| الأرجنتين جمهورية غنية بالموارد الطبعية· فمساحتها 2780 ألف كم2 (أكثر من ضعف مساحة مصر)، ولا يمثل الجزء الصحراوي، الذي لا يمكن أن تزدهر فيه الزراعة ولا الرعي، إلا أقل من 6% منها (عكس الحال في مصر حيث تغطي الصحارى الجرداء أكثر من 90% من المساحة الكلية)· وعدد سكانها لا يتجاوز 37 مليون ومعدل زيادته السنوية 1,3% فقط· وقد ظلت الأرجنتين لعقود كثيرة من أكبر مصدري القمح واللحوم ثم ركزت مؤخرا على زراعة الفواكه المتنوعة مستفيدة في ذلك من مناخها الذي يوفر بتنوعه زراعة كل المحاصيل بامتداده من الشمال إلى الجنوب بطول يتجاوز 2295 ك م· ويوفر النشاط الصناعي 32% من الناتج المحلي الإجمالي الذي يبلغ 277,9 مليار دولار محققا نصيب الفرد 7600 دولار· وعلى مستوى التنمية البشرية لا تزيد نسبة الأمية عن 3%·
ومع كل ذلك تشهد الأرجنتين انهيارا اقتصاديا وتمردا جماهيريا وعمليات نهب المتاجر وحرق البنوك والاعتداء على قوى الأمن واستقالة وزير الاقتصاد ثم رئيس الجمهورية المنتخب ديمقراطيا، واهتزاز جهاز الدولة وتعطل الخدمات· وكانت بداية هذا كله عجز الأرجنتين عن خدمة (فوائد + أقساط) الدين الذي بلغ 138 مليار دولار· وكانت الأرجنتين في طليعة الدول المدينة عند تفجر مشكلة ديون العالم الثالث في منتصف الثمانينات من القرن العشرين· واضطرت في وقتها إلى أن تبلع أدوية صندوق النقد الدولي والبنك بالغة المرارة· وكان في تقديرات معظم الخبراء أن الأرجنتين ستكون أول من يسترد العافية واستئناف النمو الاقتصادي· وكانت النتائج الأولى مشجعة· ولكن النخبة الحاكمة لم تتعلم شيئا من تجربة المكسيك التي حصلت على التسوية التي فرضتها المؤسسات المالية· وكانت هذه الأخيرة تهلل في نهاية الثمانينات بنجاح سياسات الإصلاح الاقتصادي وتسوقها نموذجا لبلاد العالم الثالث· وفجأة تفجرت الأزمة من جديد وانهارت قيمة العملة وخرجت رؤوس أموال ضخمة من المكسيك إلى جارتها المباشرة الولايات المتحدة· وعادت المؤسسات المالية لتفرض مرة أخرى تخفيض الإنفاق العام، تصفية عجز الميزانية والعودة إلى سعر صرف مقبول وتقييد الائتمان وبيع ما بقي من القطاع العام· وكلها في التحليل الأخير إجراءات يتحمل عبئها الفقراء والطبقات الوسطى· وذلك هو السيناريو المتكرر في عدد كبير من بلدان العالم الثالث· وهو يبدأ بالإفراط في الاقتراض من الخارج لتمويل مشروعات لم تدرس بأمانة جدواها الاقتصادية، توهم أن ضبط المؤشرات الرئيسية للاقتصاد الكلي يصلح الأحوال حتى في الأجل الطويل، مع أنه في نظر أصحابه لا يفعل إلا تهيئة جو أفضل لاستئناف جهود التنمية، وتلك ظاهرة آنية تطير أجزاؤها ما لم تتغير السياسات المالية والاقتصادية تغييرا حديا يخلصها من عيوب وقصور السياسات السابقة وفي مقدمتها انتشار الفساد في دوائر صنع القرار في المجتمع كله·
من المؤسف أن وسائل الإعلام عندنا لا تعير أي اهتمام يذكر لما يجــري فـــي بلــــدان أخرى في آسيا وأمريكا اللاتينيـــة، بـــل إن معظم خبرائنا لا يعطــــون ذلك أي اهتمـــام، وفي نظـــرهم أن أهـــم شـــيء هــــو ما يجري في القطب الواحد المسيطر على كل أموــر البشــر· ويبدو أن شعــار “من يمشــــي مع الأغنياء يغنى، ومن يمشي مع الفقراء يزداد فقرا< الذي نجده في الفولكلور المصري ولا غرابة في أن الحكام يأخذون به· |