| إذا كنا فعلا نؤمن بالديمقراطية وبحرية الرأي، فإن علينا نحن الديمقراطيين الاعتراف بأننا في موقف صعب، لا نحسد عليه، موقف نتج عن حوادث التفجيرات الأخيرة في نيويورك وواشنطن وتداعيات الموقف الدولي من بعده·
فواقع الحال أن صحفنا كلها على اختلاف توجهاتها السياسية أصبحت فجأة ضد الإرهاب ومؤيدة لأمريكا في حربها الجديدة ضد من أسموهم بالإرهابيين المتطرفين فمن متبرعين بالدم الى مقدمين للزهور الى هتافين بسلامة أمريكا والقضاء على أعدائها حتى أن بعض الكتاب المعروفين بثوريتهم السابقة يدافع في عموده المعروف في جريدة الشرق الأوسط عن موقف أمريكا ويدحض مزاعم المشككين في سلامة نواياها السياسية تلك على حد قوله هي أمريكا التي بلغت درجة عالية من الديمقراطية والشفافية السياسية نعم شفافية وصلت لدرجة كشف عورة رؤسائها!
صحيح أن أمريكا دولة ديمقراطية في بلدها، وأن مواطنيها يتمتعون بدرجة عالية من الحرية إلا أن ذلك ينسحب عليهم فقط ويخصهم في حدود دولتهم وأن ذلك لا يمنع من كون أمريكا دولة لها ماضيها العريق في العدوان الدولي وأنها ما زالت تناصر أو تعادي البعض بناء على مصالحها الإقليمية، ألم تكن المناصرة الأولى لحركة طالبان الرجعية المتخلفة؟
ولو أن التقييم قائم على النظام السياسي فقط لكنا أكبر مشجعي دولة إسرائيل، أليست إسرائيل دولة ديمقراطية ضمن حدودها الصهيونية العنصرية؟ ولكن ذلك لم يمنعها من أن تكون في الوقت نفسه الدولة العدوانية الباطشة لأمن وحياة الشعب العربي في فلسطين·
ولو أن التناقض وقف عند هذا الحال، لهان الأمر حيث إن القوى الديمقراطية تواجه مأزقا آخر يتمثل في وقوفها ضد حركة طالبان الرجعية وضد جماعة بن لادن المتطرفة والمتخلفة ليس حضاريا فقط بل عقليا أيضا·
حيث لا يوجد ما يبرر مهما كانت الدوافع قتل أرواح الأبرياء الآمنيين سوى الجنوح في العنف اللاسوي، إن هذه الحركة الرجعية في محاولتها إرجاع العالم الإسلامي مئات السنين للوراء بحرمان المرأة من التعليم والخروج من المنزل ومعاملتها كالمتاع وإدارتها لأكبر تجارة للمخدرات في العالم إنما تجعلنا نشعر بالخجل من ارتباطها بنا ويحار المرء كيف يمكن لهذه الحركة المبالغ في تخلفها أن تؤثر في الشارع العربي، ولا نملك درء إحساس بالمهانة، ولكن ألا يقود التخلف الفكري والحضاري الى تخلف سياسي أليس هما وجهان لعملة واحدة؟
وهكذا سيغير كل أسامة اسمه باسم مختلف كما غير الكثير ممن يدعون صدام أسماءهم بعد حرب الخليج وأخشى أن يأتي اليوم الذي نصبح فيه بلا أسماء ولا عناوين·
وتأسيسا على ذلك يجب على كل القوى الديمقراطية المحبة للسلام والمؤمنة بالنضال السلمي الديمقراطي، أن تقولها صراحة: إننا ضد حادثة التفجير وحركة طالبان ولكننا في الوقت نفسه ضد سياسة أمريكا في الشرق الأوسط· وكفانا تمثيلا وهرجا وصبيانية سياسية· |