| أشار الأستاذ أحمد عباس صالح في مقاله الأسبوعي يوم الجمعة الموافق 14 يناير الجاري في جريدة الشرق الأوسط الى معضلة العرب مع التطور الثقافي والفكري في عالمنا المعاصر·· ويبدو أن المشكلة الأساسية هنا هي عدم القدرة على التكيف، أو بالأحرى عدم القدرة على استيعاب مفاهيم وقيم جديدة تنشأ مع تطور الحياة والتبدلات الاقتصادية وما يتبعها من تأثيرات اجتماعية·· وإذا كان المجتمع المصري، وهو الأكثر التصاقا بتطورات العالم المتقدم، لا يزال يعاني من ازدواجية المواقف تجاه المرأة وتحررها ونيلها حقوقها المدنية، كما اتضح من خلال مناقشة التعديلات على قانون الأحوال الشخصية، فكيف لنا أن نتوقع مجتمعات أخرى، أقل عصرنة وتطورا، أن تقبل بمسائل ذات صلة بالمرأة أو أي مسائل تتعلق بتطوير الحياة الاجتماعية· ولا شك أن التطورات الاقتصادية والسياسية خلال سنوات القرن العشرين لم تحدث بلورة فكرية تتناغم مع استحقاقات الحياة في عالم ينعم بالديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان·· وقد يتطلب الأمر مرور عدد من السنوات وربما العقود قبل أن يصل العالم العربي الى حالة من التفاهم مع الحياة العصرية·
ولا بد أن نعترف بأن المنظمات السياسية التي نشأت في الكثير من الدول العربية، وبعضها زعمت في أطروحاتها أنها تمثل التقدم والديمقراطية والفكر الإنساني، سواء كانت ليبرالية أو قومية أو اشتراكية، هذه المنظمات لم تتمكن من تربية أجيال تؤمن فعلا بهذه القيم الحديثة والتي نمت وترعرعت في البلدان الأوروبية في مراحل متعددة من القرن التاسع عشر·· ومن أهم العقبات التي أحالت دون بذر هذه القيم في أوساط اجتماعية واسعة في البلدان العربية غياب الحياة الديمقراطية الحقيقية، وتسيد الأنظمة السياسية الشمولية، والتي تكرست بشكل تام في سنوات النصف الثاني من القرن العشرين بعد استيلاء العسكر على السلطة في أكثر من بلد عربي·· وظلت تلك المنظمات السياسية بعيدة عن الممارسة الديمقراطية سواء ضمن الإطار المجتمعي الفسيح أو داخل أطرها الحزبية المحدودة، وهكذا رأينا أحزابا لا تعقد مؤتمرات على مدى سنوات تتجاوز عقدا من الزمن وتظل قياداتها التاريخية متواصلة في إدارة دفتها لسنوات طويلة دون تغيير يذكر· فهل يمكن أن تصبح هذه المنظمات ديمقراطية النهج والفكر في ظل هذه الأوضاع العامة والخاصة؟
وما يحير المرء أن عددا من المواطنين العرب هاجروا أوطانهم وأقاموا في الغرب، وفي بلدان أنعمت عليهم بالمواطنة ومكنتهم من ممارسة الحياة الخاصة والعامة بحرية وجعلتهم قادرين على ممارسة العمل السياسي في ظل الديمقراطية، هؤلاء العرب، ومنهم مثقفون وكتاب وأصحاب فكر، ظلوا متمترسين تحت لواء الفكر الشمولي الذي جلبوه معهم من أوطانهم العربية، بل إن بعض هؤلاء يطربون فرحا عندما يعلمون بأن ديكتاتورا عربيا قد غزا بلدا عربيا آخرا، كما حدث عام 1990 عندما غزت قوات النظام العراقي الكويت، وأحيانا يبررون إعدام الكتاب والمثقفين في بلدانهم أمام الأوساط السياسية في بلدانهم الجديدة·· يضاف الى ذلك أن بعض هذه التجمعات العربية في بلدان الغرب تحاول أن تبرر أعمال العنف السياسي الذي تتولاه منظمات التطرف الإسلامي، سواء حدثت هذه الأعمال في البلدان العربية ذاتها أو خارج حدود الوطن العربي·· ويتحير المرء أمام هذه المواقف غير المسؤولة والتي ينتج عنها مواقف دولية ضد العرب بشكل عام ونظرة سلبية تجاه القيم الدينية والثقافية العربية·
وعندما يرفض مجلس الأمة الكويتي إقرار الحقوق السياسية للمرأة الكويتية فإن هناك أطرافا دولية كثيرة تستغرب أن يحدث هذا في أواخر القرن العشرين وعلى مشارف الألفية الثالثة·· بل إن رفض هذه الحقوق وربطه، من قبل بعض نواب مجلس الأمة الكويتي، بخشيتهم على المرأة الكويتية من فتنة العمل السياسي وتهكمهم على المجتمعات الديمقراطية المتقدمة، هذا الرفض يؤكد للعالم مدى النظرة الدونية للنساء عند أوساط واسعة من مجتمعنا·· وما يزيد من الحيرة أن تصبح قضايا حقوق الإنسان تحت رحمة زمرة من السياسيين الذين ينظرون للأمور من خلال خصومتهم مع الحضارة الإنسانية الحديثة وسعيهم الحثيث لإبقاء الأمة العربية قيد قيم ليست ذات صلة بمتطلبات التطورات الاجتماعية والسياسية والتي تفرضها التحولات الاقتصادية والتقنية في عالم اليوم· هل يمكن أن تستمر الحياة في ظل مفاهيم الريف أو المجتمع الزراعي وغير المديني والتي أخذت بالاضمحلال نتيجة للتغيرات الاقتصادية وتسارع الهجرة من الريف والصحراء الى المدن؟ هل نتوقع أن تظل العلاقات الاجتماعية محكومة من قبل تقاليد الأسرة الممتدة في ظل تحولات اقتصادية تفرض الأسرة النووية، أو الصغيرة، وتكرس زيادة اهتمام الفرد بذاته وباحتياجاته الشخصية؟
لا شك أن العالم الجديد قد خلق مفاهيم مختلفة عن ما يسود في الأوساط العربية، حيث تتسارع الاتصالات بين البشر وتتزايد عمليات التواصل الإنسانية·· كما أن الاقتصاد العالمي يدفع لخلق السوق الواحدة التي ستجعل من قدرة الإنسان على البحث عن عمل في أي بلد من بلدان الله الواسعة أمرا ممكنا، فهل يمكن أن تستمر القيم التقليدية في السيطرة على الشباب في البلدان العربية في ظل اقتصاديات السوق الحديثة؟ وكيف يمكن أن تحرم المجتمعات العربية المرأة من ممارسة حقوقها السياسية وتطوير أنظمة الأحوال الشخصية لكي تتوازن حقوقها مع حقوق الرجال؟، وهل يمكن منع المرأة من الحراك في مجالات العمل في ظل نشوء احتياجات معيشية مشروعة لديها ولدى أبنائها أو أسرتها؟ إن العقل العربي لا بد أن يواجه تحديات واسعة لكي يوائم القيم المجتمعية مع متطلبات هذا العصر بما يمكن من خلق ثقافة جديدة تتناسب مع متطلبات التنمية والتمدين، وإلا فإننا سنكون قد غرزنا، أو تعرقلنا، في أوحال التخلف· |