|
زرت سانتياجو عاصمة شيلي لحضور الاجتماع التأسيسي لمنتدى العالم الثالث في أوائل مايو 1974، ولدى وصولي وجدت في استقبالي عددا كبيرا من الأشخاص، فالزيارة شخصية لا صلة لها بوضعي كوزير في ذلك الوقت، وسألت سفير مصر ما كل هؤلاء الناس؟ فأجابني شيليون من أصل عربي، وقبل أن أغادر المطار تقدم لي واحد من المستقبلين ليدعوني للقاء في النادي الفلسطيني، وزاد عجبي حين سمعت أهل البلاد يسمون المنحدرين من أصلي عربي Teros أي الأتراك، وبطبيعة الحال تطلعت لهذا الجديد في بلد هو أقصى جنوبي الأرض المسكونة، واتضح أن الهجرة من فلسطين ولبنان وسورية نشطت في أوائل القرن العشرين حين كانت تلك الأقطار جزءاً من الدولة العثمانية، وبالتالي كانوا يحملون جوازات سفر تركية·· والهجرة العربية الى العالم الجديد ظاهرة قديمة واكبت الهجرة من أوروبا، وقد اندمجت في المجتمعات المحلية وتغير كثير من الأسماء جزئيا لتيسير نطقها من اللغة الأسبانية، واحتفظت أسر أخرى لم يجد فيها أهل المهجر صعوبة باسمها، وقد قرأت مرة عن نائب رئيس جمهورية اسمه عبدالله "تنطق أبدا لا" ونجح المهاجرون في ميدان التجارة والصناعة فكونوا ثروات واسعة ووقفوا في السياسة الى جانب أحزاب اليمين شأنهم في ذلك شأن غيرهم من أهل البلاد، ويعرف أهل الآداب عندنا أسماء شعراء لم يحافظوا فقط على اللغة العربية الدارجة بل نظموا الشعر بألفاظ عربية أصيلة، والمهم في هذا كله أن الهجرة العربية كانت بإرادة المهاجر الساعي لتحسين مستوى معيشته، ولم يطرده أحد من وطنه·
وهذا بعكس أولئك الذين هربوا من أوطانهم لما عرفوه من حكام مستبدين: كثرة التعذيب والقتل ناهيك عن الحرمان من فرص عمل أما في فلسطين، فقد طرد مئات الآلاف من وطنهم بالقوة والسلاح يشهر فوق رؤوسهم، ففي نظر الصهاينة أن تلك الأرض كانت ملكهم بإرادة الله الذي كانوا شعبه المختار، أما العرب فهم قوم متخلفون جاؤوا من صحراء جزيرة العرب ليستولوا بالقوة على الأقطار الغنية المجاورة لهم، وكما طرد أسلافهم - على حسب قولهم - شعب كنعان وضموا أرضها الى ملكهم الموعود، ثم جاء السفاح صدام حسين وحزبه وأقاربه فحمل أربعة ملايين عراقي على الهرب بجلدهم، ولما كان الحكم يطاردهم وينكل بأهلهم ويبعث عملاءه لقتلهم حيث يوجدون اضطر المهاجر من العراق الى قطع الصلة بينه وبين أسرته حتى لا تسحق آلة التعذيب والقتل بعض أقاربه، وفي ظروف مقاومة الهجرة المتبعة في أوروبا لجأ كثيرون الى عصابات يمكن أن تدخلهم خلسة هذا البلد أو ذاك، ويشهد البحر الأبيض المتوسط كل أسبوع تقريبا ضرب السفن التي تحملهم فمنهم من يموت غرقا أو برصاص طائش، وفي كل فوج المهاجرين من المشرق يكون العراقيون العدد الأكبر، وقد حاول بعض الهاربين من العراق السير في طريق الشرق والعصابات التي تنقل الى أستراليا ابتداء من أندونيسيا أو الفلبين ولاقى العشرات من هؤلاء العراقيين الموت قبل أن يصلوا الى ميناء أسترالي، لقد سمعت من الإذاعة البريطانية رسالة لرجل بريد أن يعرف مصير أسرته ومن بقي منهم على قيد الحياة وهو يقيم في مدينة أوكلاند، وأعتقد أن %95 من العرب لم يسمعوا عن هذه المدينة أو حتى عن القطر الذي يضمها: نيوزيلندا، أليس هذا هو الشتات بعينه· |