| من مساوئ البشر أنهم لا يذكرون أحياءهم إلا بعد موتهم· ولا يحتفلون بمآثرهم إلا بعد أن يطويهم الردى الى أبد الآبدين، وخاصة هؤلاء المخلصين لأوطانهم ولشعوبهم ولقضايا أمتهم·
وبين عيدين وفي مدى 365 يوما غيب الموت خمسة من زعماء العرب الكبار ممن لعبوا دورا مهما في تشكيل تاريخ بلدانهم وفي تحديد مصير شعوبهم كل بطريقته الخاصة، زايد وعرفات وفهد ومكتوم وجابر، وعندما يموت زعيم ما يلتف حول نعشه معظم زعماء العالم أو ممثليهم، وكل زعيم تدور أثناء تشييع الجنازة الخشبية التي يحملها أمامه مجموعة من الرجال، تدور في فكره وأمام ناظريه مشاهد الجنازة التي قد تقام مراسمها له بعد موته· وربما تصور بأن هؤلاء الذين هم بصحبته اليوم قد يسيرون خلف نعشه غدا، وهو يعلم في قرارة نفسه بأنه ميت لا محالة! إلا أنه يجهل مكانها وتوقيتها، مع ذلك، وبعد انتهاء مراسم التشييع تغيب عن باله تلك الحقيقة المرة ويعود الى ممارسة سلطاته وكأنه سيبقى حاكما ورئيسا وزعيما وملكا للأبد، بينما نتوقع من تلك المراسم أن يستعيد ذلك الزعيم من خلالها رشده ويبدأ في إعداد نفسه للموت لكي يترك من بعده سيرة طيبة محفورة في قلوب شعبه ومن حوله وأن لا يلتفت الى مصالحه الخاصة وهي مصالح أو منافع مؤقتة زمنا ومكانا وهو الذي اؤتمن على مصالح رعيته· والكل يعلم أن الزعماء والقادة الذين تركوا بصماتهم في قلوب شعوبهم قلة، والزعماء الذين تمنت شعوبهم أجلهم قبل أوانهم أكثر من أن يحصوا عددا· فمن يستطيع نسيان المهاتما غاندي، ونهرو وتيتو وجمال عبدالناصر وخروتشوف وونستون تشرشل والجنرال ديغول ومحمد علي جناح وغيرهم·
في العام الفائت رحل عنا قائد هذا البلد الذي بنى دولة وأعد رجالا ورحل وهو لا يحمل معه إلا كفنه ولا يملك إلا مساحة قبره وحب شعبه· ولكن من منا يجرؤ أن ينكر الدور الذي لعبه في تأسيس هذه الدولة واستقرارها واستمرارها أو ينكر فضله عليه؟! واليوم يرحل عنا زعيم دولة أخرى لها فضل لا يقل عن فضل دولة الإمارات علينا، إنه أمير الكويت الشيخ جابر الأحمد الصباح·
لقد كانت إماراتنا قبل الوحدة تعيش في حالة اقتصادية مأساوية· وكان أهالي المنطقة لا يملكون إلا قوت يومهم· وكانت الكويت تقع على مسافة 900 كم منهم· وقد بدأت تثرى شيئا فشيئا بعد اكتشاف النفط فيها عام 1938، وخاصة عندما تقاسمت عام 1951 عائدات النفط مع الشركات صاحبة الامتياز فيها، وبمجرد أن بدأت الكويت تدك قواعد التطوير الداخلي لديها حتى التفتت الى جاراتها الخليجية ومنها الإمارات السبع التي تقع على ساحل الخليج العربي· وإذا بها تقرر أن تتقاسم معها قطعة الخبز، وإذا بها تقوم بإنشاء المدارس والمستشفيات مع كل الخدمات المتعلقة بها وتشق لها الطرقات، إن الأجيال (دون تفرقة بين أبناء الفقراء وأبناء الحكام الذين جلسوا جنبا الى جنب على مقاعد الدراسة) التي عاشت في الخمسينات والستينات من القرن الماضي والى