيمها الى فئتين: المعلومات الحية، وهي المعلومات الفاعلة، والتي تعتبر مصدرا للقوة (وهي تستمد قوتها، وكذلك قيمتها في السوق، من كونها ليست متاحة لمن يحتاجون إليها في اللحظة المحددة التي يحتاجون إليها)· والمعلومات الميتة، الأرشيفية، التي يستطيع أي شخص أن يصل إليها، والتي لا تهم أحد بصورة خاصة· وإذن، فليست لها قيمة، أو أن قيمتها محدودة، وما يهم حقا هو المعلومات الحية، وليست أية معلومات· وهذا النوع من المعلومات بالذات هو المرتبط بوسائل الاتصال· فمعلومات هذه الوسائل هي دائما أخبار، ودائما إضافة لما كان معلوما من قبل، ولكن دون أن تصبح أبدا معروفة بالكامل· وهي ليست بذات قيمة إلا للحظة عابرة، وخلال الفترة التي تكون فيها هناك جماعة معينة تحتاج إليها· وعندما لا يعود هناك من يحتاج إليها، فإنها تصبح معلومات ميتة·

ولكن فلنعد الى فكرة "الذكاء الجماعي"، والى ظهور شبكة تجميعية تكتسب شخصيتها المنفردة وتتجاوز الأشخاص الذين يستخدمونها، بل وتكون قادرة على اقتحام شخصية الفرد، وقادرة بشكل أعم على انتهاك بعض حقوق الإنسان الأساسية مثل الحق في الخصوصية، وفي الاختيار، وفي الاحتفاظ بالأسرار الشخصية، الخ·· فبفضل قدرتنا غير المسبوقة على استعادة المعلومات وتبويبها وتنظيمها· أصبح جانب كبير مما كان في الماضي جزءا من "الدومين الخاص"، مفتوحا الآن أمام "الدومين العام" (مثل صور المشاهير التي تؤخذ بغير معرفتهم، أو بغير موافقتهم، أي الحالات التي تعتبر انتهاكا لخصوصيتهم)· وعن طريق تنظيم المعلومات يمكن إعداد نماذج تعتبر أدوات مرجيعة لتقييم مسلك المواطنين الأفراد، وزيادة القدرة على فحص سلوكهم· وعندما يتسع بهذا الشكل إطار ما ينسب الى "الدومين العام"، تتآكل الخصوصية تدريجيا، ما يعني ضمنا الحد من حقوق الإنسان وحرياتهم، أو على الأقل وضع مقاييس ومعايير جديدة لتعريفها·

وقد يكون من المفيد في هذا الصدد التشبيه بما يجري فوق خشبة المسرح· فالحياة اليومية لأي شخص يمكن أن تنقسم الى لحظتين متميزتين: إحداهما تؤدي فوق المسرح، والأخرى يؤديها المرء بعيدا عن المسرح· في اللحظة الأولى، يكون سلوك الشخص مفتوحا أمام الآخرين· أي أنه يقع خارج نطاق الخصوصية· وفي اللحظة الثانية، أي خارج المسرح، يفترض أن يتمتع المرء بحصانة الخصوصية· وحتى وقت قريب، كان جانب كبير مما ظل بعيدا عن المسرح ليس رجعا الى أنه جزء من الحياة الخاصة للفرد (اعتبار ذاتي)، بقدر ما عاد الى عدم القدرة على المعرفة، الناشئ عن عدم وجود مراقب، أي عدم وجود شخص في وضع يسمح له بالإبلاغ عن الحدث (اعتبار موضوعي)· وكثيرا ما زال شخص من الوجود· موتا، أو نتيجة لحادث فاجع، أو لنشوب حرب "خارج مجال المسرح"، وبالرغم من أن الحدث يندرج تحت باب الأخبار التي تهم الجمهور الى حد بعيد، غير أن عرض ما حدث في مثل هذه الحالات نادرا ما كان متاحا· خلافا لما يجري اليوم· فبفضل تكنولوجيا عصر المعلومات، هناك المزيد من الفرص - بل والمحاولات المتعمدة - لتحويل كل شيء الى معلومات· ومع دخول قدر كبير مما هو خاص الى مجال الأخبار، المنشورة والمذاعة، فإن ذلك يثير مشاكل أخلاقية مهمة بشأن حقوق الإنسان·

