| بقليل من التأمل داخل النفس البشرية، يعرف كل إنسان أن هناك نوازع أنانية تجره من العلياء الى الحضيض إذا تمكنت هذه النوازع منه ومن غيره، ربما بعض من هذه النوازع فطرية متغلغلة في الأعماق لا يشعر بها المحيطون من أي إنسان، وربما بعضها مكتسب نفثت إليه من محيطه ومحبيه فانغر بها! وبطبيعة ثقافة الشرق وعشقها للتاريخ والنعاس على ديباج لبطولات في مسارح الأحداث المتباينة يكون الشفاء من النرجسية أمرا صعبا، بل يكاد يكون مستحكما كالمرض السرطاني الذي لا يمكن اجتثاثه إلا بالموت، فكم من زعيم قام عليه شعبه أو يطالبه بالإصلاح وهو يرفض، ويصر على البقاء حتى الفناء، تحت حجة التاريخ وثقة القوم والشرعية الشعبية "المغتصبة" عفوا المكتسبة·
ويهتم "النرجسيون" كثيرا بأسلوب "أدلجة المصطلحات" بهدف الاستمرار في الإقناع والاتباع، ويتجاهلون التعاطي مع المراحل التغييرية وعن قصد ويبتكرون المصطلحات تلو المصطلحات حتى تبقى النرجسية أمرا مشروعا وخاصا في الوقت ذاته، وكلما جاءت أطروحة متوافقة مع متطلبات الواقع الحاضر نجد "النرجسيين" شمروا عن "ألسنتهم" حتى لا يرتد أحد عن "الدين" الذي يؤمنون به، والدين هنا ليس رسالة سماوية بالمعنى الاعتقادي إنما "الدين" الذي نفهمه منهم هو الإيمان بالأحقية بكل شيء والمبررة لمهاجمة الآخرين ضمنا من أجل تقييدهم وعزلهم وتكتيفهم·
الشخصية النرجسية تشكلت مع مواقف عدة، شيء منها حقيقة مقبولة في السياق الاجتماعي وشيء منها غرور تمكن من صاحبها نتيجة لتغزل الأتباع مع الوقت والتحديات التي تفرضها طبيعة الصراعات بين الأطياف والشخصيات المختلفة والتي يتوارثها جيل بعد جيل بالعزف نفسه وبالتكتيك وبالإيحاءات المبرمجة ذاتها التي تفرض عليهم الانقياد وحتى الانتحار، فكل ذلك يتم تسويقه بأنه قربة لوجه الله تعالى، ولا أحد أقرب من الله جل وعلا إلا هم وأما الآخرون فإلى الجحيم·
رشفة أخيرة
هز الحدث الإرهابي والمأساوي كل المجتمع الكويتي فجريمة حولي التي راح ضحيتها مواطنون أبرياء لا يمكن للناس أن تنساها ويعرف غالبية أبناء الشعب مصدرها ومن وراءها حتى لو لم يمت أحد الجناة، فالفكر التكفيري عندما يتسلط على أذهان السذج من الناس يحرق ويدمر ويسفك الدماء ويتم التفاعل مع هذه الاعتقادات بأنها مسددة من السماء وهي تنال رضى الرحمن هنا يكون التبرير الخارق "والتأله" على رب العالمين· التكفيريون مهما طالت أيديهم فهم بالأول والأخير نتاج فكر خارج عن نطاق الروح الإنسانية بدأ منحرفا واستمر منحرفا ومهما جادت أتباعه ببعض الصور البلاغية والإقناعية فإنه في النهاية فكر سينقرض ويضمحل لأنه مجاف للفطرة الإنسانية·
mullajuma@taleea.com |