| عندما سئل أحمدي نجاد، وهو الرئيس الذي ما فتأ يضرب أمثالا في السلوك تارة، عندما يأمر بإزالة جميع أنواع السجاد الإيراني الفاخر الذي كان يزين مكتب الرئاسة غداة فوزه في انتخاباتها، وفي الهيئة تارة أخرى، إذ يبسط في هندامه حتى تخاله فردا من عامة الشعب، عندما سئل خلال الاجتماعات الأخيرة للجمعية العامة للأمم المتحدة بمناسبة مرور ستين عاما على تأسيسها عن سر تمسك إيران الكبير بإنشاء مفاعلات نووية لتوليد الطاقة، وهي دولة غنية جدا بالنفط، أي أنها دولة تملك مصدرا حيويا للطاقة، أجاب بعد ابتسامة متعجبة: "وكيف سنعيش إن نضب هذا النفط"·
أكثر الدراسات التي أجريت مؤخرا في ميدان الطاقة النفطية ترى أن نجم الذهب الأسود سيأفل عام 2050· المتشائمة منها ترى أن الأزمة النفطية الكبرى ستكون في عام 2010، وذلك عندما يصل الإنتاج العالمي سقف الـ115 مليون برميل يوميا نتيجة لزيادة الطلب العالمي عليه، وتحديدا الآسيوي منه والذي سيقفز إلى 16.5 مليون طن مقابل 12 اليوم· فالأمر سيستلزم استهلاكا أكبر إذن·
في الثاني عشر من سبتمبر الفائت أعلنت شركة "أودي" للسيارات عن نيتها الاعتماد على محركات تعمل بمواد مختلطة، وذلك بالمقارنة مع كل من فولز فاكن وبورش· بعد ذلك بأسبوعين، التحق بالركب شركات السيارات الألمانية الأخرى· في ذات اليوم، دشنت الشركة العملاقة أيضا، وهي شركة عاملة في ميدان الطاقة، الجيل الثالث من المفاعلات النووية في فنلندا· تم الإعلان، بأيام قليلة بعد ذلك، عن إنشاء مشروع مماثل بالتعاومن مع "شركة أمريكان كونستليس إينيرجي في الولايات المتحدة الأمريكية، وهي الدولة التي لم تبن مفاعلا نوويا منذ السبعينات، إذن، بدأ الآن عصر ما بعد النفط مشتعلا، بعد أن أدرك الجميع - سوانا طبعا! - أن الحكومات أصبحت غير قادرة على فعل شيء تجاه الارتفاع المضطرد لأسعار النفط· وكاترينا وريتا، آخر إعصارين ضربا الولايات المتحدة، أظهرا، لمن "ألقى السمع وهو شهيد" نتائج الاحتباس الحراري على الكوكب، والذي يساهم الاستهلاك المتعاظم للنفط فيه· وهي نتائج تكفلت بزعزعة قناعات أمريكية كانت منذ عهد ليس ببعيد غير قابلة للنقاش· قناعات لا أساس لها سوى جماعات الضغط النفطية الشرهة·
لكن، ماذا عن غاز قطر واليمن وإيران وروسيا، هذه الطاقة النظيفة والخفيفة؟ التقديرات تقول: اهنئوا بعشرين سنة إضافية· وبعد؟! سيذرّ الغاز في الفضاء الرحب، كما ذرّت عوادم السيارات النفط فيه من قبل·
المهم، أدرك الجميع الآن - الجميع المذكور أعلاه للتنويه - أن لا وقت للإضاعة، والحل الوحيد هو: الانتهاء فورا من الاعتماد التكنولوجي على النفط، بمصدر بديل أو بأكثر·
البرازيل، هذا البلد الفقير، انخرط في هذا السياق الدولي منذ ثلاثين سنة تقريبا عن طريق إنتاج الطاقة من قصب السكر، وهي طاقة يستخدمها الآن حوالي 20 مليون مستخدم وسيلة نقل· عند توقفك في محطة للوقود في البرازيل، فهناك ثلاثة طرق لملء خزانك: الوقود المشتق من النفط، أو الوقود المشتق من قصب السكر، أو وقود خليط من هذين الوقودين، وذلك حسب طبيعة محرك سيارتك·
ثلث أجهزة التدفئة في العاصمة الألمانية برلين يعمل بواسطة الطاقة الشمسية· قرى كاملة في السويد تعتمد في توليد الطاقة على الخشب والماء المستخدم· الأمثلة لا حصر لها· لكن تبقى الطاقة النووية البديل القابل فعلا لخلافة النفط، وهذا ما فهمه الجميع، سوانا طبعا· فهذه الطاقة النظيفة، والتي لا تحتاج إلا لنسب ضئيلة جدا من المواد الأولية، والرخيصة جدا مقارنة بغيرها، والتي توفر لمقتنيها اعتمادا ذاتيا كبيرا، يجري الآن حولها سباق محموم، يرفع بذلك من الطلب العالمي على اليورانيوم، فالاحتياط العالمي منه أقل من %33 من الطلب عليه، فيزيد بذلك ثمنه ليصل إلى 30 دولارا على 453.6 غرام· وتنطلق تبعا لذلك الشركات العالمية بحثا عن مناجم أخرى غير تلك المعروفة وأهمها الموجود في استراليا وكازاخستان وكندا وأمريكا والنيجر وناميبيا·
