| قلمه ينزف دماً هامساً··· وحريق مفردات الاحتجاج الأدب والفكري يُلهب عظام ضلوعه·· وصراخ الهمس يطرز نسيج جُمله ومفرداته!!
عندما تنزل متأملاً في أعماق موج جمل ومفرداته·· يتحول سكون هذا الهمس إلى صراخ عذابات الإنسانية في أرض الجزائر!!
تفاصيل دقائق جغرافية الجزائر·· وحيثيات بصماتها التراثية·· وتقادم أحلام أجيالها يلملمه بحميمية إبداع أدبي متفرد في ذاكرة الإنسانية في الدنيا·· يستثير يقظتها ويتوخى نباهتها!! إنه الكاتب الجزائري الكبير محمد ديب صاحب الثلاثية الشهيرة "الدار الكبيرة" و" الحريق" و" النول" يقول في منفاه محذراً الآخرين: (إياكم والحريق القادم على جياد النار التي تحرق الجزائر كل يوم مع كل نقطة دم تراق·· إياكم والصمت)· في مقابلته مع "ماجدة الجندي" في ستراسبورغ يقول: "أنا جزائري والجزائر تتمزق·· القاتل اليوم جزائري والمقتول جزائري·· وكل جزائري مسؤول·· علينا أن نخجل مما يحدث في الجزائر - الجزائر اليوم تعيش كابوساً وقد تحولت كلها إلى مستشفى آلام مرضاه في نفوسهم وأرواحهم"·
إن الاختناق الدموي الذي يعصف بالجزائر اليوم·· يشكل تراكم امتداد اختناقات اجتماعية تراثية سابقة تحولت إلى كيفية من اختناقات اجتماعية معاصرة·· وإذا كان في الماضي القاتل والمقتول محتلا فرنسيا وجزائرياً·· فاليوم أصبح القاتل والمقتول جزائرياً· ويوجه الكاتب الجزائري الكبير محمد ديب المسؤولية إلى ضمير أولئك الذين راحوا يقتسمون الغنائم بعد أن رحل الاستعمار الفرنسي·· وترك الوطن نهباً لتطاحن أنانية الذات·· وخنق الحوار في المهد!! وعندما يختنق الحوار يترسب الظلام في قلب المجتمع·· وتنبت شُجيرات العنف السوداء شيئاً فشيئاً في الأرض·· إلى درجة يتعذر اقتلاع جذورها·
إن خنق الحوار يعني خنق العقل ودفع الوطن إلى أعتاب ظلام العنف والإرهاب· الجزائر هذه الذاكرة الثقافية والنضالية المضيئة في قلب الأمة العربية·· يخترق ضميرها حريق ظلام مؤدلج·· وتُقطع أوردتها الثقافية سنابك جياد النار الهائجة في طول البلاد وعرضها·· وضمير الثقافة المستنير يردد على لسان محمد ديب: إياكم والصمت إياكم والصمت!!
وتتوجه قوى الظلام والتطرف بالدرجة الأولى إلى ضرب رموز القوى المستنيرة في المجتمع والانقضاض على معاقلهم الثقافية وإباحة دمائهم والتحريض على قتلهم·· وقد ذهب ضحية هذه الأعمال الإرهابية العشرات من المفكرين والكتاب والأدباء والصحافيين الجزائريين رجالاً ونساء على حدٍ سواء·· فالمرأة الجزائرية·· تناهض ظلام الإرهاب والتخلف ببسالة واصرار وتوثب قلما نجد نظيره في مكان آخر!!
ويـــأتي اسم السينمائية الجزائرية "حورية سيحيه" في صدارة قوائم الإعدام لدى القوى الظلامية في الجزائر·· نظير فيلمها الوثائقي المعنون (أمل) وهو يتحدث عن فتاة جزائرية تحمل الاسم نفسه·· وأمل البالغة من العمر 17 عاماً كما تقول صحيفة (Welt AM Sonntag) الألمانية اختطفها المتطرفون وهي في طريقها إلى المدرسة واحتفظوا بها كاملة وكانت "أمل" تتعرض للاغتصاب "50" مرة كلما حل المساء·· وحين لاحظ الرجال متأخرين بطن أمل المنتفح في شهرها الثامن·· اخضعوها لتعذيب بشع ماتت على إثره!!
وتقول حورية سيحيه وهي تتسلم جائزة: "الشجاعة الصحافية" من اتحاد الصحافيين الأمريكيين في واشنطن إن القضية تتكرر كل يوم في بلادها وإنها تعرف الكثيرات ممن لاقين مصير أمل نفسه·
ويُذكر أن حورية سيحيه تعرضت للضرب والإهانة على أيدي المتطرفين·· وترى مريم "41" عاماً وكانت تعمل سابقاً في مجال المسرح: "إن الحوار مع المتطرفين ليس أكثر من "نكتة" أو مفارقة سوداء فنحن نتحدث ونتحدث والمتطرفون يفعلون ما يحلو لهم·· وتقول إن المتطرفين قضوا على الحياة الفنية تماماً في البلد بعد أن اختفى الرسامون والموسيقيون والمثقفون عموماً!!
