رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 السبت 19-25 رجب 1422هـ الموافق 6-12أكتوبر 2001
العدد 1497

المرأة الخليجية: شيء من الترف وقليل من الحقوق
د.سعيد الشهابي

من بين القضايا الساخنة - الباردة في دول الخليج تبرز قضية المرأة كعنوان لحوار يتصل احيانا وينقطع احيانا اخرى، يظهر الى العلن وعلى الصفحات الاولى في الاعلام المحلي ثم يتلاشى بريقه· وتبقى قضية المرأة موضوعا للشد والجذب بين الاطياف الفكرية والسياسية والدينية في اغلب البلدان، وليس في منطقة الخليج فحسب· وفيما يشاهد حضور المرأة الخليجية في هذه الايام في المنتجعات السياحية في اوروبا وجنوب شرق آسيا، على نطاق واسع، يطرح التساؤل عن مدى توفرها على حقوقها القانونية والمدنية بالمستوى المادي نفسه المتوافر لها· فمظهر البذخ لدى المرأة الخليجية السائحة يعكس ظاهرة يتم تعميمها في اذهان المشاهدين، لكن الواقع في دول الخليج مختلف عن ذلك، اذ لا يتوافر لاغلب النساء الخليجيات هذا المستوى المادي، بل إن هناك مستوى غير قليل من الفقر غير مرئي احيانا لغير المطلعين على الامور·

 النقاش حول المرأة من الناحية الدينية لا يقتصر على الاسلام· ففي الكنيسة المسيحية لم تحسم بعد مسائل عديدة مثل ان تصبح المرأة كاهنة، او زواج الراهبات، وما يزال ذلك النقاش سببا للكثير من الخلافات والتصدعات في الاوساط الكنسية· فالكنيسة الكاثوليكية اكثر تشددا ازاء هذه القضايا ومعها الكنيسة الارثوذوكسية، ولا تستطيع المرأة ان تحتل موقع البابوية، وحتى في الكنيسة الانجليكانية لا تستطيع المرأة ان تحتل موقع الاسقف، ولم يسمح لها بان تكون كاهنة الا قبل خمسة اعوام فقط، الامر الذي أثار حفيظة الكنائس الاخرى· وفي ظل تجربة الحكم الاسلامي في ايران تطرح بين الحين والآخر هذه القضية كعنوان للنقاش الفقهي، فهل يجوز او لا يجوز ان تتولى المرأة منصب الرئاسة والقضاء؟ وفي الدوائر الدينية تطرح التساؤلات عن دورها في القضاء والمرجعية الدينية· ومنذ طرح المشروع الاصلاحي اصبح للمرأة حضور اكبر في الساحة الانتخابية ورجح ذلك الحضور ميزان النجاح للرئيس خاتمي· ولا تزال المرأة عنوانا للاختلاف بين الاطياف السياسية الايرانية، فهل يفرض حجاب المرأة قانونيا ام يترك ذلك للقرار الشخصي؟ وهل يعاقب منهن من يخالف ما اصبح عرفا في نظام الجمهورية الاسلامية ام ان الفرض بالقوة لا يؤدي الى نتيجة؟ فبينما يرى التيار الديني المحافظ ان “الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن” وبالتالي فمن الضروري الحفاظ على حالة الوقار والحشمة ومنع الرذيلة الناجمة عن الاثارة عن طريق القانون، يتساءل بعض الاصلاحيين عن جدوى فرض القانون وما اذا كان ذلك سيؤدي الى قناعة ذاتية بارتداء الحجاب· لكن ذلك النقاش يتصل ايضا بقضايا الجريمة ودور القانون في منعها· ما يتصل بالنقاش حول العلاقة بين الفقه والاخلاق في بناء المجتمع الاسلامي· انه نقاش مستفيض اصبح يحتل موقعا اساسيا على صفحات الاعلام وفي اوساط المنظمات غير الحكومية·

وفي المملكة العربية السعودية يدور الجدل حول المرأة وحقوقها ابتداء بحقها في قيادة السيارة، وان كان جدلا خفيا لا يظهر بوضوح بسبب عوامل عديدة· ومنذ المسيرة النسائية التي خرجت في الرياض قبل بضع سنوات اصبحت السلطات السعودية اكثر اهتماما بقضايا المرأة، فأصبح لها شيء من الحضور في ساحة العمل الثقافي والاداري· وتحرص المملكة على الفصل بين الجنسين في اغلب مرافق الحياة خصوصا الجامعات والمستشفيات· لكن المرأة السعودية خارجة حتى الآن عن المجال السياسي، وحتى مجلس الشورى المعيّن لم يضم بين أعضائه امرأة واحدة، وان كانت هناك زيارات شبه منتظمة للمجلس من مجموعات نسائية تحدد رسميا· وسبب ذلك لا يقتصر على السلطة السياسية بل هناك تداخل معقّد بين الفهم الديني السائد في المدرسة الفقهية التي ينتمي إليها النظام والعادات الموروثة ونمط التفكير في المجتمع التقليدي خصوصا ما يتصل منه بالبداوة، وكذلك بطبيعة النظام السياسي القائم·

