| قالت العرب قديماً “وفي الليلة السوداء يفتقد البدر” ونحن العرب نعيش في ظلمة العدوان الاستعماري العنصري ولا نرى إلا جمر الغضب العارم الذي يعيشه كل عربي ضد الولايات المتحدة وإسرائيل· ونفتقد الأمل المستقر في انتصار قريب لقوى الخير ضد قوى الشر بكل ما تملك وتستخدم وتبدو أنها سكرى بالدم الفلسطيني المراق، وإن عجز المعتدون عن كسر إرادة النضال حتى النصر المؤزر· فأما شعوبنا فهي جميعاً تحس بالغضب والإحباط لما يبدو من عجزنا عن شغل دور حاسم في رد العدوان·
ولكنني في الواقع وليس في التمني أرى شعاع أمل· لقد اختفت فلسطين على يد الصهيونية وبسبب أخطاء حكامنا· وقليل منا من يتذكر أن قرار التقسيم المشؤوم الذي صدر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة في 1947 نص على تقسيم فلسطين إلى دولتين وأوضح خطوط التقسيم بحيث تقوم دولة يهودية في قسم ودولة عربية في الجزء الآخر· وكان بوسع حكومات العرب التي كانت أعضاء في المنظمة الدولية أن ترفض هذا القرار وتفضح ما وراءه من رغبة الغرب الأوروبي في التكفير عن خطيئتهم الكبيرة في التعاون مع ألمانيا النازية في قمع اليهود أو بالأقل السكوت على ما ارتكب من جرائم، وكل ذلك على حساب العرب وأرضهم، ولا تتحمل أي تعويض داخل أوروبا· ولكن كان من الوارد أن تطالب الحكومات العربية الأمم المتحدة بتنفيذ قرارها وتسليم أرض فلسطين لأهلها رغم تمسكها بموقف مبدئي إدانة القرار الظالم· وليس هنا مقام السرد التاريخي لما فعلته الدول العربية بقضية استقلال فلسطين· وبسبب هذه السياسات - رغم الشعارات الرنانة والمزايدات على ما تملك - اختفى تعبير دولة فلسطين طوال عقود عدة وحتى أضاءت المقاومة الفلسطينية غداة هزيمة 1967 على حد قول جمال عبدالناصر· وكان على المقاومة أن تحدد مطلبها الاستراتيجي الذي تبلور بشكل ساطع في مؤتمر منظمة تحرير فلسطين برنامجها في مؤتمر الجزائر الشهير· وكانت إسرائيل انتزعت في حرب 1948 جزءاً كبيراً مما كان نص قرار الأمم المتحدة قد خصصها للدولة الفلسطينية· وكان طمع إسرائيل في المزيد من أرض العرب ملحوظاً· فإسرائيل هي الدولة الوحيدة في الأمم المتحدة التي لم تقدم بملف عضويتها أي حدود وأوضح الجنرال ديان دلالة ذلك الامتناع قال إن جيشه هوالذي يرسم تلك الحدود ما دام قادراً على توسيعها·
ورغم كل المآسي والمرارات وعدد الأرواح التي أزهقها الصهيونيون ورعاتهم وعملاؤهم فرض مفهوم دولة فلسطين القادرة على البقاء ضمن حدود يقررها المجتمع الدولي شعاراً ترفعه عشرات الألوف من المواطنين من اتجاهات مختلفة في معظم دول العالم· وقد تبنى هذا المطلب مؤتمر معاداة الرأسمالية الكوكبية الذي انعقد في البرازيل في يوليو الماضي بحيث أصبح مطلب دولة فلسطين المستقلة جزءاً أساسياً في بيانه الختامي· وقبل ذلك كان للقوى الكثيرة والمتنوعة دينياً أو مهنياً أو جنسياً أو إيديولوجياً قد طرح القضية في مؤتمر دربان حول حقوق الإنسان (الذي انسحب منه كبار أعضاء الوفد الأمريكي)·
والآن وصلنا إلى مستوى الحكومات والمنظمات الدولية· فالأمم المتحدة تنص على قيام دولة فلسطين كشرط لاستقرار الأمن والسلام في المنطقة· وكان وزير خارجية فرنسا من أشجع المطالبين بتلك الدولة وأوضحهم حديثاً عنها· وأخيراً اضطر بوش نفسه إلى تبني هذا المشروع على الأقل في تصريحاته الرسمية وبموافقته على قرار مجلس الأمن رقم 1402·
ويبدو أن العالم كله يسلم بضرورة قيام دولة فلسطين· وهذا في تقديري نصر عظيم لشعبنا العربي في فلسطين الذي فرض بنضاله المستمر لسنوات كثيرة دون وهن أو يأس التسليم بحقه في إقامة دولة فلسطين المستقرة· ندر أن يتحرر شعب من دون نضال مرير· وبعد فيتنام وحرب تحريرها التي دامت أكثر من عشرين عاماً ضد فرنسا ثم أمريكا بكل قوتها العسكرية وأحدث أسلحتها تحط فلسطين المثل الأسطوري الثاني· التحرير مؤكد لكل شعب يثابر في النضال من أجله وتحمل ثمنه من أرواح البشر وتدمير الموارد والمنشآت· وما أفدح الثمن الذي يتحمله الشعب الفلسطيني ولا أملك القدرة على الامتناع عن الهتاف: الاستقلال لفلسطين والنصر لشعبها البطل· |