| عرفت النازية والفاشية·· بكراهيتها المتطرفة للثقافة والمثقفين·· وكان "غورنيغ" عدو الثقافة اللدود يقول: "عندما اسمع كلمة ثقافة·· فسرعان ما أمد يدي الى مسدسي" وذلك لأن الثقافة هي الركيزة الأساسية لتكريس إنسانية الإنسان·· واكسير حريته في التفكير والقول والرأي والعمل·· ونتاج استمرارية عطاءات العقل البشري التاريخية·· من هذا المنحى يأتي الربط الجدلي بين الثقافة وحرية الإنسان في التفكير والعمل وإطلاق حرية العقل ليعطي ويبدع ثقافة تأخذ دورها الحضاري والإنساني في هذا الكون· والثقافة من حيث نزعتها الإنسانية تناهض التعصب والتطرف والتخلف·· وتفتح صدرها الرحب للأصالة والمعاصرة على حد سواء·· وهي ترتبط أبدا بالعقل المنطلق·· الذي يأبى القيود والأصفاد·
وإذا ازدهرت الثقافة·· ازدهرت الشعوب والمجتمعات وتعاظم التآخي والتواد والتآلف والتكافل بين هذه الشعوب·· والأمن الثقافي هو الركيزة الأساسية التي تخضع لها جميع المفاهيم الأمنية الأخرى فيما يتعلق بمتطلبات بناء الإنسان والمجتمع· وعندما تتوطد آلية الأمن الثقافي وتزدهر·· تتوطد وتزدهر المرافق الأمنية الأخرى في المجتمع·· والأمن الثقافي معني بأن يعطي الأمن للعقل البشري في حرية التأمل والتفكير والعمل·· ويزيل من أمامه جميع القيود والأصفاد·· التي تكبل حريته وانطلاقه·· وإذا كانت المفاهيم النظرية التي ترتبط بمرافق وأقسام الأمن الاجتماعي·· هي نتاج العقل وآلية الفكر الإنساني ونتاج خبراته في الحياة·· فإن الثقافة هي بالضرورة نتاج هذا العقل والتفكير الإنساني وخبراته في الحياة·· من هذه الحيثية يمكن الإمساك بخيط الجدل الرفيع والوثيق··· الذي يرتبط بين نتاج الأمن الثقافي والأمن الاجتماعي بشكل عام·· فحين يتوطد ويتأكد الأمن الثقافي ويأخذ حيز مداراته العامة والخاصة·· فبهذا يعني أن حرية العقل والرأي والتفكير والعمل توطدت وتأكدت وانعكست بشكل إيجابي على آليات مرافق الأمن في المجتمع·
لقد نفقت قطعان الفاشية·· وذهبت تعاليم الهتلرية والنازية أدراج الرياح·· إلا أن أقوال: "غورنيغ" هذه تجد أذنا صاغية حتى الآن لدى الكثير من الحكام العرب·· الذين تتسلل أياديهم الى مسدساتهم عندما يسمعون كلمة ثقافة··· يقول أحد الزملاء المعنى بالثقافة العربية وحرفة الأدب: إن دهاقنة صناع القرار في الدول الخليجية يشددون علينا بأن نكتب ضمن "الاستقامة" وعدم تجاوزها·
الكاتب "المستقيم" الذي لا يخرج عن "الاستقامة" والاستقامة تتشكل لدى الكاتب··· وتأخذ أبعادها المرضية لدى دهاقنة صناع القرار في عمق الرقابة الذاتية أي البوليسية الذاتية في أن يضع الكاتب شرطيا في داخله يحدد مسارات أفكاره ومشاعره وهواجسه ورؤاه ضمن الاستقامة أي ضمن رؤى ومشاعر وأفكار صناع القرار ويسألني: كيف ترى حضور الأدب والنقد عندنا··· ويضع قوسين على كلمة "عندنا" كي أحدد له الجواب·· فكلمة عندنا شاملة شمول ترامي أطرافنا·· وتباعد موقع واقعنا·· وتشتت شتاتنا··!!