كما أنه يثير تساؤلات صعبة· ففي وسع الأفراد، بسبب الأخطار التي تتعرض لها خصوصيتهم، أن يطلبوا حجب أنواع معينة من المعلومات· ولنتصور شخصا مصابا بالإيدز يذهب الى المستشفى حيث يجرى له عدد من الفحوص الطبية، وهو لا يريد أن يعرف الناس سبب إجرائه للفحوص· وإذا افترضنا أن كل أنشطة المستشفى تسجل، وتحفظ في قاعدة بيانات بالكمبيوتر، سيكون من الصعب وضع طريقة تضمن احترام الخصوصية في كل حالة على حدة· ولكن، مهما يكن من صعوبة حل هذه المشكلة، فلا بد من مواجهتها، لأنها تمس جوهر فكرة التفاعل  بين المعلومات Interactive Information وفي الماضي، كان توصيل المعلومات خطيا Linear، وفي اتجاه واحد، أي أنها تذهب من المرسل الى المستقبل،  سواء كان هذا الأخير فردا أو أشخاصا عديدين· ولم يكن من المفترض في المتلقي أن يبعث بإجابة· أما فكرة التفاعل بين المعلومات، فهي تبدلها بين طرفين يعتبر كل منهما مرسلا ومستقبلا في الوقت نفسه· أي أن المعلومات تنتقل في أكثر من اتجاه، وبطريقة غير خطية· ولذا أصبح من الممكن الآن الحديث عن ظهور شبكة، أو كيان أرقى يتجاوز مرسلي المعلومات ومستقبليها·

وينبغي أيضا ملاحظة أن الوصول الى مورد وافر لن تكون له قيمة تجارية إلا إذا كانت فرصة الوصول إليه مقيدة بآلية سعرية، وبعبارة أخرى، لا بد من إدخال ندرة مصطنعة، وإقامة حواجز تحول دون دخول المستهلكين والمنتجين الى السوق، وذلك يتحقق عن طريق تقنيات جعل المعلومات الحية نادرة قصدا، مهما تحقق من وفرة في المعلومات بصورة عامة· وذلك يمس - كما ذكرنا آنفا - جوهر ما يمنح القيمة لقطعة معينة من المعلومات· وهو يبين أن المعلومات يمكن أن تصبح سلعة مثل أية سلعة أخرى في السوق، ويبرز أن الإنسان المعلوماتي لن يكون مختلفا اختلافا جوهريا عن الإنسان الاقتصادي·

والجدير في الأمر هو أن التقنيات الحديثة تضع الأول في إطار جديد من القدرة على العمل من خلال الشبكات، أي تضعه في إطار شكل من أشكال الذكاء الجماعي الذي يفتح أمام البشر آفاقا جديدة· ولكنه يثير أيضا مشكلات عويصة لا بد من مواجهتها، إذا أريد أن تتحول الفرص الجديدة الى حقائق واقعة·

كان الحالمون الأوائل بالشبكات يرون في إمكانية الترابط والتداخل، أي هذا العالم الجديد المرتبط بالأسلاك، نقطة انطلاق لخلق ما يسمى "المجتمعات المتصورة" Virtual communities التي يوفر كل منها للآخر الدعم والحيوية داخل "كميونة" عالمية علمية، وهي آراء يؤيدها الساسة الأقوياء ذوو النظرة المعاصرة، فآل جور في الولايات المتحدة، وتوني بلير في المملكة المتحدة، يمثلان هذا النوع من ذوي الرؤية الجديدة للسياسة العلمية· وقد تحدث آل جور عن ذلك بقوله إن طرق المعلومات السريعة يجب أن تصبح لها أعلى الأولويات الاستراتيجية في الولايات المتحدة· وتصور الإدارة الأمريكية الحالية ثورة المعلوماتية الجديدة على أنها فرصة غير مسبوقة، وتضرب المثل للعالم قاطبة في هذه المجالات· والفرض الضمني في هذا الصدد هو أن إنجازات أمريكا في هذا الميدان يمكن أن تمتد الى  المجتمعات كافة على نطاق العالم، وهو تعميم يسهل إثبات بعده عن الصواب·

فهناك أولا تكلفة الانضمام الى "الانترنت"، وهي تكلفة يمكن أن تكون موحدة في كل مكان بالأرقام المطلقة، ولكن عند مقارنتها بالدخل، الذي يختلف - نسبيا - من بلد الى آخر، نجد أن التكلفة مانعة بالنسبة للدخل المتوسط للمواطن في الدول الأقل تقدما، بينما لا يمثل للطبقات الوسطى في الدول المتقدمة أكثر من حصة ضئيلة من الدخل· والارتباط بـ"الإنترنت" ليس متاحا للجميع بصورة متكافئة· والسعر وحده يرسم خطا فاصلا بين العارفين بـ"الإنترنت" من ناحية، ومن يتسمون بأمية "الإنترنت" من ناحية أخرى· ومن ثم فبينما تعرض ثورة المعلوماتية، وهي ركيزة أساسية في العولمة المعاصرة على أنها متاحة للبشرية قاطبة، فإنها في الواقع غير متاحة إلا لمجموعة محددة من الصفوة·

