| * صدام حسين استخدم الأطفال كدروع بشرية وأخفى أسلحته في المنازل المكتظة بالسكان
اختيار صدام مصطلح أم الحواسم على الحرب القائمة، جاء اختيارا موفقا، فالمعركة هذه المرة هي حاسمة! ولكن لم يذكر صدام سوى نصف الحقيقة· وتمام الحقيقة أن لا يفهم المصطلح بصيغة الجمع· لأن الحرب لا تشمل سوى صدام وأركان نظامه!
لا ريب في أن صدام يبرهن على وجود مقاومة غير متوقعة وصفت بأنها شرسة وذو سمة شعبية رغم عدم أخلاقية صدام ونظامه· ولكن لماذا ؟
السبب بسيط جدا يجيب عنه خبراء تحليل العلوم الانسانية وخصوصا علم الانسان (الانثربولوجيا) والشعوب او الجماهير (الاثنولوجيا) بأن الأساليب التي يستخدمها صدام فعالة جدا في السيطرة، سأذكرها بالتفصيل واحدة بعد الأخرى:
اعترفت القيادة العسكرية الامريكية والبريطانية بأن جنودهم وجدوا أنفسهم يقاتلون عدواً يختلف معهم من حيث التدريب· وهذا أمر بديهي لمن يعرف ذهنية صدام وطبيعة نظامه· فقوات صدام التي تتصدى للقوات الأمريكية والبريطانية ليست من قوات الجيش النظامي العادي· بل من ميليشيات صدام المتنوعة · وأن الحافز الذي يدفع هولاء إلى الصمود في ميدان القتال هو مسألة الحياة أو الموت، فهم يجاهدون من أجل الدفاع عن حياتهم ، لأن نهاية صدام ونظامه هي نهايتهم · بمعنى أن الجيش الأمريكي البريطاني يقابل فدائيين وقيادة التحالف لم تدرب جنودها على هذا النوع من فنون الحرب لانه لا ينسجم مع عقيدتهم العسكرية· ولأهمية هذا الموضوع الحيوية سأتكلم بقدر من التفصيل، عن صدام وميليشياته:
ارتقى صدام من أدنى سلم المجتمع الى قيادة العراق بفضل اتقانه استخدام السلاح وجسارته في استخدامه· جعلته هذه الفضيلة التي اوصلته إلى المجد لم يفكر في شيء اكثر من تفكيره في فنون السلاح وأساليب استخدامه بكل الطرق وبأكثرها نذالة· ساعده في ذلك حزب البعث الذي انتمى اليه في حداثته· وبفضل هذا الحزب تعلم الأساليب الواجب اتباعها لربط أكثر الطرق بعدا عن الأخلاق· أي تدرب من خلال العمل السري في دهاليز البعث، كيف يعتمد الوسيلة السياسية، وبشكل علمي، ويطلق العنان لخفايا النفس الإنسانية التي تعلن -خلاف ما تعمل- ارتباطها المزعوم بالأخلاق· والدليل على ذلك ما يجري حاليا في الحرب القائمة:
فلكي يضع صدام قادة النظام الديمقراطي في مأزق وموقف محرج أمام المجتمع الدولي، فهو يحتمي بالأطفال والمدنيين العزل كدروع بشرية، ويخفي أسلحته بين المنازل المكتظة بالسكان ليبرهن عمليا للرأي العام وخصوصا الخارجي، على مدى انحطاط الديمقراطية والحضارة الغربية، وسقوطها أخلاقيا رغم تطورها العلمي من خلال عرض صور ضحايا القصف وازدياد عدد الضحايا من المدنين وخصوصا من الأطفال وهو أمر مثير للمشاعر الإنسانية بل هو لا يمانع من ترتيب وتخطيط عمليات قتل المدنيين للضغط على واشنطن ولندن؟
يهدف صدام من وراء هذا العمل أن يعرض منصب الرئيس الامريكي بوش ورئيس الوزراء البريطاني بلير الى السقوط لانه يعلم جيدا بان السلوك السياسي في الغرب يفرض على النخب السياسية أن تستخدم أدوات الدولة لا لمنافع شخصية بل للمحافظة على الوطن والمواطن· فواجب الدولة الاساسي في تلك الدول هو الدفاع عن أمن المواطن وحماية ممتلكاته، والمحافظة على حرية الإنسان وكرامته ··· وهذا ما تفتقده دول المشرق الاسلامي !!
