| تتصاعد أحيانا نداءات في الكويت من أجل تطوير الحوار بين أطراف العمل الوطني في البلاد، وتحديدا بين القوى الديمقراطية الليبرالية، أو هكذا يطلقون عليها، وبين قوى التيار الأصولي، أو حركات الإسلام السياسي·· وفي حقيقة الأمر لا توجد هناك حوارات لتطويرها بما يتناسب مع تعزيز الحياة السياسية في البلاد، وربما لا توجد أرضية مشتركة للوقوف عليها وبدء ذلك الحوار·· إن المشكلة الأساسية في هذا الصدد هو عدم توافر عناصر الثقة بين الأطراف المختلفة وليس بالإمكان التوفيق بين طروحات تدعو للديمقراطية والحريات المجتمعية والشخصية وتوفير حرية الثقافة والفكر وبين طروحات تدعو للانغلاق الثقافي والتقييد الاجتماعي والعزل السياسي·· ولذلك فإن أي دعوة "للوفاق" بين هذه القوى المتباينة لا يمكن التعويل على إمكانات نجاحها·· وقد يطرح المراقبون ملاحظات على جميع هذه الأطراف ذات الصلة، وعلى تباين توجهاتها، حيث إن تطور الحياة السياسية في الكويت على مدى الخمسين عاما الماضية، ومنذ بداية عصر النفط، لم يفرز قوى ديمقراطية حقيقية أو يدفع المجتمع نحو قيم التنوير والتحضر لما تتطلبه الحياة السياسية الحديثة، كما هو جار في البلدان الديمقراطية المتقدمة، أو حتى في البلدان ذات الديمقراطيات الناشئة، مثل بلدان أوروبا الشرقية أو بلدان أمريكا اللاتينية أو حتى بلدان آسيا الشرقية، والتي عانت من الاستبداد على مدى قرون طويلة·
قد يقول المخضرمون من العاملين في الشأن العام في الكويت إن الكويت كانت تضم مجتمعا متسامحا وبعيدا عن التطرف، الديني أو تطرف آخر، كما أنها لم تعان من استبداد السلطة السياسية منذ نشأتها في القرن الثامن عشر·· لا ريب أن ذلك صحيح، وإلى حد كبير، لكن تكمن المشكلة في التطورات التي جرت بعد بداية عقد الستينات في القرن العشرين عندما تولت قوى ذات توجهات أصولية الهيمنة على التعليم وكيّفت الناشئة باتجاه تبني قيم دينية متطرفة وذات نزعات متشددة تجاه الآخرين، أو الذين لا يقبلون بتلك الطروحات·· ولذلك فقد استوعبت قوى الإسلام السياسي عناصر متطرفة معادية للحرية الثقافية والتباين الفكري والتعايش السياسي، ولم تستوعب هذه القوى القيم الديمقراطية التي كرسها دستور الكويت الصادر عام 1962، ولم تقبل بالنزعات التحررية التي تعززت في المجتمعات المتطورة خلال رحلة الزمن، خصوصا في القرن العشرين·· وإذا كانت القوى التي اعتمدت على الفكر القومي أو التقدمي خلال المسيرة المعاصرة للحياة السياسية في الكويت قد أصبحت أكثر اهتماما بالديمقراطية والحرية، خصوصا بعد التجربة المريرة للاحتلال العراقي للكويت، إلا أنها مازالت دون مستوى الطموح والذي يتعشمه الديمقراطيون الحقيقيون··
مهما يكن من أمر فإن المطروح في الوقت الراهن، من قبل عدد من أصحاب النوايا الطيبة والهادفين للإصلاح السياسي في البلاد، هو لقاء بين مختلف تيارات العمل السياسي في البلاد وتوحيد صفوفها وراء أجندة وطنية لمعالجة الاختلالات في أعمال الحكومة وأعمال مجلس الأمة·· لكن لا أستطيع أن أتصور أو أتلمس، تقاطعات بين هذه الأطراف·· كيف يمكن التلاقي بين من يقف ضد الحريات الخاصة، أو الشخصية، ويصادر حق الحرية الثقافية ويناهض حقوق المرأة السياسية ويرفض الانفتاح على الفكر الإنساني والتعايش مع بقية البشر في هذا العالم الواسع، كيف يلتقي مع الأطراف الأخرى في الكويت والتي تدعو للحرية والتسامح مع مختلف التيارات الفكرية ويطالب بحقوق المرأة ويدافع عن التواصل مع الآخرين؟ هناك إشكالية لا يمكن التغلب عليها إلا إذا قبل أطراف التيارات الأصولية بالنهج الديمقراطي والذي يعني تبني الفكر الديمقراطي بشكل واضح وليس فقط الاستفادة من آليات الديمقراطية المتمثلة بحقوق الترشيح والتصويت وتعزيز حقوق الاختلاف وغيرها من حقوق تؤكدها القيم الديمقراطية·· كذلك لابد من التوافق حول المصالح الوطنية وارتباطات الكويت مع مختلف دول العالم كما تمليه عليها مصالحها ومتطلباتها للأمن الوطني··
إن ما يجب أن تتصدى له القوى الديمقراطية في الكويت هو صياغة خطاب سياسي متوافق مع المبادىء التي تدعي الانطلاق منها وهي مبادىء الحرية والديمقراطية، وتأطير العناصر المجتمعية التي تتوافق مع هذه المبادىء بحيث يصبح لديها الكيان الوطني القادر على مواجهة التحديات السياسة في البلاد·· وعندما تتحول القوى الأصولية في البلاد إلى قوى ديمقراطية فاعلة، مثل الأحزاب المسيحية في بلدان أمريكا اللاتينية أو البلدان الأوروبية، يمكن عندئذ التفاهم بينها وبين القوى الأخرى حول مجمل القضايا الوطنية وعلى أساس مبادىء الدستور وقيم الديمقراطية·· إن التحديات التي تشهدها المنطقة تؤكد أن هناك قيما مجتمعية وسياسية لا بد من تجاوزها حتى يمكن تحقيق الاستقرار الذي يمكن من إنجاز مشروع تنموي متنوع·· ولا يمكن أن تتطور الحياة السياسية دون مفارقة تلك الأفكار المستبدة التي تحملها الكثير من القوى في هذه المنطقة من العالم·· وغني عن البيان أن المجتمعات العربية، والمجتمع الكويتي واحد منها، تعاني من علل ثقافية عديدة لا بد من دراستها ووضع حلول لها، لكن ذلك يجب أن يجري في ظل الديمقراطية والحرية الثقافية·
tameemi@taleea.com |