اما في الكويت التي تعتبر من الناحية السياسية اكثر دول الخليج انفتاحا، فلا تزال المرأة خارجة عن الممارسة السياسية، وممنوعة بشكل قطعي من اي دور في السلطة  التشريعية· وحتى عندما طرح الامير مرسوما بقانون يعطي المرأة  حق التصويت والترشيح وذلك خلال حل مجلس الامة قبل ثلاثة اعوام، رفض نواب المجلس اقرار ذلك المرسوم عندما عرض عليهم بعد الانتخابات النيابية، وفقا للمادة الدستورية التي تتطلب اعادة عرض جميع القوانين والمراسيم الصادرة في غياب المجلس على اعضائه بعد عودته· ويقول اعضاء المجلس ان سبب الرفض ليس بسبب معارضة حق المرأة في التصويت والترشيح بل لاقرار سلطة المجلس في قبول المراسيم الاميرية او رفضها· وقد شهدت قاعات مجلس الامة حضورا من قبل النساء الناشطات اللاتي انقسمن بين مؤيدة لهذا الحق ومعارضة له· ومنذ اكثر من خمسة عشر عاما بدأت المرأة الكويتية تطالب بحقها في الممارسة السياسية، وكانت تأمل ان يتم ذلك منذ زمن ولكنه لم يتحقق· فهناك تشبث بالموروثات والعادات من قبل اعضاء المجلس المنتخبين من القبائل او بعض التيارات الدينية المتشددة· هذا بالرغم من حالة التحرر في بعض الاوساط النسوية منذ عقود·  وبلغت جرأة بعض الكويتيات ان تعرض بعضهن لمناقشة الاحكام الدينية الامر الذي اثار سخط التيارات الاسلامية· ومع ذلك فالمرأة الكويتية حققت خارج الاطار السياسي تقدما واسعا في مجال الادارة والثقافة والادب· فمثلا جامعة الكويت ترأسها امرأة منذ عشرة اعوام تقريبا·

وفي البحرين ناضلت المرأة البحرينية منذ عقود الى جانب الرجل، ودخلت السجن وعذبت ونفيت واستشهدت لتحقق شيئا من الانجاز السياسي في الفترة الاخيرة· فقد شاركت المرأة البحرينية قبل اربعين عاما في المسيرات المعادية للاستعمار، ولم تعط حقها السياسي بعد الاستقلال في ،1971 وبقيت خلال الحقبة السوداء في البحرين مناضلة الى جانب الرجل، واعتقل العديد منهن في السبعينات والثمانينات، لكن دورها الاكبر تجسد خلال النصف الثاني من التسعينات عندما انفجرت الانتفاضة الشعبية· فوقّعت المرأة العرائض وفصلت عن العمل بسبب ذلك، وشاركت في المسيرات واعتقل العشرات منهن خلال هذه الفترة وعذب الكثير منهن،  واستشهد بعضهن· وخلال الشهور الاخيرة بدأت ثمار ذلك النضال، بعد ان اصبح هناك قناعة بضرورة الاهتمام بشؤونهن واضطرت الحكومة للاعتراف بشيء من حقوقهن السياسية· وبرغم تحديد اطر عامة لتلك الحقوق فسوف تبقى تلك الحقوق محكومة بالممارسة السياسية التي ستسمح الحكومة بها لاحقا، وينتظر الجميع اعادة العمل بالدستور وانتخاب المجلس الوطني للتعرف على مدى واقعية الوعود بحقوق المرأة· وفي الاسبوع الماضي صدر أمر اميري بتشكيل “المجلس الاعلى للمرأة” برئاسة قرينته، وهي خطوة ايجابية بشكل عام· وهناك توجه لتشكيل جمعيات نسائية غير حكومية لتأطير الانشطة النسوية وتوجيه طاقاتها لتحسين اوضاع المرأة في البلاد·

وكانت الحكومة القطرية قد سمحت للمرأة بالمشاركة في الانتخابات البلدية التي اقيمت العام الماضي ترشيحا وتصويتا، ولم يفز اي من المرشحات، ويتوقع ان يسمح لها بالمشاركة في الانتخابات البرلمانية التي وعد امير دولة قطر باجرائها في فترة لا تتجاوز نهاية العام المقبل· وعيّن السلطان قابوس بعض النساء في مجلس الشورى، وفي مواقع ادارية اخرى· وتطور موقع المرأة في دولة الامارات خصوصا في الجوانب الادارية·