مرتكزات السلطة البعثية:
هي لا تستند الى طبقة اجتماعية محددة· بل تتكون من فئات لها جذور وفروع تمثل المجتمع العراقي المتنوع · فمثلا يوجد في القيادة البعثية المسيحي والكردي والتركماني والشيعي والسني، الخ، لتبدو السلطة البعثية سلطة شعبية· وأن صدام يركز على هذه الخاصية في كل خطاباته· فهو لم يعط طابعاً فئوياً - كما تفعل المعارضة حالياً- على الصعيد الرسمي· وبذلك لا تبدو السلطة سلطة أقلية قبلية وأسرية في أعلى الهرم السياسي· فهي سلطة "أقلية شعبية" تكون هذه الأقلية حلقة وصل بين الفئة العليا التي تقبع في أعلى الهرم الذي يجلس عليه صدام وعائلته، وبين قاعدة المجتمع العريض التي تنتمي اليه وتلغيه بنفس الوقت وكما يلي: تختار هذه الاقلية عناصر لأجهزتها من فئات المجتمع المتنوع حسب متطلبات السلطة العليا، لكي تحولها الى رؤوس وعيون للسلطة داخل المجتمع· لذلك تختلط في هذه المجموعة التي تخدم سلطة صدام، عوامل طائفية وأيديولوجية وسياسية واجتماعية واقتصادية وثقافية ·· لينبثق في النهاية الوضع الذي نعرفه الان·
وبذلك تكون هذه الطبقة الغريبة الهجينة التي لا يوجد لها شكل محدد ولا سمة محددة ولا تنتمي الى آحد، هي مصدر سلطة صدام· وان هذا الأسلوب الهجين لطبقة السلطة الحاكمة، هو الذي يضفي على نظام صدام اي طابع يدعيه· ويستطيع ان يتبنى أي أيديولوجية تخالف جوهره وتجافي طبيعته الحقيقية·
باختصار إن صدام يدخل ممثلين عن الشعب في طبقة السلطة ولكنها ليست لتكون ممثلة للشعب ولاتدافع عن مصالح الشعب وحقوقه، بل بالعكس لتكون عيون للسلطة على الشعب· أو حسب مصطلحات البعث هي "الخندق الأمامي" الذي يدافع عن النظام·
هذه العلاقة التي تفتقر الى أى بعد سياسي يربط السلطة بالمجتمع المنفي سياسيا هي أدنى درجة من درجات العبودية· وهي التي أدت الى تشتت وموت المجتمع المدني·· لذلك فمن الطبيعي ان يقوم المجتمع الى تأليه سلطة صدام وخلوده الأبدي· بعد أن أصبح الأخير لا يجسد السلطة والدولة بل هما اللذان يجسدانه لانهما يصدران عنه ··· ويمثلان إرادته الخالدة·
فهو سلطة أمنية لديها جهاز حزبي· وقد حسم صدام من خلال تلك السلطة صراعاته الداخلية، ونظم نفسه تنظيما صريحا كنظام للقمع وللعنف، يستند الى أجهزة واسعة الانتشار، كبيرة الوسائل قوية البنيان·
إن الجهاز الذي أشرف ابتداء على هذه التحولات في السلطة هو الحزب· فمن خلال الحزب سيطر صدام على السلطة كاملة وحصرها في يده · ثم انقض على سلطة الجيش بعد أن ربطها بقيادة الحزب القطرية المكونة من المدنين، ليحول الجيش الى جيش عقائدي· على غرار ما حاصل في بلدان المعسكر الاشتراكي السابق· فتحول مركز الثقل من العسكريين الى المدنيين· وأصبحت السلطة تمثل سلطة حزب مدني فيه جهاز عسكري خاضع له· بعدها حصل إضعاف منهجي تدريجي لموقع ودور الحزب والجيش معا، وتحولا الى أداتين، بيد جهاز أمني مستقل يقع خارجهما· ثم أصبحت هذه المؤسسات الثلاثة أدوات بيد صدام يمارس من خلالها الحكم الشمولي· والسيطرة المطلقة على الدولة والمجتمع معا·
