| أثار الأستاذ أمير طاهري في مقالته، أو تقريره، حول الانتخابات في الكويت مسألة تتعلق بالمفاهيم ومعاني الليبرالية المعاصرة وعلاقات تلك مع الأفراد والجماعات التي توصم بالليبرالية في الكويت، كذلك مدى تفهم أولئك لقيم الفكر الليبرالي سواء ما هو متعارف عليه في أوروبا أو في الولايات المتحدة الأمريكية، وهو يقول بأن المفاهيم قد تكون متباينة بين الأوروبيين والأمريكيين حيث إن الليبرالية في أوروبا تضمن حرية الفكر والميل نحو اقتصادات السوق واحترام معتقدات وميول الآخرين بينما تعني في الولايات المتحدة الاهتمام بقضايا العمال وضرورة تدخل الدولة في بعض الأنشطة الاقتصادية والميل نحو اليسار في التوجهات الداخلية أو في العلاقات الدولية، لكن هل يمكن أن نطلق على التيارات السياسية في الكويت والتي نشأت في الخمسينات من القرن الماضي بأنها ليبرالية النهج والتوجهات أم أن هذه التيارات والعناصر قد قبلت هذه التسمية أو الوصف بسبب وصمها بذلك من قبل التيارات المعادية لها وهي تيارات الإسلام السياسي؟ كذلك فقد سبق للأحزاب والقوى الإسلامية أن أطلقت على خصومها مسمى القوى العلمانية فهل هي علمانية فعلا؟ لابد أن نضع الأمور في نصابها لقد نشأت الحركة الوطنية في الكويت في رحم التيار القومي العربي والذي ترعرع مع تطور الحركة الناصرية الوطنية في سنوات الخمسينات والستينات من القرن الماضي· وهنا يجب أن لا ننسى أن تطور العمل الوطني في الكويت اعتمد أيضا على تراث حركة المطالبة بالدستور وبالمشاركة الشعبية والذي بلغ أوجه في حركة المطالبة بالمجلس التشريعي عام 1938، ولذلك برز قياديون من بين أبناء العائلات التجارية العريقة والذين تبنوا قيم التنوير والفكر القومي العربي خلال سنوات الخمسينات والستينات من القرن العشرين وتذبذب توجه الحركة الوطنية في الكويت بما كان يحدث في الساحات العربية الأخرى وتفاعل الكويتيون المنتمون للتيار الإصلاحي بإرهاصات هزيمة يونيو "حزيران" من عام 1967 وتوزعوا شيعاً وأحزابا بسبب تلك الهزيمة الكبرى في التاريخ العربي المعاصر·· وقد برز في أواخر الستينات تيار يساري التزم بقيم الفكر الاشتراكي وتوهم بأن تلك القيم ستوفر الحل لجميع المشاكل التي يعاني منها العرب، والكويتيون منهم·· لكن ما يؤخذ على تيار الحركة الوطنية في الكويت هو عدم تطوير رؤية واضحة للتطور الديمقراطي في الكويت وكيفية مواجهة المعضلات المتولدة من العمل الاقتصادي المعتمد على إيرادات النفط·· لا يمكن أن ننكر الدور المهم في تطوير الحياة الدستورية في البلاد الذي لعبه الرواد في الحركة الوطنية، ومازال بعضهم بين ظهرايننا نرجو من الله أن يمدهم بطول العمر، كماأن هؤلاء استطاعوا أن ينجزوا من خلال الحياة البرلمانية قوانين وأنظمة ساهمت في تحسين مستويات المعيشة ونوعية الحياة في البلاد·· لكن ما كان مفقودا هو السعي الحثيث باتجاه تحويل الحياة النيابية إلى ديمقراطية حقيقية تعتمد على التعددية وحقوق الإنسان والحرية الفكرية والثقافية·· وبالرغم من تطور الاهتمام في القضايا الكويتية بعد التحرر من الاحتلال العراقي الغاشم منذ بداية التسعينات من القرن الماضي، وتزايد الإنفاق الجاري في الميزانية العامة وقصور الإيرادات منذ منتصف الثمانينات، وتزايد التفاعل مع المسائل الاقتصادية بعد بروز مشكلات المالية العامة نتيجة لارتفاع معدلات الإنفاق الجاري في الميزانية العامة وقصور الإيرادات منذ منتصف الثمانينات بالرغم من كل ذلك، لم تبلور الحركة الوطنية في الكويت برنامجا متسقا بشأن مختلف هذه القضايا·· كذلك برزت خلافات بشأن مسائل الإصلاح الاقتصادي وكيفية التصدي لها، وليس أدل على ذلك ما جرى في السنوات الأخيرة من جدل حول إصلاح نظام التأمينات الاجتماعية·· وإذا أرادت الحركة الوطنية في الكويت تطوير دورها في الحياة السياسية في الكويت فإنها يجب أن تتحول إلى تنظيم سياسي يشمل كل من يهمهم أن تصبح الكويت دولة عصرية متصلة بالحضارة الإنسانية وقيم التنوير والثقافة الحرة· ولاشك أن التحدي الأساسي هو كيف جمعت الأطراف ذات الصلة وصياغة خطاب سياسي محدد يمكن طرحه على الشعب الكويتي·· وإذا كانت الانتخابات الأخيرة قد مثلت نكسة للعمل الوطني الديمقراطي في البلاد فيجب أن تكون بمثابة صدمة للاستنهاض والاندفاع في طريق التحول إلى حركة ذات قدرة ديناميكية لمواجهة جميع المصاعب والمعوقات السياسية والقيمية في الكويت· إن من أهم التحديات هو كيف نكسب الشباب وصغار السن وتأطيرهم حول برنامج سياسي ذي أفق مستقبلي بدلا من ضياعهم أو خسارتهم للتيار المحافظ، وقد أكد الشباب خلال الانتخابات الأخيرة دورا مهما في تحقيق مفاجأة انتخابية، ربما لم تكن مثالية أو منشودة، ولكنها أكدت حضورهم·· إن العمل الديمقراطي يتطلب التواصل مع منظمات المجتمع المدني مثل اتحادات وروابط الطلبة ونقابات واتحادات العمال والتوغل في النقابات والجمعيات المهنية والجمعيات التعاونية، ولا يمكن لوم الآخرين إذا كسبوا قيادة تلك المؤسسات المدنية إذا لم يسع لها الإصلاحيون·
من جانب آخر يجب أن تخلق الحركة الوطنية مؤسسات تعتني بالتثقيف والدراسات وتقوم ببذل الجهود لنشر الوعي بين الناس بشأن مختلف القضايا الوطنية وما يحيط بالبلاد من أوضاع إقليمية ودولية·· كما يمكن لهذه المؤسسات أن تساهم في توفير المقترحات ومشاريع لأعضاء مجلس الأمة وللوزراء المعنيين وكل من يستطيع أن يساهم في صناعة القرار السياسي في البلاد· أي أن المطلوب أن تكون الحركة الإصلاحية قادرة على التواصل مع جميع الجهات وتعميق علاقاتها بجميع الأطر التي تجمع المهتمين بالشأن العام·· وإذا تمكنت العناصر الوطنية من تعزيز دورها في الإصلاح فإن التسميات التي تطلق عليها ليست ذات أهمية·
tameemi@taleea.com |