يضاف الى ذلك فيما يتعلق بالبنية الأساسية أن ما يمكن تحقيقه في أمريكا لا يمكن تعميمه في كل المجتمعات الأخرى· والمفترض أن حجم المشتركين في "الإنترنت" يتضاعف كل سنة· فإذا كان ذلك صحيحا، سيكون كل شخص فوق هذا الكوكب متصلا بـ"الإنترنت" بحلول عام 2000· لكن هناك عقبة حرجة يتعذر اجتيازها· وقد عبر ثابو مبيكي، نائب رئيس جنوب أفريقيا عن ذلك بقوله "إن بشرا لا يقل عددهم عن نصف البشرية لم يستخدموا التلفون مرة واحدة في حياتهم· وحقيقة الأمر أن هناك خطوطا للتليفون في منهاتن أكثر مما يوجد منها في كل بلدان أفريقيا جنوب الصحراء!" كما قال الكاتب الصحفي دافيد كلاين في مجلة Hotwire إن المستقبل قد يكون بمثابة أرض العجائب لأقلية ممن تتاح لهم الموارد والقدرة على الحركة والتعليم العالي· وقد يكون في الوقت نفسه بمثابة عصور مظلمة لأغلبية المواطنين الفقراء، غير الحاصلين على التعليم العالي، والذين يوصفون بأنهم لا ضرورة لهم· وما زال بوسعنا أن نتحدث عن الآبرتهايد المعلوماتي· وقد اتخذت القطبية الثنائية عددا من الأشكال طوال القرن العشرين: الشرق والغرب، الشمال والجنوب، المتجهون الى المستقبل والمتجهون الى الماضي· ويمكن أن تضاف "القطبية الثنائية المعلوماتية" الى هذه القائمة·

لقد جاءت بداية "الإنترنت" على يد المؤسسة العسكرية، بالذات الأمريكية· وبذلك كانت جزءا من "الدومين العام" في مرحلتها الأولى· وقد أصبحت الآن جزءا من "الدومين الخاص" أساسا· وكانت خصخصة شبكات المؤسسات العلمية الإقليمية في الولايات المتحدة بداية لظهور أساس تجاري للشبكات المترابطة الحالية· وكان أهم تغيير في طبيعة الشبكة العالمية هو البروز الحتمي لمواقعها التجارية· ولو كان الأمر متعلقا بالاقتصاد، لكان انتصارا للسوق الحرة على التخطيط المركزي· ولكن نظرا لاتساع نطاق الخصخصة، فإن أسرع الموضوعات انتشارا هي المواد البورنوجرافية، وليس التعليم أو التدريب أو التوعية الصحية· إذ يبدو أن الأذواق والاهتمامات الخاصة ليست متفقة مع الأهداف المعلنة لدعاة عصر المعلوماتية· وليس من المرجح أن تؤيد "الإنترنت" وعودهم الجميلة، بدلا من أن تصبح ملجأ للإرهاب المعتمد على التكنولوجيا الرفيعة، عن طريق تيسير الأنشطة غير المشروعة في عالم "المافيا" السرية وتجار المخدرات والجريمة المنظمة والانحرافات الجنسية، والهواة أو المحترفين الذين يعملون على زعزعة المؤسسات الوطنية والدولية·

ولكن فكرة الآبرتهايد المعلوماتي في حاجة الى مزيد من البحث· وكما ذكرنا من قبل، فإن من المساهمات الأساسية لثورة المعلوماتية أنها أزالت القدسية عن رؤية العالم كما تبدو للحواس البشرية، إذ إن الكمبيوتر الصغير وغيره من إرهاصات الذكاء الآلي قد زعزعت الرؤية القديمة للعالم التي كانت متمركزة حول الإنسان، ونزعت عنها طابعها المطلق باعتبارها إطارا مرجعيا "نسبيا"· وقد أثبتت أجهزة الكمبيوتر أن الآلات الدقيقة الشبيهة بالروبوت، والتي تعمل بسرعات تفوق كثيرا الايقاعات البيولوجية البشرية، قد لا يكون هناك غنى عنها في طموح البشرية لتحسين ظروفها والسيطرة على بيئتها·

