رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 الأربعاء 4-10ذي القعدة 1410هـ -9-15فبراير2000
العدد 1414

الكراهية الثقافية!(1-2)
إسحق الشيخ يعقوب

أشياء من نصوصه ومفرداته وآرائه وتساؤلاته تنداح في طوايا تموجات ذاكرتك·· موجة·· موجة·· تتدامج بلورية عند هذا الرأي·· وتتفاتل شفيفة عند ذاك الرأي·· وتتصافق مُربّدة على صخور قيعان التراث·· مثيرة أكثر من سؤال·· ما برح يؤرق ذاكرة الأمة العربية برمتها!!

في مجلة "العربي" الغراء العدد 493 ديسمبر 1999 يمِّوج الدكتور راشد المبارك موجات ذاكرتك بمقالة مثيرة للجدل والتأمل ويضعك أمام فلسفة الكراهية·· المنوطة بالعلاقة المشوهة بالآخر: هو ليس واعظا ولا يتقاطع مع الوعاظين··· فالكتابة الوعظية تحمل في تلافيفها صيغة انفرادية الذات في تشويه الآخر·· الكتابة الوعظية كتابة رداحة لا تستهدف الايقاظ والتغيير·· إنها تغرف من شطآن الكم الآسن·· وتحاذر النوع المتجدد·· من حيث إن الحياة جدل·· والخلق والإبداع من ألفه إلى يائه منوط أبدا بالجدل·· هو ينفض خيوط ذاكرتك·· في خيوط ذاكرته·· وينسج أسئلته في تواضع جم·· متوخيا وإياك الاقتراب من الحقيقة على قارعة الاختلاف في الرأي!!

تراه يأخذ بك الى ضفاف حميمية رؤياه ويضعك وجها لوجه سلسلة من تساؤلات "هلاته": هل الكراهية فضيلة أخلاقية؟ هل هناك أمة محظوظة عندما تمارس كراهية الآخرين؟

هل يمكن أن تجتمع الكراهية لفرد أو جماعة و مذهب أو موقف مع صواب وعدالة النظر الى هذا الفرد أو الجماعة أو المذهب أو الموقف؟

هل يمكن أن يكون الكاره المبغض لشيء متجردا أو نزيها أو عادلا في موقفه من هذا الشيء ونظرته إليه وحكمه عليه؟

هل سيرى الكاره لشيء المبغض له مزايا هذا الشيء وحسناته كما يرى عيوبه ونقائصه؟

هل ستكون قراءة المبغض لذات أو أفكار أو مواقف من يبغض قراءة الباحث عن الحق العاشق له والمتعطش إليه؟

هل المبغض للآخر شيء من طبيعة النفوس يوجد فيها ويخلق معها كما يوجد النبات الشرير وينبت بلا بذور ويحيا بلا جذور؟

وأمام هذه "الهلات" المسكونة بأبعاد وعي الثقافة والفلسفة·· يسبح بالمتلقي في أوقيانوس عقلانية متمردة مفتوحة الصدر رحبة الشواطئ والحدود·· فالعقل حجة أبدية للتعبير·· وهو يفقد قيمة أدائية طبيعته المتمردة إذا تمحور في التفكير دون أن يستشرف نشاطه تعبيرا ونطقا وكتابة وعملا!!

إن تهميش التعبير يعني بالضرورة تهميش التفكير وتهميش التفكير يعني تهميش العقل·· لقد بلغ الإنسان ذروة حسن تعويم إنسانيته بالعقل·· وقد خلق الله الإنسان في أحسن تقويم·· بتقويم عقله الذي يميزه عن الحيوان··· إن تشويه العقل وتهميشه أداء يصب في رؤى تتعارض مع الإرادة الربانية!!

ولقد تكونت المجتمعات البشرية تكوينا جدليا ماديا تاريخيا·· وتمرحلت في مختلف نقلاتها النوعية: من المشاعية الى العبودية والى الاقطاعية والرأسمالية والاشتراكية·· بتأثير العقول وحركة صراعاتها الطبقية عبر منعطفات التاريخ العظيمة·

فالمجتمات تنمو بتعددية الآراء المختلفة الاتجاهات في فضاءات حرية المناقشة العلنية·· بصرف النظر عن تباين الأفكار·· وهو ما يزيل الكثير من الالتباسات التي تعتور وضوح الرؤيا وتفت من عضد الكراهية وتدفع الى مجتمعات تعمل على تبيان الرشد من الغي وخلق مجتمع التسامح القائم على تعدد الآراء والتصورات والمفاهيم·· مجتمع لا إكراه في دينه·· ولا تطرف في شرائعه ومقاصده الفقهية!!

واحسب أنه لا يمكن إصلاح أمة العرب إلا بإصلاح عقولها·· وأن إصلاح عقولها لا يمكن أن يأخذ انطلاقته الصحيحة الواثقة·· إلا باحترام هذه العقول وإعطائها مطلق الحرية في النشاط والتفكير والحوار والمناقشة العلنية الحرة·· فالعقول تسمو بمعارفها العلمية·· والمجتمعات التي تكظم حريتها·· مجتمعات ميتة ساكتة··· بسكوت وموت عقولها!!

