| على الرغم من الازدحام الكبير الذي شهدته المجتمعات العربية منذ بداية التسعينات، بوجود كم هائل من المنظمات الأهلية والنسوية تحديداً، إلا أن تشوشاً واسعاً مازال يكتنف عمل ووظائف هذه المنظمات، ويستنتج ذلك بوضوح من طبيعة توجهاتها وبرامج عملها، ولغة خطابها، والأهم من طبيعة علاقتها مع الجمهور الذي تنطق باسمه وتمثل مشاكله وهمومه!!
فقد نشأت عشرات المنظمات الأهلية الجديدة في بلداننا العربية ذات وظائف متخصصة مثل: حقوق الإنسان، البيئة، حقوق الطفل·· الخ أو ذات وظائف أكثر شمولية؟ ويفرح الواحد منا حتماً عندما تضيء أمامه فكرة تعبر عن هموم قطاع أو أكثر من مجتمعاتنا العربية المقهورة، ولكن المحزن في ذات الوقت أن حاملي هذه البرامج والعناوين قلما يتوجهون بخطابهم وبرامجهم نحو الفئات الاجتماعية الأشد قهراً وحاجة، ويكتفون بمخاطبة النخب السياسية والاجتماعية·
مئات ورش العمل والمنتديات عقدت في السنوات العشر الأخيرة في العواصم العربية، ولكن القليل منها فعلاً كان ميداناً لحوارات ديمقراطية جدية، أو تمت فيه استخلاصات ونتائج تطويرية النقطة الأضعف هنا في عمل وصمود معظم منظماتنا الأهلية هي هشاشة علاقتها بجمهورها واستغراقها في برامج عمل ثانوية بالنسبة لاهتمامات وحاجات القطاع الأوسع من النساء العربيات·
على العكس تماماً كان الوضع في الخمسينات وحتى أوائل الثمانينات حيث شكلت المنظمات الأهلية نموذجاً واضحاً في ذلك الوقت لمقاومة الاحتلالات الأجنبية ومعالجة الآثار اللاإنسانية التي خلفتها سياسة الاستعمار والتبعية والتخلف وغياب الديمقراطية الاجتماعية، لذلك كان دورها وطنياً واضحاً، وذا أبعاد قومية لا لبس في انتمائها، وأهمية تلك المنظمات أستندت بصورة أساسية لحضورها الشعبي الدائم في الميدان على قاعدة برنامج وطني وقومي واضح المعالم·
الوضع الآن اختلف تماماً، من حيث البنية الاجتماعية والسياسية والاقتصادية في بلداننا العربية: الحديث عن هذا الموضوع طويل ولا مجال له هنا ولكن المنظمات الأهلية العربية لم تقدم جواباً على الأوضاع الاجتماعية المتردية التي لحقت بشرائح واسعة في الوطن العربي الكبير ومازالت تدور في مساحة ضيقة، وهي شديدة الارتباك فتارة تشكو من قلة منسوب الديمقراطية "وهذا مشروع أيضاً"، ولكن في إطار مفاهيم وعلاقات مرتبطة بمنظمات غربية ودولية لا تمتلك أهلية التضامن مع أوضاع مجتمعاتنا، بقدر ما يشتبه بهويتها وارتباطاتها بثقافة ومهمة عولمة الاقتصاد!!
ودعونا نقول: عن غير قصد، نشهد إنجراراً غريباً لبرامج تفرض على أجندة عدد واسع من المنظمات الأهلية في بلداننا العربية، حيث تستنفذ طاقات عدد كبير من الكوادر النسائية النشطة في تنظيم ورش العمل ــــ المكلفة جداً ــــ وكتابة التقارير، ووضع الاستراتيجيات، دون أن يقابل هذا العمل البيروقراطي نشاطاً ميدانياً واسعاً في صفوف النساء المضطهدات: إما بسبب اتساع حجم الفقر، أو بسبب انتهاك الحقوق الإنسانية والاجتماعية، أو بسبب شيوع مظاهر التخلف وانتشار الأمية الأبجدية وضعف المشاركة في الحياة العامة، فما هو سبب حالة هروب المنظمات الأهلية من الاستحقاقات التي فرضتها الظروف والتطورات على مجتمعاتنا العربية؟؟ وتحديداً في السنوات العشر الأخيرة؟
إذا افترضنا حُسن النية نقول إن معظم هذه المنظمات قد عجزت عن تقديم الجواب ولم تستطع الربط بين المتطلبات الوطنية والقومية، وبين المهام الملقاة على عاتق مؤسسات المجتمع المدني في مثل هذه الفترة المعقدة؟! وفي جوانب أخرى ودون أن ننحاز مع أو ضد هذه المؤسسات، فبرامجها البعيدة عن المتطلبات الوطنية يشكل عامل هروب إلى الأمام من تسلط النظام الرسمي وانخفاض منسوب الديمقراطية، الأمر الذي يضعها في مأزق العزلة، وهو مأزق قاتل حقاً ويهدد جوهر وظيفة هذه المنظمات·
مما لا شك فيه أن النظام الرسمي العربي - وهو ليس موحداً على كل حال - يتحمل مسؤولية كبيرة في إطلاق دور مؤسسات المجتمع المدني كافة· ولكننا الآن بصدد توجيه الأنظار نحو ما يمكن أن تقوم به هذه المنظمات نفسها، بعيداً عن حالة الانتظار، واستمرار الشكوى والهروب من المستحقات الاجتماعية الضرورية في مجتمعاتنا المتخمة بالمشاكل والقهر·
إذ لابد من مراجعة برامج المنظمات الأهلية، والتدقيق في علاقاتها الديمقراطية الداخلية، والتمسك باليافطة الوطنية والقومية قولاً وفعلاً·
إن آخر ما نحن في حاجة إليه، هو أن تصطدم مشاعرنا وعقولنا بتراجع دور المنظمات الأهلية والتي تشكل جزءاً عضوياً من مؤسسات المجتمع المدني، إنها ليست في حاجة للبحث عن دور، فدورها حاضر وجاهز وواضح كما لم يكن في أي فترة زمنية مضت، ويبقى على عاتقها أن تلتقط هذا الدور وتلتحم به جنباً إلى جنب مع القواعد الشعبية العريضة، بعيداً عن اليافطات التضليلية، ودون أن نقع في فخ خدمة ثقافة النظام العالمي الجديد· |