إذن، إذا كانت الولايات المتحدة بدأت تبني مفاعلات جديدة بعد الضوء الأخضر الأخير لفريق بوش، وكانت إيطاليا وبلجيكا تدرسان تغيير تشريعاتهما المعارضة للطاقة النووية، وكانت بريطانيا تدرس تحديث مفاعلها، وكانت فرنسا تعمل على إنشاء مفاعلا جديدا في النورماندي، وإذا كانت الصين، حيث الانقطاع الكهربائي المتكرر، والذي يهدد بتحويل حلم المارد الاقتصادي الواعد إلى كابوس مفزع، ويدفعها لإقرار خطة لبناء 32 مفاعلا نوويا من الآن وحتى سنة 2020، وكانت إيران لا تلين أمام هذا الضغط المتغطرس للتخلي عن هذه الطاقة، وإذا كان العالم قد بدأ يتحدث كل يوم عن البدء في سباق آخر: سباق ما بعد "اليورانيوم 235"، والذي تشترك فيه الآن 11 دولة منها الولايات المتحدة وفرنسا والصين وروسيا واليابان، ولهدف واحد: توفير طاقة جديدة أقل تلويثا عام 2050، وتحديث المفاعلات، أقول: فإذا كان كل هذا هو الواقع فالسؤال الذي يطرح نفسه هو: أين نحن؟! هل ما زالت غمرة الفرح من الارتفاع الكبير لأسعار النفط في الأسواق العالمية، وخوضنا في مسائل زيادة الرواتب وخفض الفواتير وإسقاط الديون من على كاهل شعوبنا الخليجية، والتي تحملها في أوقات حاجة ملحة، في غالبها لاقتناء المرسيدس والبي إم وسيارات الدفع الرباعي، وتحويل الفوائض إلى رصيد الأجيال القادمة، أقول: هل كل هذا يشغلنا عما يدور حولنا وعن حقيقة أن هذه الأجيال إن وجدت مالا، فلن تجد ماء وكهرباء؟! أم أن لهذه المشكلة هذه الوصفة السحرية الجاهزة: نعود إلى الصحراء قبائل، خصوصا، ولله الحمد، ما زال كل واحد منا، وحتى هذه اللحظة من القرن الواحد والعشرين، يعرف جيدا قبيلته وما يمليه هذا الأمر من استحقاقات مقررة منذ فجر التاريخ، تقاتل بعضها بعضا من أجل عين ماء، ويهديها سبيل السماء في ليلها البهم؟!
نعم، نحن أولى من إيران بالمفاعل النووي، وعلينا، جميعا في الخليج، أن نعمل دون هوادة لاقتنائه· فالأمر يتعلق بوجودنا ذاته· نحن أولى حيث لا ماء عندما ولا سدود، وإيران تملكها وإن لم نرد دخول هذا السياق وفي هذه اللحظة وهي لحظة يصدق عليها بحق وصف اللحظة الأخيرة قبل رحيل القافلة، لأنه قد ثبت لنا أن لا طاقة لنا به - أي طاقة أخرى نريد وتحت أقدامنا هذا النفط والذي نملك أن نساوم به من نشاء؟! - فعلينا، عملا بقول الرسول صلى الله عليه وسلم عندما يعدم المرء قبول خير، أن نصمت· نعم نصمت فلا يخرج علينا كاتب من لدنا في إحدى صحف "النخبة" اللندنية ليقول: علينا أن ندعم ضرب المفاعلات النووية الإيرانية (ولاحظوا معي "ندعم" لا "نضرب" مباشرة وما يمثله ويثبته ذلك من حالة "اللا فعل" التي نعيشها في كل شيء، فهناك دائما من يقوم نيابة عنا بما نرى، وكثيرا خطأ، من مصلحتنا· ولا يطل علينا "محلل استراتيجي" ينصح إيران بالتخلي عن مفاعلاتها النووية، لماتشكله، وأكثرها مفاعل بوشهر القريب، من خطر على أمننا في الخليج، وكأن "إسرائيل" لا تملك 100 رأس نووي، وتفصلها عن أقرب دولة 25 كيلو متر فقط؟! نعم علينا أن نصمت ونراقب ما الذي سيقوم به بطل نوبل للسلام محمد البرادعي في سبيل حماية وصون ما يسمى "بالقانون الدولي"! |