| من غريب المصادفات أن يثير بعض أعضاء البرلمان عندنا موضوع اقتراض الحكومة من هيئات وصناديق التأمين الاجتماعي - معظم إن لم يكن كل فوائض تلك الهيئات - وتثور التساؤلات حول قدرة الحكومة المدينة على سداد هذه الديون التي تعد بالمليارات من الجنيهات، أي أن جوهر المشكلة أن التأمينات الاجتماعية تحقق فائضا سنويا كبيرا، أو بعبارة أبسط أن ما تقدمه تلك الهيئات من معاشات وتعويضات يقل كثيرا عما تحصله جبرا من العمال وأصحاب الأعمال·
هذا في الوقت الذي تشهد جميع أنحاء فرنسا إضرابات ومظاهرات ضخمة ومتكررة ضد مشروع قانون يزيد من عدد سنوات الخدمة اللازمة للحصول على معاشه بالكامل، وحجة فرنسا في ذلك أن هيئات التأمين الاجتماعي “شاملا الصحي” تعطي للمؤمن عليهم معاشات وتعويضات وخدمات عينية تصل في مجموعها حدا يزيد بشكل واضح عن إجمالي ما تحصله من اشتراكات، أي أن المشكلة عندهم هي ظاهرة عجز متكرر ومتزايد يهدد بتراكمه بإفلاس تلك الهيئات، ويعرف الجميع أن هذا الوضع نتيجة لتغيير ديموجرافي، فحسابات التأمين الاجتماعية الاكتوارية التي كانت متاحة عند إنشاء التأمينات الاجتماعية الشاملة غداة الحرب العالمية الثانية مباشرة قد شهدت تغيرات بارزة ونتائجها واضحة، والحساب التأميني “الاكتواري” قام على أساس أن العاملين الذين يدفعون حاليا أقساط التأمين يوفرون ما يكفي لتغطية احتياجات كبار السن المتقاعدين، وبدورهم يحصلون على الرعاية من اشتراكات أولادهم، وبعد نحو 40 سنة من تطبيق هذا الحساب تزايد العمر المتوقع عند الميلاد حتى وصل الى 79 سنة، ومعنى ذلك أن زيادة كبيرة في نسبة من يزيد عمرهم عن خمس وستين الى إجمالي السكان حدثت طوال الخمسين سنة السابقة وهي حاليا %15,7، وعلى الوجه الآخر يتناقص معدل المواليد، وبالتالي معدل الزيادة السنوية في عدد السكان الذي ضبط الى %0,3، ونسبة من أقل من 15 سنة عمرا الى إجمالي السكان %17,4، وبإضافة من عمرهم أعلى من 65 سنة نرى أن نسبة من هم في سن العمل قد هبطت الى %35,5، ومن المعروف أن المسنين يحتاجون الى رعاية خاصة ومواجهة لأمراض الشيخوخة ويستفيدون كثيرا من التأمين الصحي بالإضافة الى معاش التقاعد، وفي الغالب ستنتهي المواجهة بين الحكومة وجماهير المشتركين في التأمينات الاجتماعية الى حل وسط·
فإذا عدنا الى مصر نجد أن نسبة الذين يزيد عمرهم عن 15 سنة ويقل عن 65 سنة %40 من إجمالي السكان، وبالتالي فإن إسهامهم في موارد التأمينات الاجتماعية أكثر بكثير منها في فرنسا، ولهذا فلا تفسير لوجود فوائض عندنا إلا ما هو واقع مقابل ما تدفعه لهم هيئات التأمين، ويفسر هذا التعسف واقع أن الهيئات الحكومية تديرها الحكومة دون أدنى مشاركة من ممثلي الممولين، أي العمال وأصحاب الأعمال والحال في فرنسا عكس ذلك حيث تدير تلك الهيئات لجان منتخبة من العمال وأصحاب الأعمال، واستيلاء الحكومة على الفوائض يصبح في الحقيقة ضريبة غير مباشرة يتحملها السواد الأعظم من العاملين· |