بداية قيام الاتحاد عام 1971 استفادت من فرص التعليم التي وفرتها لهم دولة الكويت، ولم يتوقف الأمر على بناء المدارس بل تعداه الى توفير المعلمين والكتب الدراسية بل حتى الكراسة والقلم والمسطرة والممحاة وحتى الزي المدرسي والحذاء! بل حتى الى توفير وجبة الإفطار الصباحية لكل طالب وطالبة· بدءا من الصفوف الابتدائية الأولى الى الالتحاق بالجامعات العربية المختلفة (القاهرة، بغداد، بيروت، دمشق، الكويت) وفق رغبة الطالب نفسه، بل حتى سكنه كان موفرا له، بل حتى مكافأته الشهرية لشراء احتياجاته الصغيرة، وذلك الى أن يتخرج ويبدأ في تكوين وإعداد نفسه· ترى كم هو عدد الوزراء والسفراء والوكلاء والمديرين والمهندسين والأطباء ورجال الأعمال من الإماراتيين الذين درسوا وتعلموا وتخرجوا وعولجوا بفضل دولة الكويت؟
كل ذلك كان يتم دون أي مقابل ودون منة ودون ذكر ودون تردد ودون تأخير وكأن ما كان يقدم هو أقل من الواجب الذي يستحقه أبناء هذه المنطقة!!
علاوة على ذلك، لم تتوان دولة الكويت وخاصة في عهد الشيخ عبدالله السالم الصباح وأخيه صباح السالم الصباح ومن جاء بعدهم عن توفير خدمات العلاج المجاني لمواطني المنطقة· فأقامت المستشفيات ووفرت كل مستلزماتها بدءا من كادر الأطباء الى الدواء المجاني! وما زالت المستشفيات تحمل اسم هذه الدولة كمسشفى الكويت في الشارقة ومستشفى الكويت في دبي!
ومما يستحق الذكر في هذا الموضوع هو أن تلك المدارس والمستشفيات لم تكن تقل في مستواها عن تلك التي تؤسس في دولة الكويت نفسها!
إن سياسة حكام الكويت قامت منذ القدم على الحكمة والحدس واستباق الأحداث· لذا لا نستغرب أن تكون الكويت واحدة من أولى الدول العربية التي قام نظامها على أساس الشورى (أو كما يطلق عليها الغرب Democratia) وهي في بداية تأسيسها؟ ولا ندهش أمام المستوى الثقافي الذي وصلت إليه الكويت وهي دولة صغيرة مساحة وسكانا، فبرز منهم الشعراء والروائيون وكتاب المسرحية والصحافيون المتميزون· ترى كم منا يعلم أن دولة الكويت هي أول دولة تبث برامجها التلفزيونية في المنطقة؟ وأنها قدمت أفضل الممثلين على الإطلاق سواء في مجال التراجيديا أو الكوميديا بل حتى في برامج الأطفال؟! وأنها ارتقت في مجال المسرح قبل أن نسمع به؟! وكم منا يعلم بأن صقر الرشود ذلك المخرج المسرحي الذي يعتبر من رواد المسرح العربي والذي ترك الكويت في السبعينات وجاء الى دولة الإمارات للمساهمة في الارتقاء بالمسرح الإماراتي، قد توفي على أرضها؟
لقد كتب على باب قصر الحاكم في الكويت: (لو دامت لغيرك لما وصلت إليك)، ليروها عند دخولهم للقصر وعند خروجهم منه، وبتلك الحكمة حكم سكان ذلك القصر الكويت الى يومنا هذا، فزهدوا في الكرسي الذي يجلسون عليه لأنه زائل ووضعوا نصب أعينهم الاهتمام بالإنسان الذي يسكن في داخلهم· فجاؤوا كأروع ما يكون عليه الحاكم مع شعبه!
dralaboodi@gmail.com |