| منذ أكثر من ثلاثة عقود ومجالس الأمة المتعاقبة تحاول جاهدة إصدار قانون جديد للمطبوعات والنشر يتفق ومتطلبات العصر وينسجم ومفاهيم الحرية ويتناغم وتطور الإنسان· بيد أن الجهود الدؤوبة المخلصة في هذا السياق كانت دوماً تصطدم بعقبة العقلية السلطوية التي ترى في قضية التوسع في الحرية الفكرية، وبخاصة في مسألة إصدار الصحف، ترى في هذه القضية مساساً بسيادة الدولة وتعرضاً لهيبة السلطة التنفيذية وانتقاصاً من صلاحياتها· ويبدو أن مجلس الأمة قرر أخيراً مجاراة الحكومة في فهمها الضيق لهيمنة الدولة على قضايا الفكر والرأي فخرجت علينا لجنة التعليم والثقافة والإرشاد بمشروع قانون جديد للمطبوعات والنشر يرضي غرور السلطة التنفيذية ويحجر على الرأي أكثر مما يسمح به وينتقص من مبادئ الدستور المعنية بحرية الفكر والرأي والنشر والتعبير· ولعل الميزة الوحيدة لمشروع القانون الجديد تتمثل في استبداله عقوبات الحبس الواردة في القانون الحالي بالعقوبات المالية·
مشروع القانون الجديد يجعل الأصل في مبدأ الترخيص للصحف والمجلات التحريم والاستثناء هو السماح، ففي مادته التاسعة يشير المشروع بقانون إلى أن عدم رد وزير الإعلام على طلب الترخيص خلال ستين يوماً يعني آلياً الرفض، بينما الأصل أن يعني عدم الرد الموافقة· كما أن التظلم من عدم منح الرخصة يوجه إلى وزير الإعلام أيضاً والذي يعتبر حكمه نهائياً· وفي المادة 11 يجعل مشروع القانون من وزير الإعلام خصماً وحكماً في آن واحد حيث تعتبر قراراته في شأن التظلمات بإلغاء التراخيص قرارات نهائية· ومشروع القانون يضع دوائر حمراء حول موضوعات غير قابلة للنشر، حتى وإن كانت ضمن دراسات علمية جادة، فالمادة 13 تحظر أموراً عدة وبأشكال مختلفة بما فيها النقد· وفي حين نتفق مع الرؤية العامة بحظر المس أو الطعن أو السخرية أو التجريح فإنه لا يمكننا الاتفاق مع رؤية أعضاء اللجنة التعليمية في مسألة النقد، والذي لا يعني القدح أو الذم بقدر ما يشير إلى التحليل والدراسة والاستنباط والاستقراء، وهي أمور من ثوابت المنهج العلمي ومن أسس المحاكمة العقلية ومن ركائز منطق حرية الفكر والبحث العلمي·
وأخيراً، وليس آخراً، فإن لغة مشروع القانون تحتاج إلى سباكة جديدة، وبخاصة فيما يتعلق بالأخطاء النحوية فيها، والتي تشبه في ركاكتها قراءة نشرات الأخبار في تلفزيونات وإذاعات دولة الكويت· |