| يؤسفني كل الأسف أن أقول بأن الضجة المفتعلة حول "الانفجار السكاني" ومحاولات بعض الجهات تحميل كل مسؤول وكل تخلف أو إخفاق في إدارة شؤون المجتمع على الزيادة الكبيرة في عدد السكان التي تبتلع كل خير تقدمه الحكومة أو رجال الأعمال·
ونبدأ بالأرقام المتداولة عن معدلات الزيادة في أعداد المصريين وهي بعيدة كل البعد عن الواقع حيث تتراوح بين %2 و %2,5 وأحيانا يسرف بعض الكتاب إلى حد القول بأنها %3 والواقع أن الحد الأعلى لهذا المعدل كان %2,54 في 1966 "بيانات جهاز الإحصاء" وأن معدل المواليد بدأ في التناقص بمعدل واحد في الألف سنويا منذ ذلك التاريخ مع بعض الذبذبات، والأصل التاريخي لما سمي "الانفجار السكاني غير المسبوق" هو انخفاض معدل الوفيات بسرعة بسبب قلة الحروب والأوبئة "أكبر القتلة" وتحسن نسبي في الرعاية الصحية في حين ظل معدل المواليد لسنوات عدة فوق 40 في الألف ولم يكن لهذا الوضع أن يستمر إذا حدثت تنمية يعتد بها وكان من الوارد أن يزداد كلما عاد معدل الوفيات إلى الارتفاع "إفريقيا جنوبي الصحراء مثلا"، ولذا أطلق الديموغرافيون على هذه الفترة اسم "مرحلة الانتقال الديموغرافي" التي يمكن أن تنتهي بتوازن على مستوى متدن لكل من المعدلين وهذا ما حدث عندنا بالضبط، فكل الإحصاءات الدولية، وآخرها ما صدر هذا العام 2003 عن البنك الدولي في كتاب ضخم عن مؤشرات التنمية العالمية وفيه يذكر البنك أن حجم زيادة السكان في مصر كان %1,5 فقط في عام 2001، ولا أعتقد أن مجتمعنا شهد في عامين طفرة إلى ما يقارب ضعف هذه النسبة، والأمر ليس مقصوراً على مصر بل إن كل بلدان العالم الثالث التي شهدت تنمية جادة ينزل معدل زيادة السكان فيها إلى أقل من %2 ففي الهند مثلا %1,2 والحال مشابهة لذلك في تونس ولبنان، وعلى أية حال إذا كانت الحكومة ترى أن البنك ابتدع نسبة تتنافى مع الواقع فما عليها إلا أن تحتج رسميا وتطالبه بالتصحيح، فبعيد عني توهم أن البنك الدولي معصوم من الخطأ بل وأحيانا التحيز·
والأمر المثير للسخرية هو تناسي المحذرين من الانفجار السكاني بأن تحديد النسل الآن لن تظهر آثاره على التنمية إلا بعد 15 سنة، ومن ثم فهو ليس العلاج الناجع لارتفاع الأسعار وتدني مستوى المعيشة وزيادة الدين العام، وهم بذلك يطمسون المشكلة الحقيقية وهي تطور قوة العمل، وتحسب هذه القوة كجزء أساسي من المجموعة العمرية ما بين 14 و 15 سنة، ووفقا للمصدر نفسه يبلغ عدد هذه المجموعة عندنا 39,8 مليون، أما عدد قوة العمل التي تشمل العاملين والساعين للعمل باعتباره مصدر الرزق الأساسي إن لم يكن الوحيد لا يتجاوز 25,2 مليون، وسيستمر هذا العدد في الزيادة بدخول مواليد الفترة من 1985 إلى 2000، ويقدر البنك معدل هذه الزيادة السنوية بنسبة %2,7، ومن ثم فالقضية المهمة التي تواجهنا الآن هي توفير عمل للأعداد الإضافية في قوة العمل، وليست مطلق زيادة السكان· |