الأساليب المذكورة أعلاه وشبكة الميليشيات الواسعة هي التي تمنح صدام القوة وتساعده في حماية نفسه من شعب ناقم وساخط عليه وبنفس الوقت يظهر أمام (الشعب) بانه يمثل مصالح الشعب وإرادته !؟ في حين أن الذي يقاوم حاليا القوات الامريكية ويدافع عن نظام صدام هي طبقته الهجينة ·· المرتبط وجودها بوجود النظام·
سياسة صدام الخارجية:
إن أهمية الخارج بالنسبة لصدام هي لانتاج السلطة لنظامه، لذلك تهدف سياسته الخارجية الى وضع كيانه السياسي في مركز التوازنات والتجاذبات العالمية· فكانت سياسته قبل الغزو وطرده من الكويت تقوم على أقلمة أهدافه في إطار سياسات واستراتيجيات القوى العالمية، وأن يكون قوة تستجيب للمصالح الخارجية في العالم العربي·
وكان دخوله في حرب الثماني سنوات مع إيران ونجاحه في تحجيم المد الثوري الإسلامي، يقع في هذا الإطار· وكان لذلك دورمهم في رفع مكانته وتحويل نظامه الى حاجة إقليمية ودولية· أي أصبح حاجة مركزية لحفظ التوازن الاستراتيجي في الشرق الاوسط·
لقد شجعته تلك التجربة - ومن أجل المحافظة على موقعه - على الرغبة بالتلاعب بالحالة الدولية، والعمل على زيادة اهتمامه للتحالفات والتناقضات الاقليمية والدولية وكما يلي:
إذا كانت السياسة الدولية تميل الى تهدئة المواقف، يسارع صدام بأتخاذ سياسة تأزمية· وإذا كان خيار الحرب هو المطروح - كما هي الحال حاليا لمواجهة الارهاب- ينحازصدام لسياسة التهدئة والعقلانية والسلم والسلام· وفي كلتا الحالتين يكون صدام هو المستفيد الوحيد، ويقبض فوائد مواقفه ·· سواء عندما يلعب ورقة الغزو والابتزاز والتهديد أو ورقة العقلانية والتطمين والسلام·
كفلت هذه السياسات صدام طيلة فترة وجوده في السلطة، البقاء في مركز الاهتمام العالمي· وأثارت الانطباع بأنه يمتلك مفاتيح جميع المواقف· وتقوم بهذه المهمه ماكينته الإعلامية والأيديولوجية، والتي تعتبر من العوامل المهمة في تأمين موارد السلطة الخارجية للنظام·
سياسة صدام مع واشنطن:
قبل الغزو كان صدام يبني سياسته الخارجية على عدم استفزاز واشنطن او التعرض لمصالحها العليا وخصوصا -النفط وممراته - ورغم معاهدة الصداقة بينه وبين الاتحاد السوفييتي السابق، ولكنه لم ينحز إلى الأخيرة بما يحدث تحولا جديا في علاقات القوى الدولية داخل العالم العربي· وقد برهن على ذلك من خلال انتقاده للغزو السوفييتي لأفغانستان·
ولكن بنفس الوقت يحاول صدام أن يمسك بمفاتيح ضاغطة على واشنطن تؤثر على صراعاتها العامة مع خصومها، وتهددها بين الحين والآخر من خلال افتعال بعض الأزمات مع جهات معينة داخلية أو إقليمية او حتى دولية، لتسبب لها بعض المتاعب سواء كانت هذه المفاتيح عربية أم داخلية أم دولية· ليحصل من خلالها على عائدات سلطوية، وامتلاك جميع الأدوار الضرورية لتادية جميع الأدوار المترتبة عليها في الداخل وعربيا ودوليا·
وبذلك تتصف سياسة صدام الخارجية، بمرونة فائقة وانتهازية كبيرة· تقوم على حد أعلى من المناورات وحد أدنى من المبدئيات، وتقوم أجهزته المتخصصة في السياسة الخارجية ··كالخارجية والإعلام، والتي تشكل حلقة خاصة في البلاد تصل الخارج بالداخل بصياغة طاقات بلادها الداخلية كي تستجيب استجابة كبيرة لمصالح الخارج · لذلك تولي هذه الدوائر السياسة الخارجية الأولوية في نشاطها وتبدل القسم الأكبر من وقتها في مراقبة تطورات السياسات الدولية في استنباط الاستجابات المناسبة لها·(لمزيد من المعلومات حول هذا الموضوع يراجع كتاب، العراق والسياسة الدولية)
