| شاهدنا في مثل هذه الأيام قبل ربع قرن صورة السفير الأمريكي يغادر سايجون (عاصمة فيتنام الجنوبية) يدلف إلى طيارة متأبطا علم بلاده الذي التقطه حين سقطت السفارة في هجوم كاسح شنته قوات المناضلين الفيتناميين· هرب الرجل بعلمه كما نقول "هرب بجلده" وفي هذا اليوم المشهود سجل التاريخ هزيمة أقوى دولة في العالم استخدمت كل وسائل التدمير ومنها الأسلحة الكيميائية فيما عدا القنابل الذرية وطبقت أحدث المفاهيم العسكرية التي أفرزها البنتاجون حتى ذلك التاريخ أمام شعب فقير "متخلف" بحسابات التقدم التقليدية، ويعظم قدر هذا الشعب إذا أضفنا أن هذا اليوم كان في الوقت ذاته نهاية لثلاثين عاما من حرب التحرير· فحتى بداية الحرب العالمية الثانية كانت فيتنام وجارتاها كامبوديا ولاوس تعرف عند الأوروبيين والأمريكيين باسم "الهند الصينية" التي استعمرتها فرنسا بعد أن فشلت في الاستيلاء على جزء من شبه القارة الهندية ودول جنوب آسيا، وحين طرد الاستعمار الياباني فرنسا رافعا شعار "آسيا للآسيويين" لم يخدع القوى الوطنية في فيتنام التي قاومته كما كانت تقاوم سلفه، وتواصلت مقاومته مع حركة المقاومة في فرنسا للاحتلال الألماني والنازية، وعقد كثيرون على تماثل النضال ضد المحتل الأمل في تغيير موقف فرنسا بعد تحريرها مما ذاقته من احتلال· ولكن باريس أصرت على موقفها الاستعماري وأعلنت تمسكها بكل جزء من أراضي الامبراطورية الفرنسية·
وهكذا بدأت منذ أواخر عام 1945 حركة مقاومة للاستعمار الفرنسي، وهزم الشعب الفيتنامي جيوش فرنسا التي سلمت بعد حرب ضروس كلفتها الكثير واستمرت تسع سنوات وبعد هزيمتها المنكرة في موقعة "ديان بيان فو" اضطرت إلى تسليم النصف الشمالي من فيتنام لقوات الثورة، ثم بدأت في الانسحاب التدريجي من النصف الجنوبي الذي عرف باسم جمهورية فيتنام الجنوبية، وهب الاستعمار الأمريكي ليحل محل الفرنسي وكان الغزاة الجدد مغرورين بتقدمهم العملي والتكنولوجي وما أفرزه من أسلحة يحسبونها كفيلة بكسب حرب عالمية ضد الاتحاد السوفييتي، وكلما تأخر النصر زاد تورط الولايات المتحدة، وإزاء طول القتال وما ارتكبه الأمريكيون من فظائع وخسائر بشرية جسيمة برزت في أمريكا حركة شعبية تطالب بإنهاء الحرب وهرب كثير ممن كانوا في سن التجنيد - ومنهم كلينتون - إلى الخارج·
وإذا كان نصر فيتنام دليلا ناصعا على الجسارة والقبول بالتضحية في سبيل الوطن والشعب فإنه إيضا دليل على الجَلَد، فمن اليسير بروز البطولة عبر الاستشهاد في معارك تحسم في أسابيع أو شهور، أما تحمل كل هذه التضحيات على مر ثلاثين عاما فهو مثل نادر قل أن نجد له مثلا في التاريخ، وإلى جانب الجسارة والجلد سطع الإبداع الثوري، ونسوق هنا مثلين: الأول، هو عبقرية الجنرال جياب وأقرانه في تصور مقاتلة العدو بسلاح غير سلاحه، كان العدو يتحرك بالدبابات الضخمة والمصفحات التي يمكن أن تثقل حركته، واعتمد الجيش الفيتنامي على الحركة السريعة وفي اتجاهات متعددة، استبعد الدبابات وأقنع السوفييت بانتاج صواريخ "كاتيوشا" المحمولة على الكتف والتي تخرب الدبابات، وفي حرب أكتوبر دمر جندي واحد ما يزيد عن عشر دبابات اسرائيلية بهذا الصاروخ· والمثل الثاني، هو مواجهة تفوق السلاح الجوي الأمريكي الساحق الذي واجهه الفيتناميون بإنشاء أنفاق ومساكن تحت الأرض بحيث أصبح لكل قرية فوق الأرض قرية مماثلة تحتها· وامتدت الأنفاق إلى أطوال غير مسبوقة أشهرها طريق هوشي منه من شرق كامبوديا إلى مشارف سايجون· وما زالت أجزاء من هذه الحياة تحت الأرض مصونة وهي اليوم مزار سياحي يستهوي الأمريكيين· وأخيرا استخدمت واشنطن سلاح المقاطعة والحصار الاقتصادي· ولكن مكانة فيتنام الآن وحكمة قادتها وحرص شعبها على النظر إلى المستقبل أجبرت واشنطن على إعادة العلاقات الدبلوماسية مع هانوي والتخلي عن حظر التعامل معها أو زيارتها، وبطبيعة الحال سارعت الشركات متعدية الجنسية التي مقرها في الولايات المتحدة إلى منافسة تلك التي مقرها الاتحاد الأوروبي أو اليابان في التجارة والاستثمار وخطب ود الشعب البطل· |