وعندما نستبعد النظرة الى الجنس البشري على أنه محور الكون، يمكن أن نفقد فكرة أخرى هي أنه يجب النظر الى البشرية على أنها كتلة واحدة لا تقبل التقسيم· فأصحاب الأمية الكمبيوترية يمكن أن يبدوا وكأنهم فائضون عن الحاجة، وهذا ما يجعل الآبرتهايد المعلوماتي خطرا حقيقيا· وعملا بهذا الخط من التفكير، نجد أن هناك أوجها للتشابه تلفت النظر بين قوانين السوق وهيكل العمل عن طريق شبكات المعلومات· فنحن في الحالتين نتعامل مع أنظمة يقال عنها إنها تصحح نفسها بنفسها، وإنها بطبيعتها تصاب الضرر عندما تتدخل السلطة البشرية (الدولة، الأيديولوجيا، الأخلاق، التشريع، الخ)، وتحاول أن تخضعها لآليات من صنع الإنسان، وأن أية محاولة لفرض الرقابة على المعلومات، أيا كان نوعها (حتى على البورنوجرافيا، أو الإتجار في المخدرات، أو غسيل الأموال، أو الجريمة المنظمة، أو الإرهاب بالتكنولوجيا الرفيعة، الخ) تتعارض مع جوهر ثورة المعلوماتية، ومبدؤها الأساسي هو أنه لا يجوز الحد من التدفق الحر للمعلومات تحت أي ظرف· وهذا الافتراض الأخير يواجهنا بالسؤال الأساسي عما تعنيه المعلومات في "عصر المعلوماتية"·

وإذا كانت المعلومات شأن النقود مصدرا للقوة، ستكون المعلومات أكثر ارتباطا بمن يرسلها عنها بمن يتلقاها· ومهما يكن هناك من تفاعل بين المعلومات، ستظل القوة في يد من يبتكرون أجهزة المعلومات وبرامجها· ومن يملكون أسرار تكنولوجيا "الحقيقة المتصورة"، ونظرا لأن المعلومات المهمة هي المعلومات الحية فقط، ستكون هذه الأخيرة محلا للتلاعب من جانب من يملكون القوة بفضل شبكات المعلومات، ولو عن طريق الريموت كنترول! ونظرا لأن المعلومات الالكترونية ليست ملموسة، فما زال هناك اختلاف في الرأي حول موقعها في المفهوم القانوني للملكية، مما يتيح للمتلاعبين بها قدرا هائلا من القوة· وما زالت القوة العسكرية حتى الآن هي التعبير الأعلى عن القوة· ولكن مع تقدم عصر المعلوماتية، من أن تصبح قوة المعلومات أكبر من القوة العسكرية· وفي عالم ما بعد المعلومات، يخشى يمكن أن تصبح قوة المعلومات أكبر من القوة العسكرية· وفي عالم ما بعد المعلومات، يخشى أن تصبح المعلومات الموجهة خاطئة، وهو احتمال لا بد من مواجهته قبل فوات الأوان·

يضاف الى ذلك أن تخمة المعلومات كثيرا ما تجعلها بلا طعم وبلا جاذبية وغير مثيرة للاهتمام· ونظرا لأن المعلومات هي سوق، فهناك حاجة الى حوافز لزيادة قيمتها السوقية· ومن ثم يجري استخدام المشهيات مثل المواد المثيرة والكتابات الجنسية والعنف، وبشكل أعم، تحريف الثقافة والانحطاط بها·

يضاف الى ذلك أن عالم الكمبيوتر الصغير، لأنه بعيد عن قدرتنا على التحكم البدني، فإنه يمكن أن يفلت من أيدينا· وقد عرفنا حالات تمكن فيها مقتحمون حسنو النية من فك الشفرة التي تحمي معلومات بالغة الحساسية في قلب مؤسسات دول العالم الكبرى· وشهدنا بورصات عالمية تهتز بسبب المضاربة المعتمدة على الكمبيوتر· ولا نستطيع أن نسكت على احتمال أن نرى أجهزة الروبوت الذكية في يوم من الأيام تخرج عن سيطرة خالقيها من البشر في تكرار "بعد حداثي" Post-modernist لأسطورة تلميذ الساحر القديمة· ونظرا لخطورة المسألة، لا يمكن استبعاد أن يتم عن هذا الطريق اطلاق ترسانات العالم النووية في تفاعل متسلسل· فكيف يمكن اتخاذ تدابير اجهاضية لمنع وقوع محرقة عالمية بطريق الخطأ؟ أعتقد أن كثيرا من القضايا التي حاولت إبرازها في هذه العجالة هي في صميم أي تفكير منهجي بشأن كيفية التوفيق بين تكنولوجيا عصر المعلوماتية، وبين احتياجات السلام والتنمية والديمقراطية واحترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية فيما أضحى "قريتنا الكونية"·

 

* عن مجلة العلوم الاجتماعية مجلد 26 عدد 3 خريف 1998

** مفكر وكاتب عربي من مصر، عضو اللجنة الاستشارية عن الحريات الصحفية والإعلامية باليونسكو، من أبرز مؤلفاته "بعد أن تسكت المدافع" و"سلام أم سراب"·

طباعة