| كما كان متوقعا فقد تم انتخاب محمود عباس "أبو مازن" رئيسا لسلطة الحكم الذاتي وسط ظروف صعبة واستثنائية تمر بها القضية الفلسطينية·
والسؤال الذي يطرح نفسه بصورة ملحة، ما الذي يستطيع "أبو مازن" أن يقدمه للقضية الفلسطينية؟ وما حدود التنازلات التي قد يقبل بها؟ وهل يستطيع أن يضحي الشخص المحبوب من أغلب فئات الشعب الفلسطيني كما كان الحال مع الرئيس الراحل (ياسر عرفات)؟·
أسئلة كثيرة تراود المراقب للأحداث في هذه البقعة الساخنة من العالم، ولعلنا إذا أردنا أن نستبق الزمن ونعرض صورة منصفة للوضع الفلسطيني فإننا نستعرض جملة من الحقائق والتساؤلات، وفي النهاية فإن الشاطر يفهم سوداوية الوضع الفلسطيني المقبل·
يعتبر أبو مازن من أوائل الفلسطينيين الذين دعوا للجلوس على طاولة المفاوضات مع الشريك الإسرائيلي وذلك منذ أواسط السبعينيات من القرن الفائت وهو الشخص الذي أدار مفاوضات التسوية المذلة التي انطلقت في أوسلو قبل أكثر من عقد من الزمان، وبالتالي فهو الذي قاد الشعب الفلسطيني بصورة مأساوية ليقدم على طبق من ذهب لليهود جملة من التنازلات التي لم يكن أشد قادته تطرفا يحلم بها·
عندما اختير أبو مازن ليكون رئيسا لوزراء سلطة الحكم الذاتي في أبريل 2003 فإن اختياره تم بناء على ضغوط أمريكية - إسرائيلية مورست على الرئيس عرفات وهي الضغوط التي يحق للجميع أن يضعوا تحتها جملة من الخطوط الحمراء·
إبان الحملة الانتخابية الأخيرة، وصف أبو مازن المقاومة المسلحة بأنها "أعمال صبيانية" لا تخدم القضية الفلسطينية وتسبب الضرر أكثر من النفع، كما دعا لوقف "عسكرة الانتفاضة" والتوقف الفوري عن إطلاق الصواريخ على المستوطنات الصهيونية وهو أمر جوبه بالرفض من أغلب القوى الفاعلة في الساحة الفلسطينية·
وفي حملته الانتخابية، أطلق تصريحا وسط حشد من مؤيديه - بعد ساعات من اغتيال ثمانية فلسطينيين بينهم أطفال - وصف فيه إسرائيل "بالعدو الصهيوني" وهو الوصف الذي ألغاه عباس من قاموسه منذ سنوات كثيرة، وعمت الفرحة أرجاء الشارع الفلسطيني لهذا الموقف الذي أدانته حكومة الإرهابي شارون والإدارة الأمريكية، ولكن، في عشية انتخابات الرئاسة صرح لصحيفة "يديعوت أحرونوت" الإسرائيلية بأن ما صدر منه ليس إلا "زلة لسان" وأنه في ظل الظروف المأساوية لا يمكن للشخص أن يسيطر على كلماته دائما·
وبعد فوز أبو مازن في الانتخابات، بدأت الإملاءات الصهيو-أمريكية تنهال عليه، ففي اتصال هاتفي للرئيس بوش، دعاه الى العمل بصور جدية لوقف الإرهاب الفلسطيني حتى يتسنى للصهاينة العودة الى طاولة المفاوضات·
كما طالبه القادة الصهاينة باتخاذ مواقف صلبة وشديدة تجاه حركتي الجهاد الإسلامي وحماس وإن كان الإرهابي "نتنياهو" الأكثر صراحة عندما طالبه بالتخلي الكامل عن حق العودة وتفكيك المنظمات - الإرهابية - على حسب تعبيره و"أن تتخلى عن الإرث المشؤوم لياسر عرفات"!!·
ومنذ انتخابه رئيسا لسلطة الحكم الذاتي وقوات الاحتلال الصهيوني مستمرة في عمليات التوغل داخل القرى والمدن الفلسطينية حيث تمارس شتى أصناف الإرهاب وجرائم القتل العشوائي والاعتقالات بينما لم يصدر أي تصريح إدانة من "أبو مازن"·
كما أعلن في إسرائيل منذ أيام عن بدء تنفيذ مخطط استيطاني جديد يقضي بمصادرة أراض واسعة تعود ملكيتها للعرب وتحيط بمدينة القدس الشريف في محاولة لفرض سياسة الأمر الواقع عندما يتعلق الأمر بالتفاوض على القدس، وهي تأتي ضمن مخطط شارون الداعي الى الانسحاب أحادي الجانب من قطاع غزة وتعزيز السيطرة الإسرائيلية على الكتل الاستيطانية الكبرى في الضفة الغربية وجعلها واقعا لا يقبل المناقشة·
إزاء هذا التحليل السريع لجملة من الوقائع المعاشة في فلسطين المحتلة، لا يسعنا إلا أن نقول كما قلنا في صدر المقال: ·· والشاطر يفهم!!
abdullah.m@taleea.com |