يقودنا ما جاء أعلاه الى استنتاج مهم وهو: أن خروج صدام من ساحة التوازنات والتناقضات العربية والدولية يعني موت نمط الإنتاج السياسي· وقد كان مجال تطبيق واختبارهذه السياسة بشكل خاص في الساحة الداخلية الخاضعة لسلطته خضوعا مطلقا، مقارنة بالساحة العربية والدولية· لأن صدام يؤمن بأن الحقل الداخلي العنصر الأساسي للضغط على الحقل الخارجي· والدليل على ذلك استطاع صدام تمويل قسم كبير من سياساته وتحالفاته الداخلية وتصديرها الى دول الخليج ·· تحت صيغ حماية البوابة الشرقية ومواجهة الفرس المجوس··الخ·
من البديهي أن هذه الشعارات التي كلفت العراق موارده البشرية والطبيعية، من أجل الحصول على عوائد سلطوية، والتطلع نحو التوازن الاستراتيجي مع إيران أو مع إسرائيل، أن يحتاج صدام الى مبالغ طائلة جدا ينفقها في التسليح تحت حجة حماية العرب، تارة من الفرس المجوس وتارة أخرى من الكيان الإسرائيلي· وهذا أيضا يتطلب بدوره نمطا من العلاقات مع القوى العربية وخصوصا في منطقة الخليج وفي لبنان والأردن وفلسطين ليخضعها لنمط العلاقات التي يرغب أن يقودها حتى تضفي هذه القوى، الشرعية على أعماله وتدخله في الشؤون الداخلية للدول الأخرى ·
إن هدف هذه السياسة هي جعل سلطة صدام مركز استقطاب سياسي عربي ودولي مستمر· وكما نجده الآن فقد تحول الى نقطة تتبلور حولها المواقف العربية والدولية وتشابكاتهما المعقدة ·
إن هذه السياسة منحت لصدام قوة نفوذ عربية ودولية، ولكن في كل الأحوال هي لا تؤثرعلى التفوق العسكري الأمريكي الذي يمثل الطرف الدولي الغالب، لأنه القوة العسكرية الوحيدة العظمى في العالم· لذلك فهو يحاول أن يلعب من خلال تكتيكاته الثورية لعبة سياسة التوازن الاستراتيجي للقوة الأمريكية وأن يضع مكانة نظامه بمكانة الولايات المتحدة !!؟ وهو لم يضر من هذه السياسة الحمقاء سوى الشعب لعراقي الضعيف الجائع المنهك والعرب والمسلمين ·· وهو حتى لو نجح في مسعاه فإن هذه السياسة لم تمنح سوى قوة إضافية لسلطته بحيث تصبح فعلا في هذه المرة قوة مقدسة·
أما بعد الغزو، فقد تحول الحصار والحظر الى موارد مادية هائلة للسلطة، فأسهم الحصار في إضعاف المجتمع وتقوية سلطة صدام ، رغم أن الأخير هو المسوؤل عن الغزو، ومع أن المجتمع قدم تضحيات هائلة في الانتفاضة للتخلص من سلطة صدام المندحرة· ولكن بعد سحق الانتفاضة، أصبح الحصار الظالم وموت أطفال العراق وتآكل المجتمع عاملاً من عوامل استمرار حالة السلم والحرب مع الولايات المتحدة الأمريكية!؟
وقد رفض صدام طيلة الـ13 عاما المنصرمة أي تعاون مع قرارات الأمم المتحدة ·· لينهي الوضع الإنساني المأساوي في العراق، لأن ذلك سيحرمه من الموارد السلطوية الهائلة التي مولته بها حالة الحصار أو -حالة الحرب واللاحرب - مع واشنطن· وهو دون أدنى شك، لن يضحي بموارد النظام السلطوية من أجل إطعام العراقيين الجياع أو تطبيب المرض··!