قلت له: قل لي من يتولى نصوصنا الأدبية والنقدية·· في ملاحقنا "ومجلاتنا" الثقافية·· أحدد لك واقع حضور الأدب والنقد عندنا·· فكما تكونون ثقافيا وإبداعيا يولى عليكم· إذن فالعلة ليست في النصوص الأدبية والنقدية فقط·· بقدر ما تكون أيضا في عقول ومصداقية أولئك الذين يتربعون على أوتار هواجسنا وأحاسيسنا الثقافية والأدبية·· وحواصلهم فارغة·· أشبه بحواصل دجاج تبحث بمناقيرها وأرجلها عن قوتها اليومي في النفايات ووجبات الهمبورغر الجاهزة· (إذا لم تكن متوقد الذهن·· مترع الأنفاس بالثقافة والأدب·· متوهج الأحاسيس الأدبية والإبداعية·· إذا لم تتسلح بمعارف الفنون الثقافية والفكرية والأدبية وتتوهج في أعماقك موهبة المبدعين·· وتتشكل لديك خواص الذائقة الفنية والأدبية المعنية بإرهاف المشاعر واصغاء الأذن وتشخيص العين وارتواء الذاكرة والوجدان برحيق النزعة الإنسانية ومعارف الثقافة·· فسوف يسود الظلم والجهل والعجز أمام عملية الانفجار في أعماق النصوص الأدبية واكتشاف مفاتنها الإنسانية والوجدانية والفكرية··· وسيختل ميزان العدل أمام من نصب نفسه قاضيا وفقيها في حياتنا الثقافية والأدبية والفنية· إذن فالإشكالية ترتبط بحواس الذوق الفني، في بؤس النظرة التقييمية والنقدية للنص·· وفي جذور سطحية وسذاجة وبؤس الذوق الفني لدى هذا أو ذاك·· العاجز تماما من النزول الى أعمال النص الأدبي·· إن العشوائية والمزاجية والنرجسية والشللية المطبقة على ملاحقنا "ومجلاتنا" الثقافية هي التي تساهم في تفعيل وتهميش هذا وإبراز ذاك·· دون أن تدرك خطورة المسؤولية الثقافية المفترض لها أن تسود وتتجذر في حياتنا الثقافية بشكل عام·
كيف لك أن تمسك رقائق الخيوط البلورية المضيئة وتتحسس تدفق ذوبها في تلافيف أعماق الثقافة والنصوص التي تنتظر مصداقية حكم قضائك العادل فيها؟!
وكيف لك أن تعتمر العمامة وتفتي في مسألة فقه الإبداع والفن·· وأنت تجهل أبجديات الأصول الفنية والأدبية؟ لكم هي كثيرة تلك النصوص الواعدة التي تسللت إليها أياد بليدة وخنقتها في مهدها بعلم أو بدون علم!! فإن كانت بدون علم فتلك مصيبة·· وإن كانت بعلم فمصيبتها أعظم·· بل وكثيرا من التفاهات دفعها المسؤول الثقافي الى دائرة ضوء النشر والتبشير··· ونفخها بريح المدح والتمديح وهي غثاء أحوى!! لا يمكن أن يقاضي مبدع إلامن هو فقيه في الفن والإبداع صحيح أن باب الاجتهاد واسع ومضيء·· إلا أنه لا مفر عن القاعدة التي تحدد الفروع وتتأثر بها· لكم هي حساسة ودقيقة وخطرة ومعقدة مسألة الفن·· وأن مسؤوليتها ترتفع الى خطورة ودقة وحساسية تلك المسألة·· والذي لا يدرك ذلك أولى به أن يولي شطر ارتال الدجاج التي تبحث عن قوتها اليومي في النفايات·· وتثير الغبار بأرجلها ومناقيرها على قارعة الطريق· |