| ليس من سبيل لمد بقاء الرئيس الأمريكي في البيت الأبيض أكثر من ثماني سنوات بالعد والحصر· فإذا كان الرئيس الخارج قد تقدمت به السن فإنه يعد المنصب تتويجاً لحياته كلها ويأخذ سبيل التقاعد- في مدينة صغيرة عادة- بعيداً عن الأضواء· وليس له من خيار آخر لأن وسائل الإعلام تسقطه تماماً من حسابها، إذ لا يصلح اسمه أو صورته أو كلماته في إثارة مشاعر الجماهير· انظر مثلاً لجيمي كارتر الذي لم يجد وسيلة لأن يذكره الإعلام ولو في مكان متواضع إلا اهتمامه بقضايا نزاهة الانتخابات في بلدان العالم الثالث· ولعلك تذكر ريغان وما كان يحف به دائماً من ضجيج إعلامي (ألم يكن الرجل أصلاً من ممثلي هوليوود؟) وتعلم أنه أصيب بمرض فقد الذاكرة كاملة حتى أنه لا يتعرف على قرينته· وأخيراً بوش الأب الذي فشل في البقاء لمدة ثانية في منصبه إذ أزاحه كلينتون وانعزل بوش تماماً وابتعد كل البعد عن حملة ترشيح ابنه للرئاسة· والجديد الذي نصادفه في حالة كلينتون هو أنه يخرج وأمامه عمر متوقع 51 عاماً يحتفظ بكامل قدراته خلال نصفها على الأقل· ومن هنا جاء حرصه الشديد على أن يترك بصمته على التاريخ الأمريكي بعمل خارق·
وقد ظن الرجل بمشورة معاونيه المباشرين المتعاطفين مع إسرائىل (أولبرايت، برجر روس··· إلخ) أن يحقق طموحه بحل "مشكلة الشرق الأوسط" وهو الاسم المستخدم عندهم للإشارة إلى العدوان الصهيوني الفاجر ونضال شعب فلسطين الذي لا تخبو جذوته إلا لتتقد من جديد على مدى أكثر من نصف قرن· ولم ينجح الرئيس الطموح في أن يكون الخصم والحكم الذي هو كما يقال "القطب الأعظم" في فرض الخنوع على الفلسطينيين أو الديبلوماسية على الإسرائىليين· وأحسب أن هذا ما دفعه إلى زيارة فيتنام ليصفي آثار أول هزيمة حربية كبرى حلت بكبرى الدول الكبرى··! لقد غزت القوات الأمريكية أرض فيتنام غداة هزيمة فرنسا ليبقى هذا الشعب الذي حمل السلاح ضد اليابان التي احتلت أرضه في بداية الحرب العالمية الثانية، ثم ضد الاحتلال الفرنسي الذي حكم مستعمرته السابقة وكأن شيئاً لم يكن· وزعمت الولايات المتحدة أن آلتها العسكرية الضخمة قادرة على سحق الثورة الوطنية والاجتماعية في فيتنام لتحمي العالم كله من "المد الشيوعي"· واستخدمت واشنطن في هذه الحرب الضروس كل ما تملك من أسلحة، لقد خشيت من الآثار العالمية التي تنالها إذا فعلت بهانوي ما فعلت بهيروشيما، فامتنعت عن السلاح النووي· ولكنها استخدمت على أوسع نطاق الأسلحة الكيماوية· وكان أشنعها الغاز المسمى "أورانج" الذي نثرته طياراتها على غابات فيتنام وزروعها ليسقط أوراقها· ولكنه فعل أكثر من ذلك· لقد قتل وشوه مئات الألوف من الأبرياء العزل· وأكثر من هذا ثبت أنه يؤثر على أجيال ولدت بعد الحرب مشوهة بمفعوله· وبقيت مشكلة "رعاية المولودين معاقين" في رأس جدول أعمال حكومة هانوي· لقد قتل السلاح الأمريكي نحو ثلاثة ملايين فيتنامي ولكنه لم يقتل ارادة الحرية والاستقلال، وخرج في 1975 مهزوماً من آخر موقع له في سايجون· وفي صورة لا تنسى رأينا السفير الأمريكي يفر إلى آخر طيارة والعلم الأمريكي مطوي في إبطه· وخسر الأمريكيون على حد قولهم 58 ألف مقاتل، يضاف اليهم المعاقون جسمانياً والمنهارون نفسياً· وتلك الخسائر تصغر بالمقارنة بجرح الكبرياء الأمريكي: أكبر وأقوى دولة في العالم المعاصر يهزمها شعب صغير من بلد متخلف· وكلينتون يحاول اليوم أن يلتئم هذا الجرح الغائر· ويذكرني شكله وهو يحيي ذكرى القتلى من الجانبين بصورة القاتل في الصعيد (صعيد مصر) حين يسعى إلى بيت القتيل حاملاً كفنه على يديه بعد أن يكون وسطاء الخير قد وفقوا بين الأسرتين على الصلح وإنهاء الثأر· ولا يتم ذلك إلا بطقس "الموت الرمزي" للقاتل بديلاً عن إزهاق روحه· |