| الذين رفضوا التعديلات الأخيرة على قانون التأمينات الاجتماعية في الجلسة الأخيرة لمجلس الأمة هم في غالبهم الذين وافقوا على هذه التعديلات، وبذلك فإن هذه الفئة دخلت دائرة الاستفهام من أوسع أبوابه· فالمعطيات التي تم على إثرها إجراء تلك التعديلات تمثلت أساسا في “سيناريو” العجز المالي الذي قد يواجه مؤسسة التأمينات الاجتماعية في حالة الاستمرار في السماح للمرأة بالتقاعد المبكر، وحينها كان المنطق السائد أن حق المشتركين في المؤسسة يحتاج ضمانة الى مثل تلك الإجراءات· انقلاب النواب على أعقابهم برفض التعديلات التي وافقوا عليها سابقا لا يمكن تفسيره إلا في إطار دنو أجل الفصل التشريعي الحالي واحتمالات حل مجلس الأمة وحسابات الربح والخسارة الانتخابية دون مراعاة فعلية للبيانات المالية للمؤسسة ودون اهتمام بالصالح العام الذي يدعي معظم النواب به وصلا· فالموضوع في هذه المرحلة هو موضوع دغدغة مشاعر المواطنين وبيع وهم الأحلام لهم، في وقت نحن في أمس الحاجة فيه الى نظرة ثاقبة لمستقبل البلد ومستقبل أجياله القادمة وحق المشتركين في مؤسسة التأمينات الاجتماعية بشكل عام، وليس تفضيل فئة منهم على حساب فئة أخرى·
قضية التقاعد المبكر للمرأة لها أكثر من جانب، وإن انصب الاهتمام على الجانب المالي لمؤسسة التأمينات الاجتماعية عند إقرار التعديلات الأخيرة· أول هذه الجوانب هو خروج المرأة من سوق العمل في وقت مبكر جدا مما يحد من مدى احتلالها للمناصب القيادية في مؤسسات الدولة المختلفة، علاوة على أن تقاعد المرأة يأتي في وقت نضوجها على مستوى العمل فتفقد هذه المؤسسات خبرات يمكن أن يكون لها دور بارز في تطوير العمل فيها· لكن أهم من ذلك كله أن السماح للمرأة بالتقاعد بعد خدمة 15 سنة فقط دون الرجل يمثل، من وجهة نظرنا، خرقا للدستور بمعاملة المواطنين سواسية وعدم التمييز بينهم بسبب الجنس أو الدين أو اللغة· فتمييز المرأة عن الرجل مثله مثل تمييز الرجل عن المرأة خرق لمبادئ العدالة والمساواة وبغض النظر عن الأسباب والمبررات التي يمكن لأي فريق تقديمها· وإذا كنا نطالب بمساواة المرأة مع الرجل في الحقوق السياسية فعلى الصعيد نفسه نطالب بمساواة الرجل مع المرأة فيما يخص القضايا الاجتماعية والاقتصادية والمهنية، فالحقوق كل لا يتجزأ· وفيما يخص مؤسسة التأمينات الاجتماعية لا يمكن عقلا قبول تحمل الرجل العبء الأكبر في الاشتراكات، بينما تختص المرأة بالتنعم بالحصة الكبرى من الامتيازات·
موضوع التأمينات الاجتماعية يقودنا الى موضوعات ساخنة أخرى ليست جذابة انتخابيا أهمها إعادة النظر في قانون الخدمة المدنية لتوفير قدر أكبر من المساواة بين المواطنين بغض النظر عن أي عامل بيولوجي أو فكري· |