| التاريخ هو علم تدوين الماضي، وقد بدأت دراسة التاريخ لدافعين، الأول هو أن أحداث الماضي تشكل قصصاً لها جاذبيتها للمتلقي، والثاني هو أنها تساعد الإنسان على فهم الحاضر واستشراف المستقبل، وأضيف أن دراسة الماضي على نحو معين تؤثر في موقف الإنسان من حقائق الحاضر، فدراسة تاريخ دين أو قومية معينة تعمق الشعور بتلك الهوية، وتهيب بالمتلقي الارتفاع الى مصاف أجداده الذين صنعوا تاريخه وبنو أمجاده، وهي وسيلة ناجحة للهروب من حاضره·
في الواقع مازالت كتب السير تعاني نوعاً من فقد المصداقية، فلو تأملنا سير الشخصيات التاريخية والكارزمية منها، لاسيما في الحقل الإسلامي، فإننا سنجدها قد أمضت عملية صياغة وتشكيل الصورة القدسية المثالية للشخصية الكارزمية داخل الأوساط المسلم بإيمانها وصدقها، طبقاً لمنهجية الثقافة الشفهية في البداية، ثم انتقلت إلى عملية التدوين، وهي خاضعة لمزاج المؤرخ من حيث عقيدته أو علمه أو انتمائه السياسي، مما تدفعه إلى التركيز على ظواهر معينة دون سواها، وفهمها بطريقة معينة وفق معطياته التي قدمنا لها· وبهذا لا تكون كتب السير متسمة بالموضوعية، بل وللأسف لايزال الجانب "الخرافي" من السير هو الأكثر إضاءة وأهمية، وقد كثر الجانب الاختزالي فيها·
إن منهاج القصص والإخراج الخرافي والاسطوري للحكاية ونسج الحبكة من الأحداث من أجل تشكيل رؤية معينة أو تقوية بعض العقائد أو إعلاء قيم معينة، هو الأسلوب المتبع في كتب السير والمعاجز، وتجدها هي القوة الملهبة والمحركة للتصورات الجماعية داخل الحركات الأصولية·
والخرافة قلما خلت من أن تكون متناقضة فيما بينها لأن أحداً لا يحاول أن يوفق بين الخرافات المتناقضة ويكتشف مغزى السبك، ذلك أن هذه هي النتيجة الحتمية السلبية للعقلية الأصولية، فكلما زاد معيار الخرافة وجب عدم عرضها على العقل من باب التسليم، وهي مسألة طردية·
إذن يجب على الباحثين والمفكرين الشروع في الجلد العلمي، وإعادة قراءة السير للشخصيات الكارزمية والتاريخية الإسلامية قراءة علمية متجاوزين حاجز اللامفكر فيه، لتخرج الينا سير عقلانية سليمة علمياً· |