| في خطوة غير مسبوقة في الخليج منذ عقود من الزمن أعلن أمير البحرين آنذاك عن تغيير النظام السياسي هناك من إمارة إلى مملكة دستورية، وذلك من خلال تعديل الدستور البحريني، تلك الخطوة التي تستدعي وقفة تأمل لإدراك حقيقة هذاالتغير وما إذا كانت في الاتجاه الصحيح أم لا· ولا نختلف هنا في حق أي نظام سياسي يسعى إلى تغيير المنهج السياسي المتبع، والبحث عن السبل الأكثر إنسجاماً مع طبيعة مجتمعه، ولكن لابد أن تكون ضمن آلية يرتضيها المحكوم قبل الحاكم وأن تنبع من إرادة الشعب لا من قرار نخبة أو مجموعة·
وهنا نتساءل هل ما طرحه ملك البحرين من تغييرات جاء من خلال إرادة الشارع البحريني؟
لابد هنا من التأكيد على حقيقتين أولهما: أن ما جرى هو تجاوز على دستور البلاد في مادته 104 التي تحصر صلاحية تعديل أي مادة من مواد الدستور في المجلس الوطني المنتخب شعبياً فقط، وليس لأي طرف خارج رحم هذا المجلس صلاحية تعديل الدستور، وبالتالي فإن التغييرات التي جاءت على لسان أمير البحرين تعتبر تعد على دستور عام 1973 وتجاوز لمبدأ الشراكة بين السلطة والشعب قد يكرس عرفاً خطيراً يطول تغييرات سياسية أخرى·
ثانيهما أن الميثاق الذي صوت عليه المواطنون في البحرين بالإيجاب لم يتحدث عن أي آلية للتعديلات خارج روح الدستور البحريني، بل كرس الميثاق دورالدستور حين أكد أن الشعب هو مصدر السلطات، وما الإعلان عن المجلس الاستشاري إلا في إطار الاستشارة غير الملزمة للسلطة· وبالتالي فإنه من غير المحبذ أن تدخل البحرين نظام الملكية الدستورية بانتهاك لوثيقة العهد التي أبرمت بين شعب البحرين والعائلة الحاكمة قبل قرابة ثلاثة عقود، في وقت يمكن أن يجتمع المجلس الوطني المنتخب شعبياً في تكريس هذا النظام السياسي الجديد·
ومن المفارقات أن يشكل هذا الإعلان تراجعا عن وعود قطعها أمير البحرين آنذاك على نفسه أمام رموز المعارضة في منزل السيد علوي الغريفي مفادها أن الدستور له الحاكمية على الميثاق، وأن أي تغيير لن يحدث خارج الصلاحيات الدستورية، مما يعد السبب الأساسي الذي أعطى رموز المعارضة البحرينية الضوء الأخضر للشارع البحريني لدعم الميثاق· كما يعتبر تجاوز دستور البلاد انتكاسة لمنهج المصالحة الذي نادى به الأمير من خلال قبوله بالمطلب الأساسي لشعب البحرين منذ العام 1975 وإلى يومنا هذا، الذي اقتصر على المطالبة بإعادة العمل بالدستور، وما إلغاء أحكام الطوارئ وإطلاق السجناء وعودة المبعدين إلا تبعات لمطالب الأزمة السياسية·
من هنا نؤكد أن إلغاء دستور البلاد من طرف واحد، وفرض دستور جديد لا يمكن أن يصنف إلا كونه ممارسة أعادت الأوضاع إلى نقطة الصفر· |