تكتيكات صدام العسكرية:
تخضع الاستراتيجية العسكرية لصدام للأهداف السياسية دوماً· فالنقطة الأساسية والمركزية في استراتيجيته هي: القانون العام للحرب الثورية طويلة الأمد ·· وغالبا تمر بثلاثة مراحل: دفاع فتوازن فهجوم· وإن صدام يتبع بصورة أساسية هذه المراحل بالاتجاهات نفسها لهذا القانون الذي وضعه الماركسيون ·
إنه سيعمل جاهدا بأن تطول الحرب وتكثر الضحايا وتحدث كارثة إنسانية بالمدنيين · لأن هذه الأمور تسهم بشكل كبير في ازدياد المعارضة·· وتأثير القوى الخارجية والرأي العام للضغط على واشنطن ولندن لوقف إطلاق النار والعودة الى الأمم المتحدة للمفاوضة·
إن صدام يتطلع الى نصر سياسي وليس إحراز نصر عسكري على القوات الأمريكية البريطانية ·· لأنه يعلم بأنه أمام قوة عسكرية متطورة وعملاقة· لذلك فهو يركز على الجانب النفسي وحالة البلاد سياسيا والرأي العام من أجل أن يفسد خطة الهجوم الأمريكي البريطاني، ويمنع واشنطن ولندن من حيث النتيجة من تنفيذ أهدافهما· وهذه الترتيبات جزء من خطة وضعها صدام منذ أحداث 11سبتمبر تدعى "الهجوم الإجهاضي" لتوفير الظروف الموضوعية على الصعيد الداخلي والخارجي لصد الهجوم المرتقب عليه (لمعلومات حول هذا الموضوع يراجع كتاب الموضوعات العسكرية وقادسية صدام ، الجزء السادس ، بغداد 1988 )·
إذا سقط صدام سيفكر باستراتيجية الانسحاب الى الغرب ومناطق العشائر كما فعل بن لادن· ليحتفظ بقوته ويدافع عن قواعده لحزب البعث في تلك المناطق وحول العالم إضافة الى خلاياه من المليشيات الفدائية المتنوعة· ثم يعيد التوازن بالتدريج ·· ويبدأ بشن هجوم ما يسمى بحرب المقاومة واسعة النطاق على الصعيد العالمي ·· إضافة الى حملات مضادة محلية ليكبد الحكومة الجديدة خسائر ويضعف سيطرتها على الحكم·
من القواعد الأساسية الاستراتيجية الموجهة لحرب المقاومة طويلة الأمد··بشكل أساسي ·· إنها ليست جهدا عسكريا واقتصاديا من حيث التنظيم فحسب بل هي عملية تثقيف أيديولوجي ونضال داخل الحزب وبين الشعب لتقوية العزائم وإزالة الروح المتشائمة · وهذه الفنون يتقنها صدام بتفوق ·· وما يجري على أرض الواقع حاليا في العراق الدليل المادي على ذلك·
عامل الزمن:
كسب الوقت والصبر وعدم التسرع من الخصائص التي يتميز بها صدام· إن الشيء الوحيد الذي يدين له صدام بالفضل هو عامل الزمن·· والحنكة في استغلال فرصة الزمن!؟
فلولا الهدنة ووقف إطلاق النار عام 1991( أي لولا عامل الزمن) لما استمرت الأزمة تدور في حلقة مفرغة دون تقدم للأمام، طيلة الـ 13 سنة الماضية! وسياسات صدام طيلة تلك الفترة هي مناورات تكتيكية (كر ·· وفر) وإن كل عملية تكتيكية هي "كالناعور" دورانية في أساسها!؟ وحول هذا التكنيك تقول أدبيات البعث الثورية:
