| ما يجري في إيران يستحق المتابعة والدراسة واستخلاص الدروس· فهذا أحد بلدان العالم الثالث يشهد تجربة الانتقال إلى مجتمع ديمقراطي حقاً، فهو قدوة لدعاة التغيير في أقطار الجنوب· وهو أيضاً بالغ الأهمية للإسلام الحي والمسلمين الذين يتمسكون بالدين ويناضلون للجمع بينه وبين الديمقراطية· وهذا أيضاً حدث جديد جدير بالدراسة من كل القوى التي تتطلع للديمقراطية تحت ظروف لا مثيل لها في دول الغرب المتقدمة·
وأول ما يجذب انتباه الباحث هو إقبال المواطنين على المشاركة في الانتخابات نتيجة إقناعهم بجدية الأمر، ووسيلة مثلى لتطوير أوضاع الوطن والمواجهة المسؤولة والبعيدة عن العنف مع القوى المحافظة· وترجع هذه الثقة إلى إقناع الجماهير بنزاهة الانتخابات· ومنذ اقترب يوم التصويت تكاثر عدد مراسلي الصحف الكبرى في الغرب وانتشروا بكل حرية لمتابعة الواقع في أماكن التصويت وكان معظمهم يتطلعون إلى "ضبط" حالة تزييف أو إبعاد للناخبين بالقوة المسلحة أو معركة شرسة بين مؤيدي خاتمي ومعارضيه ويشهد الجميع الحرية الكاملة لعملية التصويت والأمانة في عد الأصوات·
ولم يصوت الإيرانيون "لقائد ملهم" أو زعيم قادر على فعل كل شيء· فالرجل الذي صوتوا له قال علناً إنه ليس ساحراً ولاصانع معجزات وأن كل تجديد وإصلاح في إيران رهن بالتأييد الشعبي الواسع وسالت عبرات على خديه وهو يذكر المصاعب والمشكلات التي تقف حجر عثرة· ولكنه يعتمد على التأييد من جماهير عريضة أغلبها من النساء والشباب· وهم يطالبون قبل كل شيء بحرية الفكر والتعبير وحصول المرأة على حقوق مساوية لتلك التي يحصل عليها الرجال· إن كل من تابع على شاشات التلفزيون تجمعات الناخبين أمام لجان الاقتراع لابد أن يندهش بكثافة اشتراك النساء والشباب وما ينادون به من مطالبة بالحريات السياسية والمساواة بين المواطنين في الفرص المتاحة، وكذلك يبدو اهتمام وسائل الإعلام العالمية في الانتخابات الإيرانية اهتماماً يفوق ما كتب وقيل عن الانتخابات البريطانية لأنها ربما كانت أولى تجارب العالم الثالث في التحول الديمقراطي بالوسائل السلمية بعيداً عن كل صور العنف·
أثبتت الانتخابات الإيرانية مدى خطأ من يدعون أن شعوبنا متخلفة وتضم نسباً عالية من الأمية، وبالتالي لا جدوى لأي محاولة ديمقراطية لأنها تضرب في المهد ولن تحرك الجماهير ساكناً للدفاع عنها· لذلك تثبت هذه التجربة للذين - مؤيدي ومعارضين - يزعمون أن الإسلام يرفض الديمقراطية الغربية·
وأحسب أن كل دعاة التحول الديمقراطي في مصر عليهم أن يدرسوا ويتابعوا نجاح قوى التقدم والإصلاح الاجتماعي في تجميع صفوفها عبر كل الاختلافات التي تقسمها في بناء هذا التجمع الشعبي العريض في ظروف وأطر ليست مواتية للتحول الديمقراطي والإصلاح الاجتماعي· ولذلك أدعو لتجاوز كل العقبات التي تعوق عودة العلاقات الدبلوماسية بين مصر وإيران، وأن تتكاثر زيارة الوفود المتبادلة وأن تبحث مجالات التعاون الممكنة في النضال من أجل تنمية متسارعة الوتيرة تخفف عبء الفقراء والبطالة والتهميش الذي يقع على نسبة كبيرة من السكان في القطرين· يجب أن ننسى الشاه ومحاولاته الرجعية وتأييده لإسرائيل ومعاداته للعرب فكل هذا ضاع في "مزبلة التاريخ" كما يقال ويجب أن نحرص على التعاون مع جارنا الملاصق والذي لا يمكن تجاهله"· |