| من جديد: توسيع مجلس التعاون بحيث يضم اليمن· ومن جديد: العلاقات الدافئة مع إسرائيل فيما الضياع الفلسطيني الأخير يخضب آفاق الأمة العربية بكل فئات الدم· ومن جديد: صراع المتشددين والقوميين· ومن جديد، الخليج يعيش لحظاته في هدوء ظاهر وقلق مكبوت· والطريق الطويل يتشعب، والخليجيون يتأملون في تنبه شديد، في كل ما حولهم! وكل ما حولهم شائك ومعقد: إيران تفرض على الخليجيين تأشيرة الدخول، بعدما ظل الخليجيون طوال عقود يتذمرون من أن الإيرانيين يعبرون البحر من دون تأشيرات· والعراق يعرض المصالحة ويدعو الى زيارة سجونه بحثا عن الأسرى الكويتيين، بعدما ظل عقدا كاملا يصر على أن ليلى في العراق مريضة لكنها ليست أسيرة· وأهل الخليج يبحثون في كل هذه المربعات عن المنافذ والحلول· ويتساءلون، متى يكون المنفذ منفذا ومتى يكون بابا للريح· سواء تلك التي تسبق العاصفة أو تلك التي تتبعها· ألم يكف الخليج ما حمل وتحمل من عواصف حتى الآن، جميعها من جواره أو في جواره، من دون أن تكون له يد أو رغبة أو قرار سوى رد الريح وتجنب العاصفة؟
أكثر ما يلفت النظر في هذا الزمن الصعب، العودة ولو رومانسية، الى أحياء المد القومي وذكرياته وشيء من طروحاته· وكان المشهد في البحرين مثيرا في ذاكرة ذلك الجيل الذي عرف الخليج أيام كان يتطلع الى أن يكون جزءا من مسيرة الأمة نحو الحرية والاستقلال والتوافق القومي· لعلهما مشهدان كلاهما حاد على الذاكرة،و مهما اتسعت· المشهد الأول البحرين تستقبل، محاضرا هذه المرة، زعيم حركة القوميين العرب في الكويت الدكتور أحمد الخطيب، ومعه رئيس الحركة في مجلس الأمة النائب عبدالله النيباري· رجلان قادمان من حديقة الأحلام التي تحولت الى خربة للديناصورات المشتتين في الأصقاع والبقاع· لكن هذه الوجوه المخدودة بالسنين لا تزال تضيء في العتمة، برغم اشتدادها وبرغم قتامتها وبرغم ثقافة البحث عن نور الخلاص داخل الكهوف·
كان مجيء أحمد الخطيب الى البحرين، حدثا من الأحداث، استقبله البحرينيون كحدث واصغوا إليه كحدث لا كمحدث وأفاض أمامهم بمشاعر الماضي المكثفة المهذبة العميقة والحزينة، الشديدة الحزن· ولم أحضر محاضرة الدكتور الخطيب· لكن أحد المفكرين الكويتيين الذين كانوا هناك، اتصل بي في الكويت وقال لي: “لقد فاتك سماع أحمد الخطيب، فاحرص على الأقل أن تقرأه عندما تأتي الى هنا”·
وقرأته هنا· وقرأت خبرا صغيرا في الصفحة الأولى من “الأيام” يقول إن “الطليعة”، صحيفة القوميين العرب في الخليج، عادت توزع في هذه الجزيرة الجميلة، المؤدبة، ذات الاهتمامات الإنسانية والثقافية· والحقيقة أنه لم تعد هناك صحيفة ممنوعة في البحرين بعد الآن· ولا عاد الخوف الخليجي من أن يحمل “القوميون” مصر الاشتراكية المتحالفة مع السوفييت الى هذه الديار· بل الخوف هو أن يضيع الزمن والمستقبل والتقليد والأسرة والتوافق والقانون والنظام في جدل قومي وطني دستوري أيديولوجي حول أغنية غناها عبدالله رويشد· أو حول أجر تلقته نجوى كرم· كأنما هذه هي المسألة: مطربة “هو هو هو” تندفع إليها الجماهير صاغرة ولا تشتري هذه الجماهير العزيزة كتابا واحدا في معرض، ولا تقرب كتابا، ولا تطلبه حتى بغير ثمن· مجانا لا تطلبه· فما ذنب نجوى كرم إن كانت هذه الجماهير الأبية لا تحب شيئا سوى المواويل والهز الجماعي في المسارح، ولا تخرج عن طورها إلا من أجل أغنية، ولا تناقش قضية، على نحو جماعي، سوى قضية الحاج متولي سعيد·