وتستطلع السينمائية حورية مستقبل الوضع فترى أنه لا مفر من تعليم "بناتنا على النضال كي ينلن حق المساواة المطلوبة مع الرجال التي فشلنا نحن في تحقيقها··وعندما تنظر حورية إلي المصالحة مع قوى الإرهاب والظلام تقول: "الثمن الذي ستدفعه النساء الجزائريات باهظ جداً·· فمن غير الجائز أن تكون النهاية هي معاقبة الفئة التي كانت الضحية الأولى للحرب الأهلية في الجزائر·· لأن مغتصبيهن لن يتعرضوا للعقاب نظير آثامهم·· وقالت إنها لن تستغرب أن تواجه امرأة يوماً في الطريق الرجل الذي اغتصبها مراراً وهو يتجول طليقاً!!
الصمت يحمل في طياته سكوناً إيجابياً مهمشاً بجانب سالب متحرك يتكرس ويتوثق على أنقاض هذا السكون الإيجابي المهمش!!
الإيجابية الصامتة الساكنة والحائرة المستسلمة تشكل فريسة سهلة للسلبية المتحركة· وهي أحد روافدها الفعالة في المجتمع·
إن عناصر سكون إيجابية الصمت تتحول إلى جينات جرثومية فعالة في تغذية العناصر السلبية المتحركة· يتحول الصمت إلى سكوت·· عندها ينفرد السكوت بأحادية مخاطر عناصر سلبياته ويعم الظلام المجتمع!!
إن استمرارية الصمت تؤدي بالضرورة وفقاً "للديالكتيك" إلى استمرارية عبودية السكوت في المجتمع·· تجاه جرائم قوى الظلام والتطرف والإرهاب·
إن الذين يلزمون الصمت - تحت أي ذريعة - أمام ظاهرة الإرهاب والتطرف أينما ظهرت·· وأنى وفدت·· وكيفما نبتت·· يتشكلون سوسيولوجياً ضمن وعي ظلامي في وعي المجتمع·· وفي مهادنة انتشار مخاطرها وخزي ممارسات تخلفها في الحياة·· وفي ضدية متطرفة للمرأة وحقوق مساواتها مع الرجل·· وتغريب المنتوج الثقافي والفكري المعاصرين في متاهات ظلام تخلف القرون الوسطى·· وقد كان صمت نائبين كويتيين "فقط" في مجلس الأمة واستنكافهما "المذموم" عن التصويت·· أدى إلى إسقاط قانون يُعيد للمرأة الكويتية حقها السياسي·· والحيلولة أمام إعطائها حق الانتخاب والترشيح·· وقد كان بمثابة دوي "خزي" هائل أنعش مزاجية أصولية الإرهاب والتطرف وألهب توجهاتها الظلامية في ممارسة جهاديتها المشبوهة ضد حقوقها الدستورية والإنسانية في الحياة!!
إن ظاهرة الإرهاب في جوهر حركتها هي ظاهرة استرخاء وتلاقح وتوثب وتمدد وتفجر في عمق المجتمع·· أمام صمت أجهزة الأنظمة ورموزها ومثقفيها ومفكريها وإعلامييها في تفعيل كفة موازاة موازينها في المجتمع ضد القوى الليبرالية المستنيرة واليسارية·· مما أدى إلى ارتدادات خطيرة ضد الأنظمة ذاتها التي فعلت موازينها لأهداف سياسية·
إن قوى الإرهاب والظلام تبارك وتُدعم في جوهرها الأنظمة الدكتاتورية وتعادي الديمقراطية·· لأن نموها وانتشارها وتعاظم مخاطرها يجد ضالته في الأنظمة التوليتارية والتي لا تقيم وزناً للإنسان وحقوقه في الحريات العامة!!
إن قوى الظلام والتخلف تدرك أن مساواة المرأة مع الرجل وإعطاءها حقوقها الطبيعية كاملة غير منقوصة·· يعني تفعيل نصف المجتمع ضد الاسترقاق والتخلف والنهوض بالمرأة ودفعها إلى العمل في عمق المجتمع بحرية كاملة أسوة بالرجل!!
إن ظاهرة ملاحقة المرأة وتكريس عبوديتها ظاهرة تتمدد على سواعد وعقول قوى الإرهاب والتخلف من الجزائر مروراً بمصر والسودان والكويت "الكاتبتان الفاضلتان ليلى العثمان وعالية شعيب" وحتى لبنان بلد الإشعاع انتابه شيء من تمدد وتوثب قوى التطرف والإرهاب ناهيك عن أفغانستان طالبان!!
لترتفع وتتضامن وتتوحد جميع الأصوات الخيرة الحرة ضد تمدد الإرهاب من المحيط إلى الخليج وفي كل مكان!!
إياكم والصمت·· فالعدوى تستشري في هشيم الصمت!! |