هذه النبذة السريعة لموقع المرأة في المجتمع الخليجي تعكس وضعا غير مستقر وتوجهات غير راسخة لدى المؤسسة السياسية الخليجية· فمجلس التعاون الخليجي لم يحدد اطر الممارسة السياسية في الدول الاعضاء، ولم يتطرق من قريب او بعيد لدور المرأة وموقعها في عملية التنمية والادارة السياسية· وبالتالي بقيت القضية خاضعة للمناخات السياسية التي تحكم كل بلد· ويلاحظ غياب وعي المرأة في اغلب الدول الخليجية، وانعدام الرغبة في التعاطي مع ذلك الموضوع لاسباب سياسية او قناعات غير مؤسسة على ثوابت فكرية، وعادات موروثة عبر الاجيال· وكثيرا ما أقحم الدين في هذا الشأن بمبررات واهية· وهكذا يتم تجهيل المرأة (والرجل كذلك) بالحقوق السياسية والمدنية· وتتحاشى حكومات دول الخليج التصديق على المعاهدة الدولية حول المرأة التابعة للامم المتحدة، بذريعة وجود مسوغات دينية لذلك الرفض·

 من المسؤول عن الصورة السلبية الشائعة في الاوساط العربية والغربية على حد سواء؟ فمشهد المرأة الخليجية في شوارع لندن وباريس وجنيف في هذه  الأيام وهي ترتدي اغلى الملابس وآخر الموضات ومعها فريق من الخدم، لتذهب للتسوق في أغلى المحلات التجارية لا يمكن ان يعكس الجانب الانساني الذي تعاني منه هذه المرأة· فالخادمة الفلبينية المضطرة للعمل لمخدومتها الخليجية تحظى بحقها السياسي الكامل، فتذهب لصناديق الاقتراع في سفارات بلدها في الدول الخليجية، وتشعر ان حكومتها تحترم حقوقها السياسية وفق دستور بلادها، لكنها ترى مخدومتها تعيش في عالم آخر· هذه الخادمة الفلبينية توافرت لها انسانيتها السياسية وان كانت ظروف الحياة وشظف العيش قد اضطرتها للهجرة بعيدا عن بيئتها الطبيعية لتعيش بكرامة وتستغني عن الاستجداء· تشعرهذه الخادمة انها تكسب رزقها بعرق جبينها، بينما تتهيأ ظروف العيش للمخدومة بعناء أقل· تعلم ان سبب ذلك ليس العمل المتواصل بل وجود النفط الذي وفره الله لهذه المنطقة، ولكن اهلها فشلوا في تسخيره لخدمة الاجيال المقبلة بعد ان ينضب·

 النقاش حول دور المرأة في الخليج لا ينفك عن النقاش حول دور الرجل، فالمسألتان مترابطتان خصوصا في المنظور السياسي· الرجل لا يسمح له بالمشاركة السياسية الحقيقية وان كانت هناك ممارسة محدودة في الكويت وفق دستور مكتوب ليلائم “الاوضاع الخاصة”· ولا تزال بقية بلدان الخليج تمنع حتى هذه المشاركة المحدودة· وللاعلام دوره في التضليل والتجهيل· فهو مملوك في اغلبه للجهة التي ترى ان من مصلحتها تحجيم تطلعات مواطنيها لكي لا يطالبوا بحقوقهم السياسية او الانسانية· واذا لم يكن ذلك ا لاعلام مملوكا للحكومات فهو خاضع لرقابة وزارات الاعلام او السلطة السياسية كلها· وقضايا التوعية واثارة الشؤون التي تهم الرجل والمرأة محصورة بما يسمح به النظام السياسي· فهي اذن ازمة متداخلة يزيد من تداخلها وجود امكانات مالية تمكّن الحاكم من إسكات المناوئين او تكميم الافواه اذا اقتضت مصلحته ذلك· فانتشار ظاهرة المجتمع الاستهلاكي غير المنتج اصبحت عاملا سلبيا بوجه اي محاولة للتغيير· واذا كانت ثمة مظاهر لذلك التغيير كما يحصل في البحرين فانما بسبب النضالات المتواصلة عبر الاجيال، وهي نضالات متراكمة شارك فيها الرجل والمرأة جنبا الى جنب· ولا شك ان للبعد الديني اثره في تحجيم الحركة الحقوقية في اوساط المرأة· وقد يستغرب المرء ان  يعرف ان بعض القطاعات النسوية في الكويت تحرّك (بدافع ديني) لتبرير رفض مجلس الامة المرسوم الاميري الذي يقنّن للمرأة حق المشاركة السياسية، وتأكيد عدم حاجة المرأة لتلك المشاركة· واذا كان من مقوّمات المجتمع المدني قيام الجمعيات والمنظمات غير الحكومية لتكون خارج اطار النظام السياسي ولتعمل بحرية في اطار دساتير البلاد، فان الوضع في منطقة الخليج ابعد ما يكون عن هذا المجتمع· فحتى الاصلاحات التي تطرح احيانا لتعديل اوضاع المرأة او اي شأن آخر، كثيرا ما تكون قضية دعائية بحتة لا تنطوي على توجه فعلي لدى السلطة السياسية·

