| قبل رؤساء الدول والحكومات أعضاء الاتحاد الأوروبي من حيث المبدأ مشروع دستور للاتحاد أعدته جماعة من كبار أهل الرأي والخبرة على رأسها رئيس الجمهورية الفرنسية الأسبق جيسكارديستان، ومن المقرر أن يلي ذلك لجنة تفاوض للمراجعة القانونية والسياسية لتفاصيل الدستور المقترح مادة بمادة، والمأمول أن يصوت عليه الرؤساء في القمة المقبلة (ديسمبر 2003)·
وثمة قضايا كثيرة مهمة لأن عام 2004 محدد لانضمام عشر دول من أوروبا الشرقية هي جميعا دون مستوى التطور والنمو وقيمة الناتج المحلي الإجمالي ونصيب الفرد منها، وقد حكمت قرار قبولها في الاتحاد اعتبارات سياسية محضة، والتوفيق بين التوجهات السياسية وواقع الاقتصاد والمجتمع أمر عويص، وقد كان نجاح الاتحاد حتى ظهور العملة الموحدة “في 12 دولة” يسيرا نظرا لتقارب الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، وقرار قبول كل من البرتغال واليونان كان يتضمن ارتباط الاتحاد بالإسهام المالي لمساعدة الدولتين في إجراء “الإصلاح الاقتصادي”، وما حصلت عليه اليونان والبرتغال من المعونات، وما يحتاجه عشرة أعضاء جدد أضعاف مضاعفة ما حصلت عليه الدولتان·
وما أطرحه للتأمل هو عنصر الزمن الذي استوعبته عملية التكامل الإقليمي في أوروبا، لقد بدأت المسيرة بمعاهدة روما 1957 التي وقعتها ست دول فقط ويصبح عددها 25 دولة في 2004، أي أن المسيرة الى هدف التكامل الاقتصادي الأوروبي كانت 46 عاما، ولم يضع هذا الأجل الطويل في أحاديث وخلافات ومناقشات في مستويات عدة، بل إن كل يوم عمل خلال تلك الفترة الطويلة كان يسجل تقدما في الفكر والممارسة وشهد لحظات حاسمة مثل نشأة البرلمان الأوروبي 1992 المنتخب بالاقتراع المباشر على أساس صوت واحد لكل مواطن في كل الدول الأعضاء، ومثل إصدار اليورو العملة الأوروبية الموحدة في 2002، وقد أسهمت الجمعيات الأهلية في دعم جهود بناء الاتحاد، وخير مثل على ذلك “برنامج إيرسموس” الذي يمول الشباب الذين يريدون إكمال دراساتهم في دولة أخرى، كما أن دائرة البحوث التابعة للجنة بروكسل تطرح مشروعات البحوث على مراكز البحوث في كل الدول الأعضاء ثم تختار من تتعاقد معه منفردا أو بالمشاركة مع مركز آخر في بلد آخر·
أما نحن العرب فمازلنا أسرى الخلافات الماضية والأزمات الحاضرة ونكتفي دائما بإرجاع كل شيء الى افتقاد الإرادة السياسية، ولم يعن أحد بتحليل ماهية الإرادة السياسية، ويهرب البعض الى موقف نظري مجرد هو أنظمة الحكم القائمة التي لا تحرك ساكنا في اتجاه التعاون والتكامل ثم التوحد·
والحكام كما هو معروف يوافقون على معاهدات إنشاء مؤسسات وبعضهم لن ينفذها، وأشير هنا الى مثل صارخ، فقد أنشأنا إثر معاهدة روما مجلس الوحدة الاقتصادية العربية ووقعت عليه في البداية أربع دول فقط ثم زاد العدد عبر سنوات الانفراج النفطي، وحين يقرأ المرء اتفاقية إنشاء هذا المجلس يرى فورا استحالة المهمة التي يفترض أن ينهض بها فهي في نصوصها صورة للوحدة الاقتصادية الكاملة، وهي نهاية طريق وليس بدايته· |