يطل أحيانا، من الذاكرة وعباب اليأس، صوت مثل صوت أحمد الخطيب· الجيل الذي دخل مرحلة الشيخوخة وهو يرفع النداء القومي، برغم كل شيء، وعندما عانقت جاسم القطامي وأخي الكبير أحمد السقاف قبل أيام، أدركت معنى صمود هؤلاء الأفاضل الذين تقدموا الجميع في تلك المسيرة التي فقدت جمهورها على الطريق· فالخطاب السياسي اليوم أسى في أسى· وأتذكر دائما ذلك الخلق السياسي والنبض الأدبي الذي كان ينضح من كتابات أحمد السقاف، المهاجر اليمني الذي أصبح جزءا من رموز الكويت ومن صورتها·
هذا كان، المشهد الأول في البحرين· مشهد أحمد الخطيب والخطاب السياسي القومي· وهو، كما قلت وأقول بأسى· مشهد من مسيرة آفلة لا ندري إذا كانت ستحيا من جديد أم لا· ولا ندري إذا كانت القومية ستعود تيارا نهضويا هادرا نقيا من التجاذبات والرغبة في الهيمنة، أم أنها ستبقى هكذا، مؤسسة يديرها الدكتور خير الدين حسيب ويتنادى لها الخطباء كل عام كما في ذكرى فقيد·
المشهد الثاني أكثر إيلاما· لم أكن قد وصلت البحرين عندما جاءها الدكتور محمد المسفر وهو أستاذ جامعي قطري ناشط· ولا تزيد معرفتي بالدكتور المسفر على مشاهداتي له على “قناة الجزيرة”، حيث كان يحمل، أو يعبر عن وجهة النظر القطرية، خصوصا في النزاع مع البحرين حول جزر “حوار”· وكان هذا من أبسط حقوق الدكتور المسفر، أولا كمواطن، وثانيا كأكاديمي· والحقيقة أن البحرين كانت مقصرة في هذا المجال، بل غائبة تماما· وكنت كلما سألت وزير الخارجية الشيخ محمد بن مبارك عن الموضوع كان جوابه أن المسألة في يد القانون والمحكمة الدولية وأنها ليست قضية تقضي فيها الصحف ولا الحملات ولا التصريحات· وعندما انتهت المسألة في لاهاي ظن الجميع أن الخلاف القطري البحريني حسم وختم وانتهى· ولذلك أصبحت العودة إليه أو الى شيء منه أو الى لهجة تلك المرحلة، أمرا مرفوضا· والدكتور المسفر ليس قطر· ولا هو ناطق رسمي باسمها· لكن يبدو أن اطلالاته الإعلامية الدائمة والدائبة جعلته يبدو كذلك· والكلام الذي قاله في البحرين أعاد الى الذاكرة أشياء قديمة ربما كان من الأفضل أن تنسى· ولا يمكن أن تبقى العلاقات بين الدول تحت رحمة الآراء أو حتى المشاعر الشخصية· وأعود فاعتذر لأنني لا أملك نص الدكتور المسفر· لكن صحيفة “الأيام” صدرت يوم الثلاثاء الماضي وفي صدر صفحتها الأولى كلام غير مألوف، لا من البحرين ولا من صحيفتها الأولى· وسوف أترككم مع النص الكامل، لأن فيه القول والرد على القول:
“في رد على سؤال حول علاقة قطر بالكيان الصهيوني والأضرار التي يمكن أن تسببها تلك العلاقة للقضايا العربية، ادعى الدكتور في جامعة قطر محمد صالح المسفر في ندوته بنادي العروبة الليلة الماضية أن الصهاينة يجوبون كل دول الخليج بما فيها البحرين”·
“إننا في “الأيام”، من منطلق إيماننا بالقضية العربية وحرية الرأي والرأي الآخر فإننا نرفض محاولة د· مسفر اظلام الدرب المضيء للبحرين والتزامها التام بالقضية العربية، وهو ما يشهد لها التاريخ بذلك· وإذا كان الدكتور مسفر أراد بإجابته هذه المراوغة لإبعاد دولة قطر عن العلاقة الوطيدة التي تربطها مع الكيان الصهيوني فهذا يعود إليه· إلا أننا نرى أنه ليس من حقه أن يتهم الآخرين بهذه العلاقة دون أدلة وإثباتات يعرفها الجميع، حيث يجوب مئات من الصهاينة شوارع دولة قطر ويعمل القسم الأكبر منهم كمستشارين في بعض المؤسسات الرسمية”·
“إننا في “الأيام” نرجو من د· المسفر ألا يضطرنا الى ذكر أكثر من ذلك لأنه هو نفسه يعرف ما يدور في بعض الطوابق بالمؤسسات الرسمية القطرية (···) نقول للدكتور مسفر إن البحرين لم ولن تكون مكانا للصهاينة··”·
ثم تمضي “الأيام” في سرد المزيد من التفاصيل في ردها على الضيف الذي اختار المنامة نفسها مكانا يدلي فيه بآرائه· والحقيقة أن مثل هذا المناخ صعب وفي إمكان الخليج العيش من دونه· خصوصا أن مجلس التعاون مقبل بعد أسابيع على ولاية جديدة لأمين عام من دولة قطر·
“الشرق الأوسط” 24/1/2002 |