| عندما يجري الحديث عن مسائل الإصلاح السياسي والاقتصادي في البلدان العربية تثور خواطر في ذهن المرء تجعله يتشكك في إمكانية الإصلاح·· فقبل فترة وجيزة حضرت حوارا حول مسألة الإعلام في الكويت وإمكانية تطويره وإصلاحه بما يتوافق مع بث رسالة ثقافية لمختلف الأوساط العربية·· وتساءل بعض الحاضرين عن ماهية هذه الرسالة الثقافية المنوي بثها، وهل هي مرتبطة بقيم المجتمع الكويتي وثقافة الديمقراطية التي تميز البلاد عن بلدان عربية كثيرة·· لكن هناك من أثار ما إذا كانت المؤسسات الحكومية والتشريعية تعي أهمية هذه الرسالة ومدى التزام هذه الجهات بالقيم الديمقراطية، في الوقت الذي تتضح فيه معارضة شديدة لتوسيع قاعدة المشاركة الديمقراطية وخصوصا في ما يتعلق بحقوق ا لمرأة في هذه المشاركة·· ثم هل المجتمع الكويتي قد أصبح مجتمعا مؤمنا بالقيم الديمقراطية ويعي استحقاقاتها وأهمية الالتزام بأعراضها من تسامح وقبول للرأي الآخر؟ وقد عزى هؤلاء المتشككون بإمكانية توفير أرضية مناسبة لرسالة إعلامية ثقافية كويتية لغياب الثقافة الديمقراطية في هذا المجتمع، وعدم وجود فلسفة سياسة واضحة في البلاد، في الوقت الذي تتجذر في المجتمع سمات التزمت ورفض الآخر·
وإذا كانت رسالة الإعلام الثقافية تواجه مثل هذه الصعوبات، فهل يسري ذلك على مسائل الإصلاح التعليمي والاقتصادي في الكويت وغيرها من بلدان عربية؟ لابد من الاعتراف بأن قضايا الإصلاح تواجه معوقات حضارية مهمة، أولها عدم الاقتناع بضرورة الإصلاح السياسي وتوفير أرضية صالحة لبناء المجتمع الديمقراطي في أي من هذه البلدان، ومن المؤسف القول بأن ذلك لا ينطبق فقط على المؤسسات الحاكمة بل هو، أيضا، ينطبق على الأحزاب والمنظمات الأخرى وعلى سائر الأفراد في هذه المجتمعات، ومن بينهم المثقفون والكتاب، الذين يعتقدون بأنهم يملكون الحقيقة النهائية ومن ثم لا ضرورة لحوار الآخرين أو السماح لهم بالمجادلة في أي شأن سياسي أو اقتصادي أو اجتماعي·
ومن الغريب أن البعض من هؤلاء المدعين بالعلم بكل شيء يصبحون بمثابة دعاة، مثل دعاة دين "Preachers" ولا يقبلون إلا بقبول آرائهم ووجهات نظرهم من الآخرين، وإلا أصبح أولئك الآخرون كفرة بما يطرحونه من قيم ومن ثم حق عليهم العذاب والتعزير وإذا كان المجتمع العربي يفرخ مثل هؤلاء الدعاة فكيف نستطيع أن نبني مجتمعا ديمقراطيا واعيا بحقوق كافة أفراده؟ وبتقديري، إن هذه الحقيقة تؤكد التخلف الفكري والثقافي في المجتمعات العربية والذي ربما سيظل معنا إلى أمد طويل ما لم يتم تطوير أنظمة التعليم بما يخلق جيلا جديدا واعيا بقيم الإنسانية في العصر الحديث، ولا شك أن هذه الحقائق المجتمعية هي نتاج تراكم طويل من الشمولية في الفكر والحكم خلال القرون والعقود الطويلة الماضية·· ولن يتأتى للعرب أن يتحرروا من هذا الواقع، حتى لو طبقوا شكليات النظام الديمقراطي، ما لم يطوروا نظاما تعليميا جديدا يتوافق مع قيم الفكر الخلاق واحترام الاجتهاد وصياغة الآراء الحرة·
ويزعم بعض علماء الاجتماع بأن تطوير الواقع الاقتصادي بما يسمح بالتحرير وزيادة فعالية القطاع الخاص، يمكن من دفع المجتمع للقبول بالقيم الديمقراطية السمحاء ويمكن، أيضا، من بناء أرضية جيدة لتفعيل الدور المجتمعي في النظام السياسي·· ربما، ولكن العقبات السياسية تحول دون الإندفاع الكافي نحو تحرير الاقتصاد وبناء مؤسسات اقتصادية متحررة من تبعية الدولة·· كما أن الأنظمة السياسية في معظم البلدان العربية تتردد كثيرا، بالرغم من الأوضاع المالية الصعبة،من تفكيك بنية القطاع العام والتوجه نحو الاقتصاد الحر والسماح للقطاع الخاص للعب دور كبير في التنمية الاقتصادية·· ويشكل هذا المعوق السياسي أكبر عرقلة لإعادة الهيكلة وتصحيح البنية الاقتصادية، فبعد عقود طويلة من هيمنة الدولة وسيطرتها على مقدرات الحياة في هذه البلدان يصبح الاندفاع نحو نظام الاقتصاد الحر محفوفا بمخاطر سياسية كبيرة للبابوية السياسية·
كيف، إذاً، يمكن أن نوفق في إصلاح الأوضاع العربية وبناء المجتمعات الديمقراطية المنشودة؟ لا شك أن الإجابة على مثل هذا السؤال ليست يسيرة، ولكن ما يمكن قوله هو أن المجتمعات العربية تمر بمأزق تاريخي في ظل المستجدات العصرية الراهنة، وفي ظل زيادة أعداد الشباب فيها والذين لا يجدون توافقا بين طموحاتهم وقيم الأنظمة المتسيدة في هذه البلدان·· ولذلك فإن ظواهر العنف السياسي والتطرف الديني التي تنتشر بين هؤلاء الشباب هي، في الكثير من الأحوال، نتاج للطريق المسدود الذي يواجهه هؤلاء الشباب، ولابد أن تقوم منظمات المجتمع المدني ومؤسسات الحكم بإجراء مراجعة مهمة من أجل صياغة برامج تستوعب المعضلات القائمة وتلبي رغبات أبناء الأجيال الجديدة·· لكن مسيرة الإصلاح في أي من البلدان العربية ستظل طويلة وشاقة، ونأمل أن يتم الإصلاح بأساليب ديمقراطية سلمية وبشكل يحمي نسيج هذه المجتمعات ويطور قدراتها على مواجهة تحديات العصر· |