|
في الوقت الذي تشتعل فيه الأرض المحتلة بانتفاضة شعبية عارمة حماية للمقدسات الإسلامية، وفي الوقت الذي تسحق فيه آلة الحرب الإسرائيلية عظام الأطفال وتهشم جماجم الشيوخ، وفي الوقت الذي تهيمن الغطرسة الصهيونية فيه على القرار في دوائر صنعه في واشنطن، في هذا الوقت بالذات تطل علينا قرون شيطان العراق مجدداً، يؤجج الساحة الخليجية ويشعل الساحة العربية ويشغل الرأي العام الدولي عما يجري في القدس وفلسطين بعامة· وفي الوقت الذي تتنادى فيه الأصوات العربية والإسلامية بالحاجة إلى موقف "حد أدنى" من تضامن الجهود لمواجهة الخيلاء الإسرائيلية، وفي الوقت الذي تلتف فيه القاهرة ودمشق والرياض بالدعوة إلى قمة عربية، وفي الوقت الذي تردد الكويت فيه صدى دعوة القاهرة ودمشق، في هذا الوقت بالذات يجد طاغوت العراق فرصته السانحة لإعادة التوتر إلى ضفاف الخليج لشل كل هذه الدعوات العربية المخلصة ووأدها في مهدها خدمة لمن يسندون كرسي حكمه·
ليس غريباً أن تتزامن الأزمة التي افتعلها نظام بغداد مع انتفاضة الأرض المحتلة وليس من باب الصدف أن يحشد صدام بؤساء العراق على الحدود بدعوى باطلة في هذا الوقت بالذات، فبقاؤه في السلطة مرهون بتنفيذه "السيناريو" المرسوم له، وهيمنته على رقاب العراقيين مرتبطة بإطاعته العمياء لتنفيذ الأوامر الصادرة له· كما أنها ليست المرة الأولى التي يؤزم فيها النظام العراقي الموقف، في وقت يكون فيه العرب والمسلمون في أمس الحاجة إلى التلاحم والتعاضد لصد العدوان الإسرائىلي على مقدسات الأمة ومقدراتها· فمن قبل صعدت بغداد الموقف مع الأمم المتحدة وطردت المفتشين الدوليين، كما خلقت الأزمات الواحدة تلو الأخرى مع السعودية تارة ومع الكويت تارة أخرى ومع الخليج تارة ثالثة، وفي كل مرة كانت الأحداث على الساحة العربية تشتعل بقضايا مصيرية· وقد أصبح جلياً أن النظام العراقي هدفه من خلق هذه التوترات إبعاد أنظار العالم عما يجري من انتهاكات لحقوق الإنسان العربي على يد آلة الحرب الإسرائىلية·
وإذا كان التاريخ سجلاً للماضي فهو أيضاً مؤشر للمستقبل وأحداثه، فكل طغاة العالم تمتعوا بالحماية من قبل القوى العظمى حتى يلعبوا دورهم المناط بهم في خدمة مصالح هذه الدول· لكن حماية هذه الدول لهم ولأنظمتهم سرعان ما جردت إذا استدعت المصالح المتغيرة ذلك· وصدام، مثله مثل بقية طغاة الدنيا، يتمتع اليوم برضا صانعي القرار في تل أبيب، بل وحتى في واشنطن، فمهمته لم تنته بعد ودوره بقي عليه الكثير· لكن، وفي اللحظة التي يكون فيها صدام قد استنفد أغراضه، فإن غطاء حمايته سيزول ليتسلمه شعبه المنكوب به، وليكون مصيره مثل مصير الطغاة من قبله· |