| كثر الجدل وسوء الاستعمال لكلمة إرهاب حتى كاد مدلولها يغيب في ضباب الخطب والتصريحات التي تغرقنا بها وسائل الإعلام المتعددة· وفي اللغة أصلاً تعني الكلمة في كل من العربية والإنجليزية الإخافة أو الترويع· ولكن لغة السياسة حددتها كمصطلح· وقد ظهر هذا المصطلح السياسي قبل أكثر من مئتي سنة حين أطلق الفرنسيون اسم الإرهاب أو عهد الإرهاب على فترة محدودة من تاريخ الثورة الفرنسية (1794 - 1793) حين سيطر “اليعاقبة” المتطرفون على الحكم وأعملوا المقصلة بكل طاقتها تطيح برؤوس كل من شك الحكام في ولائهم· وقد انتهت “فترة الإرهاب” هذه بسقوط رؤوس قادتها على المقصلة·
ثم شاع استخدام هذا الوصف على من يريدون فرض وجهة نظرهم السياسية (بالمعنى الواسع) بإرهاب قادة وأنصار الحكم القائم· فلجوء الأفراد إلى الإرهاب يرجع أولاً وقبل كل شيء إلى استخدامه من قبل من في يدهم السلطة في اعتقال وتعذيب وإعدام مخالفيهم في الرأي· ونعود إلى أوروبا في الربع الأخير من القرن التاسع عشر· فقد قاومت الطبقة العاملة وفئات شعبية متنوعة ما فرضه الحكم الرأسمالي من استغلال وإفقار وحرمان· وتعددت أشكال معارضة نظم الحكم السائدة· ازدهرت الأفكار الاشتراكية وتنوعت، تعددت إضرابات العمال، ظهرت أحزاب وجماعات تعادي الرأسمالية وتدعو إلى مجتمعات أكثر عدلاً وإنسانية· وتفجرت في فرنسا ثلاث ثورات كلما بطشت السلطة بواحدة رد الشعب بأخرى، فكانت ثورة 1830 ثم 1848، ثم ثورة كومونة باريس في 1871· ولاقت الأخيرة بطشاً همجياً غيرمسبوق في التاريخ الحديث على الأقل· وفي هذه الظروف تفككت “الأممية العمالية الأولى” التي كانت تجمع الأحزاب الاشتراكية أوحتى المعادية للرأسمالية تحت أسماء أخرى من أهم البلدان الرأسمالية: فرنسا، بريطانيا، ألمانيا، إيطاليا، وإسبانيا·
وقد أدى هذا التفكك إلى انفضاض بعض الأحزاب في حين شاع اليأس بين المناضلين في إمكان تغييرالأوضاع بالوسائل السلمية· وكان من بين التوجهات الجديدة جماعات توصف باللاحكومية (والترجمة العربية فوضوية ليست لها أي علاقة بالكلمة ذات الأصل الإغريقي التي تعني ببساطة “مجتمع بلا حكومة”) وقد اقتنع بعض المنتمين إليها بضرورة استعمال العنف لإرهاب الحكام وخلخلة نفوذهم وسلطتهم· وفي العقد الأخير من القرن الثامن عشر وحده اغتيل رئيس جمهورية فرنسا، وإمبراطورة النمسا والمجر، وملك إيطاليا، ورئيس أمريكي· وكانت هذه الدفعة القوية رد فعل لحملة إعدامات لقادة عماليين ومثقفين يقفون إلى جانب الشعب، وأكثرها في شيكاغو ومنها في فرنسا البطش بكل من يمت بصلة لثورة الكومونة وكذلك في إسبانيا· ثم كان اغتيال ولي عهد الإمبراطورية النمساوية في سراييفو الشرارة التي أشعلت أتون الحرب العالمية الأولى·
فالإرهاب يمكن أن يمارسه من في يده القوة· وما فعلته أمريكا في أفغانستان إرهاب لاشك فيه لأنه يخيف شعوب آسيا الوسطى الإسلامية كلها من مخالفة السياسة الأمريكية· وهي على أي حال لم تنل رأس بن لادن ولا الملا عمر· وهذا لا ينفي بالطبع أن “أحداث سبتمبر” كانت إرهابية بلا خلاف· |