| انتفض شعب بلاد الصومال ضد الطغيان الذي أجاعه وأمرضه وأذله وأهدر موارد بلاده المتواضعة ولأسباب كثيرة خارجة عن ارادته لم يستطع الصومال إكمال مسيرته إلى الحرية والاستقرار والتمتع بنظام الحكم الديمقراطي العادل بل سقط في مستنقع بلا قاع وتهدده الكثير من الكوارث المحدقة به والتي تشير كل المؤشرات إلى أنها سوف تؤدي به إلى الانقراض إن لم يهرع المجتمع الدولي وخصوصا اخوته في الاسلام وأشقاءه العرب لتقديم يد العون لمساعدته على الخروج من محنته العويصة
قد يقول قائل إن المجتمع الدولي قد سبق وهرع بعدته وعتاده إلى نجدة شعب بلاد الصومال وكان جزاؤه جزاء "سنمار" والاجابة على هذا القول هي أن شعوب بلاد الصومال ليست شبيهة بشعوب "غرناطة" ولا "بنما" ولكل شعب خصوصياته ونؤكد أن حجم الجهود الدولية البشرية والمالية الملحوظ منها والمحمود الذي أهدر في بلاد الصومال خلال الحملة الدولية كان يكفي إذا أحسن استخدامه، ليس فقط لإعادة الاستقرار والنظام الى بلاد الصومال بل أيضا سد العجز في موازنة الدولة لمدة عشر سنوات وتمويل مشاريع خطط التنمية الخمسية "1990 ــ 1995"، وكان من المؤكد أن يتم بذلك القضاء نهائيا على الفاقه والفقر المدقع وهما السببان الرئيسان وراء الازمة في البلاد ولكن لسوء حظ جميع المعنيين فقد فشلت الحملة الدولية لانقاذ شعب بلاد الصومال رغم النوايا الدولية الطيبة، هذا وباءت بالفشل ايضا كل المحاولات الكثيرة اللاحقة لاحلال الوفاق بين الفرقاء المتقاتلين عن طريق عقد مؤتمرات لأغراض الصلح، ويجب أن نذكر أن الفشل الذي لحق سواء بمساعي الحملة العسكرية الدولية أو بمؤتمرات الصلح التي عقدت كان من الممكن تداركه عن طريق اجراء التشاور اللازم بين الجهات التشريعية والتنفيذية الدولية المعنية ومستشاريهم المعنيين لأغراض توعية الذين كانوا قائمين على أعمال الحملة في الميدان بكينونة شعب الصومال واعلامهم بطبائع وانفعالات الشخصية الصومالية المثيرة للجدل وعادات وقبائل شعب الصومال المتعاضدة التي أخطأت العمل بالحديث الشريف "انصر أخاك ظالما أومظلوما" وارشادها بخصوص نمط إدارة شؤونها وأسلوب حياتها الاجتماعية من أجل وضع الخطط والأساليب الملائمة لمخاطبتها وقد نتج عن ذلك الجهد أن استخدم المشرفون على أعماله الحملة في الميدان قواعد مداخلات متخلفة ساذجة مستوردة عند تعاملهم مع الأزمة الصومالية وقد أدى أسلوب عمل الحملة غير الملائم هذا إلى تدهور العلاقات بين الجانبين التي تردَّت حتى بلغت حد المواجهة التامة والقتال الشرس الذي أودى بأرواح الكثير من الجانبين وانتهى الأمر بمغادرة القوات الدولية لبلاد الصومال·
ويجب أن نذكر أن شعوب بلاد الصومال لم تشهد عبر تاريخها الطويل قبل ميلاد السيد المسيح عليه السلام وحتى بدء احتلال الدول الصناعية الغربية لبلادهم في مطلع القرن العشرين، لم تشهد أي نظم إدارة مركزية بل كانت تعتمد في إدارة شؤونها الحياتية على نظم إدارات أهلية لا مركزية ابتكرتها بنفسها وطورتها لخدمة مصالحها ولذلك كان من الممكن اللجوء إلى هذه الأجهزة الإدارية الأهلية للاستعانة بها عند مخاطبة الفرقاء المتخاصمين وحصر وجودهم·
