| 3 سنوات ونصف غاب عني·· ليعود الآن شخصا آخر غير الذي عرفته وربيته وعلمته حتى قررت يوما أن أوافق على أن يكمل دراسته الجامعية في الولايات المتحدة، بكل لهفة وشوق احتضنته لحظة وصوله المطار وأغرقته بقبلاتي، لم ألحظ برود مشاعره وابتسامته الذابلة، لربما من شدة فرحتي وغبطتي·· أقمت له حفلا دعوت إليه جميع الأهل والأقارب والأصدقاء، لكنه غاب حينها، وكانت إجابتي واحدة لكل من يسأل عنه: "ولهان على الديرة، وخرج مع أصدقائه القدامى"·· قلتها وأنا أتنقل بين المدعوين غير مدركة لتصرفي وشرود ذهني بل غرقت في غمرة الفرح بعودة ابني الوحيد وحصوله على شهادة أفتخر بها··· الى هنا لم يكن هنالك ما يعكر صفو الأجواء ولا حتى أية مشكلة تذكر، لكنني بدأت أستيقظ شيئا فشيئا من حلم جميل، أبحث عنه مشتاقة أود أن أتحدث معه في أمور كثيرة·· فلا أجده في غرفته·· أو في البيت الزجاجي الملاصق للمنزل كما نسميه حيث زاويته المفضلة·· أسأل الخادمة فتؤكد لي أنه لم يعد ليلة البارحة، وعند انتصاف اليوم استقبلته بكل حب وشوق، لكن ملامحه تبدو لي غريبة ممزوجة مختلطة باهتة صفراء!! أسأله: ما بك؟ فيرد علي: أنا تعبان أود أن أرتاح"·· أو أحيانا كان رده ممزوجا بضحكات مبهمة: "اتركيني أسبح وأغرق!!"·· يدخل غرفته ويتركني أصارع الحيرة والشجون ودموعي تصرخ طالبة الإفراج!··· ويستمر الحال هكذا·· وأسئلة تتصادم وتتلاحق في رأسي لا أجد لها أجوبة شافية·· ما بال فلذة كبدي؟! أهو مريض؟! تساورني الشكوك·· فأذهب الى غرفته في محاولة مني لأبحث عن "لا شيء"، أجلس على مكتبه حائرة ويداي تغطي وجهي·· أفتح أحد أدراجه·· لتظهر لي الحقيقة!!
ابني وللأسف ضحية لسم قاتل يسمى "المخدرات"!!··· كانت صدمة لم أفق منها إلا وأنا على الفراش في غرفتي بالمستشفى·· أصبت بانهيار عصبي حاد ما زلت أعاني من آثاره، التفت الى يساري لأراه واقفا عند النافذة، لم ينتبه إلا حين ناديته، قبل يدي ودموعه على وجنتيه·· "الحمد لله على السلامة"·
- ليش مسوي في نفسك جذي؟
- لا نتكلم في الموضوع الحين·· أهم شي راحتج!
أكان هذا سبب غيابك المريب وشرودك وضياعك مني؟!! من أين لك هذا؟! أجبرته على أن يخضع لبرنامج علاجي قبل فوات الأوان، رفض في البداية لكنني صممت على أن أعالج الموقف برمته، لن أجعل ابني يضيع مني ويبقى ضحية لهذه السموم·
هذه الكلمات أعلاه هي أحداث لقصة واقعية قامت بسردها لي سيدة في العقد الخامس من عمرها وهي تروي تفاصيل تجربة ناجحة نسبيا للكيفية التي استطاعت بها التعامل مع ابنها عندما كان يتعاطى المخدرات·· عادة اكتسبها عندما كان يدرس في الخارج، ومن دون شك، هنالك الكثيرون ممن هم على شاكلة ابن هذه السيدة لكنهم لا يجدون من يساعدهم في انتشاله من بحر الضياع هذا·
- ترى الحشيش أخف نوع، والله ما يأثر ويخليك حدك cool!
هذا جزء من حديث سمعته لكنني لست بصدد الإسهاب في شرح متى وكيف وأين حصل لكنني أكتفي بالقول إن صاحب الجملة هو مراهق في التاسعة عشرة من عمره!!
ما أود الحديث عنه هنا هو حجم الظاهرة التي يستصغرها الكثيرون بل ويعتبرونها أمرا هامشيا صارفي النظر عن حجم الإحصاءات والأرقام الواردة فيها حول ارتفاع نسبة متعاطي المخدرات بكل أنواعها بين الشباب الكويتي وخاصة الفئة العمرية من 18 الى 28 سنة·
في الحقيقة، تخيفني مشكلة المخدرات بقدر ما تخيفني الأعمال الإرهابية لمن أصابهم نوع جديد من الجنون الانتحاري، فعندما يخطر في ذهني أن أخي أو قريبا لي قد يصبح يوما ما مدمنا للمخدرات تراني أرتعد رعبا! ثم إنه ليس هنالك ضمانات في ألا يصبحوا كذلك، إن الموضوع أشبه بنفاذ الماء الى سفينة غارقة، ففي مجتمع مثل مجتمعنا وعالم تنقصه القيم الثابتة على الصعيد الاجتماعي، تبدو بعض الحبوب الزرقاء أو الحمراء والإبر أو حتى البودرة البيضاء واللفافات، مع متعتها العنيفة السلبية كالقدر المحتوم، وأجد في الوقت نفسه أجهزة الدولة شبه مشلولة في التصدي لهذه الظاهرة وتقتصر جهودهم الجبارة في فرد صور مداهمات و"كبسات" و"ضبطيات" لجهابذة الداخلية يقفون وهم فرحون أمام بضعة كيلوات من الهيرويين أو ما شابه!
أين الإنجاز في مثل هكذا موقف؟! ألا يجدر بنا تكثيف جهودنا في مجالات أكبر وزيادة الوعي لدى أبنائنا حتى لو تطلب الأمر إدخال مناهج خاصة في المراحل الدراسية تعنى بتأثير المخدرات وسلبياتها؟
ثم ما دور اللجنة الوطنية لمكافحة المخدرات؟! أين هي؟! وماذا أنجزت؟!، هل استطاعت منذ إعلانها خفض نسبة متعاطي المخدرات في البلاد؟! ألا يعي العاملون في اللجنة حجم وخطورة المشكلة، أم أنها أضحت لجنة كتلك اللجان التي يتم تشكيلها ومن ثم تبتر يدها وتصبح مع وقف التنفيذ؟!
fatimadashti@hotmail.com |