 المرأة الخليجية، شأنها شأن المرأة العربية والمسلمة، مطالبة بالنهوض· المشكلة انها كثيرا ما عوّلت على الرجل سواء لاعطائها الدور النهضوي او الدفاع باسمها في التشكيلات السياسية او الاعلامية· ونظرا للعلاقة المؤسسة على الموروثات القبلية والبدوية احيانا، فكثيرا ما اصطدمت التحركات النسوية بحواجز صخرية لا تستطيع تجاوزها· وثمة بعد آخر يتمثل بمحاولة بعض الفعاليات النسوية الخروج الكامل على عادات المجتمع وتقاليده وضرب القيم الدينية والتمسك بقيم التحرر التي بثتها التوجهات النسوية الغربية في الستينات (والتي اصبح الكثير منها مرفوضا الآن)، وتعتقد ان احداث التغيير يتطلب هز ضمير المجتمع بشكل عميق· لكن التجربة اثبتت ان تلك المحاولات فشلت في تحقيق اي تقدم لان قوى المجتمع الدينية اقوى منها· ولذلك فالمطلوب وعي تدريجي ليس بدور المرأة فحسب بل بدور الرجل وحقوقه كذلك· فما لم يتحقق للشعب برجاله ونسائه، حقوقه القانونية والمدنية والسياسية، فسوف تبقى محاولات اصلاح اوضاع المرأة واحدة من القضايا المعلقة او المطروحة للمزايدات بين النظام السياسي والقوى الاجتماعية التي تدعي الرغبة في التغيير· الامر الذي لا شك فيه ان ثمة تغيرا في موقع المرأة الخليجية بدأ يتبلور، لكنه تغير محدود جدا وبطيء ومسيّس· وحيث ان العالم يعيش “عصر الحقوق” كما يقول بعض المفكرين، وانه خرج من "عصر الواجبات" فقد أصبحت الفرصة متاحة للرجل والمرأة ان يتكاتفا لاحداث التغيير في بلدانهما ومن المؤكد ان قمة مكافحة العنصرية وكل أشكال التمييز المنعقدة حاليا في جنوب افريقيا، واحدة من المنابر التي نجح الوعي العالمي في توجيهها نحو مصلحة الشعوب خصوصا مع حضور آلاف المنظمات غير الحكومية· والمرأة الخليجية، ومعها الرجل، مطالبان بالعمل المتواصل للاستفادة من هذه المنابر، بالاضافة الى العمل الدؤوب داخل بلدانهم لاستيعاب هذه المرحلة من التاريخ البشري والاصرار على ربط بلدانهم بركب التغيير، مع ادراك خصوصية الانتماء للاسلام الذي يشجع على التغيير نحو الافضل، ويرفض التحجر والاستبداد والتخلف·

 

* مقال مأخوذ من الإنترنت من الموقع التالي:

  http: // www. vob. org

�����
   

التحرك لمنع اختطاف الطائرات:
د.عبدالمحسن يوسف جمال
زوبعة في فنجان:
د.مصطفى عباس معرفي
ما يقال كل يوم:
يحيى الربيعان
المشاركة:
أ.د. إسماعيل صبري عبدالله
مأزق خليجي!:
عامر ذياب التميمي
وحش “فرانكنشتين”:
سعاد المعجل
السيناريو المقبـــل:
أنور الرشيد
اليهود طليعة الإرهابيين:
عبدالله عيسى الموسوي
فوائد الحملة الدولية ضد الإرهاب:
مطر سعيد المطر
طارق عزيز يستنفر “الحرس الثقافي” في قبرص!!:
حميد المالكي
فــي الديمقراطية:
بدر العليم
المرأة الخليجية: شيء من الترف وقليل من الحقوق:
د.سعيد الشهابي
مشروع الميثاق الوطني دشن انفراجا سياسيا كبيرا بين الحكم والمعارضة:
عبدالرحمن محمد النعيمي