وقد تم انجاز ذلك بصورة مثيرة للاعجاب في جمهورية أرض الصومال حيث اجتمع شيوخ وحكماء ووجهاء القوم وتباحثوا في أمور إحلال الوفاق فيما بينهم وتفكروا في سبل توثيق تعاملهم الصادق المفيد مع بعضهم بعضا وتم اختيار جهاز تشريعي من بينهم وتعيين جهاز تنفيذي لتخطيط وتنظيم وتنفيذ إدارة متطلباتهم الحياتية وقد استتب الأمن والوفاق بينهم منذ عام 1994، وإن مواطني جمهورية أرض الصومال الآن منهمكون في أعمال اعادة اعمار بلادهم وتوطيد دعائم الأمن والاطمئنان في ربوع بلادهم· غير أن المشرفين على أنشطة الحملة الدولية عن قصد أو غير قصد لم يعملوا بذلك بل لسبب أو آخر استشرى العداء بينهم وإحدى المجموعات المتقاتلة ودون المجموعات الأخرى وانصرفت القوات الدولية عن أداء مهامها الأساسية وغرقت في تصعيد القتال مع هذه المجموعات مستغلة تفوقها العسكري وكان وقع ذلك على المجتمع الصومالي عموما المتقاتلون منهم والمسالمون معا وقع الصاعقة وبمثابة "القشه التي قصمت ظهر البعير" إذ أن تعامل الحملة الدولية بغلظة نحو فئة صومالية دون أخرى لم يفقدها مصداقيتها بين الصوماليين فقط بل أثار الشك في مدى قدرتها على احتواء الأزمة بالإضافة إلى أن تصرفات المشرفين على الحملة غير الموفقة قد استفز الشعور القومي العام وعمل على اشعال نار النعرات العشائرية والقبلية والعائلية المعقدة التي كانت خامدة تحت الرماد واندلع لهيبها لتأتي على الأخضر واليابس في البلاد وبلغت حصيلة مداخلات الحملة الدولية في الصومال عند مغادرتها البلاد أن تجاوز عدد المجموعات المتقاتلة العشرات وأصبح السلب والنهب المسلح على الملأ وفي وضح النهار وفتك المرض والجوع بالنساء والأطفال وكبار السن الذين لم يستطيعوا الهرب من البلاد· حقا لقد بلغ السيل الذبى في بلاد الصومال ونضح الكيل بعد أن امتلأ، لكن مهما يكن من أمر فيجب عدم القبول بالهزيمة والاصرار على بلوغ الهدف النبيل وهو احتواء الأزمة الدائرة رحاها في الصومال ولضمان النجاح في هذا الخصوص يجب الابتعاد عن المفاهيم المستوردة والنظريات غير المتوافقة مع طبيعة الأحوال في ميدان الأعمال واجراء الدراسات "الضرورية" والمشاورات اللازمة للحصول على درجة متقدمة من الادراك للأسباب التي وراء الهوس المحتدم في إقليم الصومال الجنوبي وفهم كيفية العمل لاحتوائه ووضع الخطط والبرامج الجادة لتنفيذ ذلك ولا يمكن أن يتم ذلك بسهولة إلا إذا تم الاعداد الجاد لذلك وإن انجازات جمهورية أرض الصومال في هذا الخصوص لمثال حي ودليل قاطع بامكانية تحقيق ذلك·
إن مضمون وتطلعات مؤتمر جيبوتي المقترح حول الأزمة الصومالية العويصة كما هو مبين في نشرات وتصريحات القائمين على المؤتمر ونوع قطاعات البشر وعدد المدعوين لحضور هذا المؤتمر بالتأكيد ليس لهم صلة من بعيد أو من قريب بالصراع القائم بين الفئات المتقاتلة الكثيرة في أرض المعارك كما أنه لا يتطرق إلى واقع الأحوال في البلاد ولذلك فإن مؤتمر جيبوتي حول الأزمة الصومالية لا ينطوي على مقترحات علاج عملية تتضمن في باطنها مصداقية إحراز نجاح لاحتواء الأزمة الصومالية وبالتالي فإن جلسات ومداولات مؤتمر جيبوتي حول الأزمة الصومالية لن تتعدى أن تكون مثل المؤتمرات الكثيرة السابقة غير الملائمة التي عقدت في هذا القرن، فلن تتعدى اجترار تعابير الملق والخطب الجوفاء وبناءً على ذلك فإن حكومة ومواطني جمهورية أرض الصومال وبسبب انشغالهم في أعمال إعمار بلادهم ليس لديهم الوقت لضياعه في مداولات مثل هذه المؤتمرات المفلسة·
* كاتب من الصومال |