| مصادفة ممتعة وثرية بالعبر لمن يعتبر· ففي الوقت الذي شهد فيه مجلس الشعب مناقشات حامية الوطيس، وارتفعت أحيانا أصوات المتعارضين الى مستوى الصراخ، وامتلأت القاعة العريقة على نحو لم تنجح أهم القضايا السياسية أو الاقتصادية أو الاجتماعية أو الثقافية في تحقيقه، في هذا الوقت ذاته كانت فرنسا مشغولة أيضا بقضية المرأة ودورها في السياسة· لقد حصلت المرأة الفرنسية على حق التصويت والترشيح في كل المجالس التمثيلية المنتخبة في 1945 فقط، غداة الحرب العالمية الثانية وحسن بلائها في مقاومة الاحتلال الألماني ومن تعاونوا معه، وللذكرى نشير الى أن عبدالناصر أقر بالحقوق السياسية للمرأة المصرية في 1956 أي بعد فرنسا بإحدى عشرة سنة فقط· أما ما يشغل الفرنسيين الآن "ذكورا وإناثا" هو أن الجمعية الوطنية "مجلس النواب" تضم أربعين امرأة فقط بين أعضائها "517 عضوا"·· حقا إن الشخصية الثانية بعد جوسبان "رئيس الوزراء" في حكومة تحالف اليسار المتعدد هي السيدة ارتين أوبرى التي تردد اسمها من قبل كمرشح متميز لمسؤولية الأمين العام للحزب الاشتراكي، وعلى اليمين انتخب الحزب الديجولي "جناح شيراك" لرئاسته سيدة فازت من خلال منافسة شديدة على رجلين، ومن ثم كان لا بد من التصدي للوضع خصوصا في الانتخابات التشريعية·
وهذه الظاهرة ليست غريبة تماما فالتزام الدولة باحترام حقوق الإنسان وفي مقدمتها حرية الرأي والتعبير يمكن أن يكون لمواطن رأي في قضية عامة ولكن إمكانية نشره في وسائل الإعلام تبقى بيد المسؤولين عن تلك الوسائل سواء أكانوا بيروقراطيين يرفضون أي خلاف مع السلطة وأصحابها، أم كانوا رأسماليين تحكمهم آليات التوزيع التي توفر لهم أكبر ربح ممكن· وقد لاحظ عدد كبير من المشغولين بحياة الناس العاديين بواقع أنها لا تعطي صوتا للفقراء ومعظم متوسطي الحال اللهم إلا محاولات حشدهم للتصويت في الانتخابات·
وبرز من خلال هذه الدراسات والمناقشات مفهوم جديد وهو "التمكين" أي تمكين المواطن من أن يستخدم بالفعل حقوقه السياسية وليس فقط عن طريق ممثليه المنتخبين· والوسيلة المطروحة هي توفير آليات مشاركة المواطن في صنع أي قرار يؤثر في حياته·
ويعكس برنامج حزب التجمع الذي أقر في العام الماضي "بناء مجتمع المشاركة" بأمانة تطور الفكر السياسي الحديث ومقتضيات الواقع المصري·
ونعود الى فرنسا فنذكر أن الحزب الاشتراكي طرح فكرة حجز حصة من المقاعد البرلمانية للمرأة· ولكن "المجلس الدستوري" أفتى بأن مثل هذا الإجراء يتعارض مع نص الدستور عن المساواة المطلقة بين المواطنين جميعا دون تمييز لفئة على أخرى· انتهت الأمور الى الدعوة الى حل اختياري بمقتضاه يلتزم كل حزب بأن يكون نصف مرشحيه من النساء· وما العمل إذا خالف حزب ما هذا التوجه؟ الحل متوافر في فرنسا لأن الحكومة تقدم للأحزاب بمناسبة الحملات الانتخابية مساندة مالية محددة بقواعد واضحة تمنع المحاباة وهكذا قالت الحكومة إنها ستمنع هذه المساندة عن أي حزب لا يلتزم بهذا التوجه العام·
ونعود الى مصر لنسمع في مجلس الشعب أصوات من يدعون الى الحفاظ على "سيادة" الزوج في أسرته وعلى زوجته أو زوجاته في المقام الأول· إن كل سيادة يقابلها عبودية· والرجل الذي لا يستطيع مشاركة زوجته في تصريف شؤون الأسرة الى جانب ما تطمح به كإنسان في حياتها، أصلح له أن يشتري أمة من سوق نخاسة ما، لا أن يخطب امرأة حرة· |