"حتى تؤثر السياسة من موقع أقوى وتستغل الفرصة المناسبة عندما تتهيأ ·· يجب أن نستمر بجو الحرب ، لأن الاستمرار في جو الحرب وتهيئة مستلزماتها سيجعلنا قادرين على دخولها دخولا ناجحا في الوقت الذي نقدره·
لذلك لا بد - لاستمرار دوران الأزمة - استمرار فرصة الحصار واستمرار القصف الجوي واستمرار معاناة الشعب العراقي وفق مبادى البعث، من أجل توفير العوامل التي تزيد من قدرات صدام الذاتيه، للضغط بحجم أوسع في السياسة الدولية، وبالتالي يتمكن من تكييف مسار واتجاهات وموازين القوى الدولية لصالح هدفه الاستراتيجي وهو مواجهة السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط، ودفع الأخيرة في الدخول معه في حرب عدوانية ليدحرها في المستنقع العراقي !!؟
هذه الفكرة يطرحها حاليا صدام وقيادته المدنية والعسكرية في كل تصريحاتهم، وتظهر بشكل واضح في عباراة صدام التالية لدى لقائه بقيادته العسكرية قبل الحرب فقال:
"·· وفرت طبيعة عدوانية المقابل وخططه وأهدافه أرضية البناء النفسي للمقاومة·· إن العدو سهل لكل عراقي مهمة التصدي له من النساء والصبيان الى الرجال·"
بينما تقدم وسائل الإعلام والمهتمين والمراقبين للشان العراقي بتناول الأزمة والحرب وفق أطروحة مختلفة، وإرجاع أسباب الحرب أما الى أسباب اقتصادية (السيطرة على موارد النفط) أو الى رغبات وميول عنصرية وعداء قديم بين الأمم العربية والإسلامية والعالم الغربي وعلى رأسه الولايات المتحدة وبريطانيا·
وبذلك يلتمس صدام لتفسير الحرب جوانب اقتصادية ثقافية وحضارية، في حين تخفي طبيعة الصراع الحقيقي وأهدافه· مما جعل الغموض يسود حقيقة الأزمة ليس على صعيد الإعلام العربي والإسلامي فحسب، بل حتى ساد الالتباس المجتمعات الديمقراطية التي تمتلك سلاح النقد العقلي، والتي لا تقبل أي فكرة تقدم اليها، دون نظرة تمعن·
فأصبح الموقف العالمي حالياً يكاد يكون مؤيداً بشكل كامل لنظام صدام، رغم عدم موضوعية مايطلقه الأخير من أحكام، مما يجعل دعاة معسكرالسلام يدافعون عن أشياء مخالفة للحقيقة والواقع!؟
فتصبح صياغة المسائل السياسية والثقافية كما يقول الباحث خليل أحمد خليل في كتابه(سوسيولوجيا الجنون السياسي والثقافي) صياغات شكوكية، استفهامية، لم تحظَ بأجوبة تاريخية اجتماعية متناسقة مع مستلزمات العقل العلمي الدقيق، لا في أقطارنا العربية ولا حتى على الصعيد الدولي!؟
لذلك تنتج حاليا موجات المساندة الواسعة لصدام ونظامه، ظاهرة التباسية وتلبيسية ·· شكلت في مجموعها حالة من الجهلانية السياسية/الثقافية، يتغذى من شيوع الأمية السياسية والسلفية الدينية والانغلاق المعرفي على الصعيد العالمي!؟
rakiah@aol.com
*باحثة في شؤون العراق
جمعية الحقوقيين العراقيين - لندن
|