| دخل عليهم وهو يجر رجليه ببطء شديد، ويحمل على كتفيه وفي سحنة وجهه آثار عقود ثمانية قضاها في محراب العلم يستكشف سنن الله جلت قدرته ينشرها للناس ويحاول أن يرقى بمجتمعه الى مستوى التأمل والتفكر بعيدا عن الفكر الأسطوري والخرافي الذي سيطر ردحا من الزمن· قضاته كانوا كرادلة عصر الظلمات في أوروبا، وتهمته كانت الترويج لأفكار تصطدم في نظر الكرادلة بمعتقدات الكنيسة الكاثوليكية، وصحيفة الاتهام بحقه تستند الى كتاب نشره مؤخرا يدعي فيه أن الشمس مركز مجرة درب التبانة ويعتبر الأرض كوكبا من كواكب المجموعة الشمسية يدور حول الشمس·
مضى المدعي العام لهيئة الكرادلة يقرأ صحيفة الاتهام ويبرهن من خلال مقاطع من الإنجيل على سمو الأرض من أن تكون في خلق الله كوكبا تابعا، وتمسك بجدليات الفكر الإفلاطوني ليبرهن على مركزية الأرض في قضية خلق الكون، وعرج أخيرا على الشيخ المسن القابع في قفص الاتهام يطلب من الله له الرحمة والمغفرة ويدعوه الى التوبة عن ذنبه أو مواجهة معاقبته بالحرمان من الرحمة البابوية· وفي مقابل ثورة الادعاء قام الشيخ المسن بصعوبة بالغة ووقف مبتدئا مرافعته بتلاوة بعض نصوص من الإنجيل تحتمل تفسيرات عدة وأوجه احتمالات مختلفة ليتبع ذلك بالتأكيد بأنه في الأساس يتعامل مع العلم المادي ولا يستطيع أن يتجاهل ما تراه عيناه في أفق الأفلاك ولا يمكنه أن يفضل منطق الجدل الإفلاطوني على منطق المشاهدة الحسية، واختتم دفاعه بأن الإنجيل كتاب تشريع وليس بكتاب علم مادة وإذا وجد تناقض بين المدون في الأناجيل والمشاهدة الحسية فإن مرجع ذلك هو ضيق أفق النظرة الى الإنجيل ليس إلا· الادعاء أمسك بتلابيب ما ذهب إليه الشيخ المسن واعتبره برهانا جديدا على هرطقته وكفره وإلحاده وزاد مطالبته بحرقه ونثر رماده في البراري وشدد على ضرورة حرق كتبه كلها، بل ومتابعة أتباعه وتلامذته صونا للدين المسيحي وتعاليمه السامية وحفاظا على شباب الأمة من الانحدار نحو هاوية الضلالة·
المحاكمة انتهت في وقت وجيز وصدر حكم مجمع الكرادلة بحرمان الشيخ المسن من الرحمة البابوية وطرده من الكنيسة الكاثوليكية وأمر منابر الخطابة والإعلام بلعن روحه كما أصدر فرمانا تم بموجبه حرق كل آثاره العلمية وأعلن في جميع جامعات أوروبا عن هرطقة أفكاره ومنع تدريسها· وحكم على الشيخ المسن بالعذاب الدنيوي بسجنه مدى الحياة، لكن كبير الكرادلة خفف الحكم الى وضعه قيد الإقامة الجبرية نظرا لكبر سنه واعتلال صحته مع منع زيارته أو الحديث معه أو الاتصال به·
المحاكمة جرت عام 1633، والمتهم كان جاليليو جاليلي، أحد أعظم رواد علم الفلك التجريبي الحديث وأحد مؤسسي مدرسة الفيزياء التقليدية· والمكان قاعة من قاعات الكنيسة الكاثوليكية الكبرى في روما والتهمة، كما رأينا، تتعلق بالدرجة الأولى بالصراع بين الفكر المستند الى المحاكمة العقلية ومنطق التجربة من ناحية وبين سلطة الكنيسة، وليس الدين المسيحي، ورغم مرور هذه القرون على هذا الحدث الإنساني فقد بقيت اللعنة البابوية تلاحق جاليليو حتى أواسط السبعينيات من هذا القرن عندما أمر الفاتيكان بفتح ملف التحقيق من جديد وبناء على ذلك تمت تبرئة جاليليو عام 1995·
لكن ما أشبه اليوم بالبارحة····· |