| في عصرنا هذا أهم دور للنقل هو نقل السلع (البضائع) بما يحقق ترابط الأنشطة وتواصلها داخل الاقتصاد القومي· كما أن التزايد المضطرد في حجم التجارة بين الدول - لا سيما الدول المتجاورة - يفرض تطوير وسائط النقل من حيث الحجم والعدد والسرعة وتخفيض التكلفة· وبهذا شهدت أوروبا منذ نهاية الحرب العالمية شق شبكة من الطرق الواسعة والسريعة داخل كل دولة وترابطها مع الشبكات الوطنية في مختلف البلاد· وهكذا تكاثرت الطرق الأوروبية التي تعبر القارة من الغرب الى الشرق ومن الشمال الى الجنوب· وصنعت الشاحنات الكبيرة وما يتبعها من مقطورات لتنقل كل منها ما يبلغ وزنه خمسين طنا أو يزيد· وفي الجانب الآخر فتحت تلك الطرق الباب واسعا للسفر والسياحة بالسيارات الخاصة مما يجعل تكلفة انتقال الأسرة أقل كثيرا من تكلفة انتقالها بالسكك الحديدية ناهيك عن الطيارات· وفضلا عن ذلك تيسر السيارة تنقّل السائحين داخل البلد الذي يزورونه وبتكلفة أقل من أي وسيلة تنقّل أخرى· وكانت تجربة أوروبا هذه محاكاة لما تحقق في الولايات المتحدة بجهود منتظمة منذ بدأ فيها روزفلت في سياسته لإخراج بلاده من الكساد الأعظم (1929-1934)·
ولكن الوعي المتأخر بقضايا البيئة وما لحقها من أضرار بسبب انبعاث الغازات الضارة من محرك السيارة فرض التغيير· فالسيارات بكثرتها أكبر مصدر للتلوث بغاز ثاني أوكسيد الكربون وغيره من الغازات الضارة بالبشر والتي يمكن أن تؤدي الى احتباس حراري في جو الكرة الأرضية كلها· وقد ظهرت بالفعل بعض هذه الأضرار· وأشهر مثل عليها أن “الأوتوبان” - أطول وأجود طرق أوروبا والذي يمتد من ميونخ في الجنوب الشرقي لألمانيا الى هامبورغ في الشمال الشرقي· حيث أدت حركة السيارات (ركاب + بضائع) الى موت مساحات كثيرة من أشجار الغابات التي يخترقها هذا الطريق السريع· ومن المعروف أن أهم ميزة للشاحنة على السكك الحديدية أنها تنقل مرة واحدة من باب البائع الى باب المشتري في عملية واحدة· ويقابل ذلك أنها أكثر وسائل النقل تلويثا· ولم تهمل أوروبا - بعكس الولايات المتحدة - تطوير السكك الحديدية الذي تجسد أولا بتحويلها من استخدام الفحم أو منتجات البترول الى الاعتماد الكامل على الطاقة الكهربائية· ثم تجسد في إنتاج القطارات السريعة وفائقة السرعة· ومن ثم ظهر النقل متعدد الوسائل، تنقل الشاحنة من باب المصنع نفسه الى أقرب محطة سكة حديد· وفيها تصعد على عربة مسطحة في القطار الذي يوصلها الى أقرب محطة للمكان الذي ستفرغ فيه شحنتها وتنزل على الطريق لتكمل رحلتها الى باب المشتري·
ونحن في مصر نعاني من تزايد النقل بالشاحنات على طول المسافة بين الاسكندرية وأسوان والطرق الجانبية في الدلتا· وذلك بسبب تخلف شبكة السكك الحديدية الخطير· ولذلك يحار المرء عندما يقرأ قول رئيس الحكومة أن الطريق السريع على حافة الدلتا سيمكن مصر من استصلاح عشرات الآلاف من الأفدنة مع أن تجربة غيرنا تثبت العكس، إذ إن التلوث سيفسد مثل هذه المساحات من الأرض الزراعية جنوب الطريق· والشريط الساحلي ضعيف التربة ويعاني من تسرب مياه البحر المالحة تحت تلك التربة، فضلا عن ما يصيبه من نحر بفعل أمواج البحر· وحتى الآن لم نقرأ دراسة الجدوى لهذا الطريق الذي يربط ليبيا بإسرائيل·· وكما يقول التعبير الشعبي “لله في خلقه شؤون”· |