| نشأ الإضراب عن العمل في أوروبا الغربية مع بدايات عصر الصناعة الآلية وازدهار نشاط التصنيع وفي غيبة كاملة لإطار قانون يضمن للعمال حداً أدنى من ظروف العمل والمعيشة· ورفعت الرأسمالية الصاعدة شعار "حرية العمل" بمعنى حظر كل إجراء يقيد العامل عن السعي للحصول على عمل في أي مكان وفي أي فرع من فروع النشاط الإنتاجي· وقد حررت الحكومات الرأسمالية "أقنان الأرض" الذين كانوا ملزمين بالبقاء في إقطاعية وزراعة أرضها ودفع نصيب السيد الإقطاعي، وهكذا زاد عرض العمل في حين كان الطلب عليه من الصناعة الناشئة مازال محدوداً، وبالتالي عمل الناس (ومنهم النساء والأطفال) بأدنى الأجور، وفي ظروف عمل قاسية، وساعات عمل يومية تتجاوز 12 ساعة· وكان من الطبيعي أن يولد هذا الاستغلال البشع حركة مقاومة أخذت أشكالاً مختلفة في المواقع المختلفة، وكان أكثرها بدائية حرق المصنع أو تدمير آلاته· وعلى الطرف الآخر نشأت الجمعيات التعاونية الاستهلاكية لحماية العمال من استغلال تجار التجزئة الذين لم يشقوا في المصانع· ثم أصبح الإضراب عن العمل السلاح الرئيسي للعمال، إذ إنه ينتقص مباشرة من ربح صاحب المصنع بسبب توقف الإنتاج، ثم استقر الإضراب كحق أساسي للعاملين نصت عليه الدساتير الديمقراطية·
ولكن ما حدث من إضرابات بمناسبة الارتفاع المفاجئ والكبير في أسعار البترول لم يكن للعمال دور فيها، ومن دعوا إليها وخاضوها كانوا من صغار الرأسماليين (أو رجال الأعمال بلغة الحكومة ووسائل الإعلام في مصر)· فأصحاب الشاحنات معظمهم ممن يملكون سبع أو عشر شاحنات فقط ولكنها معدة للاستخدام في نقل البضائع سليمة عبر طرق أوروبا· وهذا مجال لم تهتم به كثيراً الشركات متعددة الجنسية، أم من قيل عنهم في الإعلام المصري "الفلاحون" فهم رأسماليون يستثمرون في الزراعة ويسمون بالانكليزية "مزارعين Farmers"· ويمكن بالتالي أن ينقل بعضهم نشاطه من مجال الزراعة إلى التجارة أو الصناعة· وملكياتهم كبيرة وزراعتهم آلية لا تحتاج المزرعة الكبيرة إلى أكثر من 5-3 عمال كلهم فنيون· أما النقابات العمالية- بما فيها نقابات سائقي الشاحنات- فإنهم لم يكونوا طرفاً في هذه الإضرابات الأخيرة·
والدلالة المهمة لتحرك هذه الأعداد الكبيرة من صغار الرأسماليين، على نحو عطل حركة الانتاج والتوزيع، لا سيما حين حاصر المتظاهرون المحطات الرئيسية لتوزيع المنتجات البترولية، هي أن الكوكبة تضر حتى بصغار الرأسماليين في الدول التي تضم المقرات الرسمية لتلك الشركات· |