ولا يمكن لعقول مثل هذه المجتمعات أن تفرق بين النتيجة والمقدمة·· بين العلة والمعلول·· وهو ما تطرق إليه دكتورنا الفاضل راشد المبارك تجاه ما حل بالعرب والمسلمين من هوان وهزائم ونكبات حيث يقول: "في ظل واقعنا الكئيب جعلنا كلمة الاستعمار جوابا لكل سؤال مهما كانت صعوبته، ولباسا لكل حالة مهما كان مقاسها، وحلا لكل معادلة مهما كانت درجتها، لقد أدمنا ترديد ذلك وأطلنا الحديث عنه والتدليل عليه"·

إن وضع الاستعمار مشجب لكل واردة وشاردة في بؤسنا وفي هواننا ونكباتنا وهزائمنا يدلل عليه الدكتور راشد المبارك بواقعية لا تنفي الأصابع الاستعمارية في المساهمة في تكريس هواننا وبؤسنا وشقاء شعوبنا العربية والإسلامية·· إلا أنه لولا هوان عقولنا لما هانت أفكارنا ورؤانا وتعابيرنا ومواقفنا ونشاطنا·· وقد قال الأقدمون منا "البعرة تدل على البعير"· ويؤكد الدكتور راشد المبارك على واقع بؤسنا في إعطاء شهادة براءة لذاتنا والبحث دائما عن مشاجب جديدة لدفع خزي وعار ما لحق بأمتنا في سببية دوائر بعيدة عن سببية دوائرنا قائلا: "فإذا رحل الاستعمار فلا بد من البحث عن بديل يؤدي خدمته، لذلك استولد الاستعمار الراحل مولودا جعلناه علة استمرار هذا الوضع وبقائه والحراسة له، هذا المولود عرف تعريفا معجميا تردده المحافل والحناجر والأقلام وكل وسائل النشر والتلقين بنفس الديمومة والإلحاح··· لقد وجدنا في هذا المولود السعيد الجواب لكل سؤال مهما دق، والرد على كل استفهام مهما اشكل، والتعليل لكل حدث مهما عظم، هذا المولود "النظرية" هو المؤامرة·

إن هاجس "المؤامرة" الذي استحوذ على نبض عقولنا وقلوبنا·· فيما آلت إليه أوضاعنا من تردٍ·· وتشظت عليه نفوسنا من تمزق·· يستمد ردة فعل خيبته من الخيبة الاجتماعية والفكرية التي تمسك بتلابيب عقولنا وتكبل أفكارنا وتقيد مفاصل حركة حريتنا·· من مفرق رأس القمة حتى أخمص أقدام القاعدة!! وإلا ما علاقة المؤامرة الاستعمارية بتدني منسوب التعليم بيننا·· وتعثر المشاريع الصحية والاقتصادية والثقافية والخدماتية والبيئة لدينا·· واغتراب الحرية والتعددية والديمقراطية في البنى الاجتماعية والسياسية لأوطاننا!!

إن "نظرية" المؤامرة هي نظرية تبريرية إدرائية·· تبرر ساحة القمة تجاه القاعدة وتدرأ شبهات الفساد والتواطؤ والعشوائية تجاه المسؤولية الوطنية والقومية الملقاة على عاتقها·· وتزيف الوعي الوطني والديمقراطي·· وحقنه بالقدرية الاستعمارية··إنها أشبه بالعقاقير المهدئة والمسكنة لآلام الشعوب ومعاناتها·· ولا غرو فإن لذلك صدى حسنا عن الدوائر الاستعمارية في إظهار هذه الدوائر مظهر القوة والتفوق·· ولا يستبعد الدكتور راشد المبارك أن يكون الاستعمار ذاته وراء غرز شجرة نظرية المؤامرة في تربة الأوطان العربية والإسلامية·· والحدب على نبتتها والعناية بها وتقليب تربتها وتعريفها "لشمس" أجهزة الإعلام المكتوبة والمسموعة والمرئية·· حيث يقول: "هل هناك أكثر إسعادا للخصم من شعور خصمه بتفوق الأول عليه دهاء وتخطيطا؟ أليس في ذلك إغناء للخصم على كل الوقت والمال والجهد لكي يوقع في قلب خصمه وعقله هذا التصور للهزيمة لا للنصر؟ هل هو شيء مستبعد إن الأعداء أو الخصوم هم الذين أطلقوا هذه المقولة "النظرية" وأشاعوها وروجوا لها، وإذا كان الأمر كذلك فهل ينفعنا أن نؤكد ما أطلقوه وأشاعوه؟"·

 وكم تكون مأساتنا صارخة في بؤسها وبشاعتها إذا كان الاستعمار ذاته يلقننا "المؤامرة" وينظّرها لنا·· ونقوم طوع وعينا بتطبيقها والتآمر بها على أنفسنا وعلى شعوبنا وأوطاننا!!

�����
   

من سيضع النقاط على الحروف؟:
د.عبدالمحسن يوسف جمال
هكذا تكلم "بوناصر":
د.مصطفى عباس معرفي
يوم المرأة الكويتية:
يحيى الربيعان
العرب والعولمة!:
عامر ذياب التميمي
الكراهية الثقافية!(1-2):
إسحق الشيخ يعقوب
حوار الحكيم.. بين الشعب والنظام!!:
سعاد المعجل
الخداع... ودور المثقف المطلوب:
عادل رضـا
المشاركة النفطية إلى أين؟:
أنور الرشيد
العراق بين يديك
العراقيون ديمقراطيون وقوميون وليسوا عشائريين وطائفيين:
حميد المالكي
الكويت بلد الأصدقاء:
فوزية أبل