| ..حتى إن دولاً مثل فرنسا، راحت تدق ناقوس خطر القادم من التموجات الاقتصادية والجغرافية والسياسية التي تذر قرن تشكلاتها اللاحقة على الكرة الأرضية جراء ما تم وما يتم وما سيتم من مستجدات ومتغيرات وتحولات عاصفة تثير قلق الشعوب والأمم تجاه تكنولوجيا الاتصالات الجديدة التي قادت إلى نفوذ الأمريكيين في ترويج منتجاتهم وتسليع خدماتهم الثقافية والمعلوماتية على مستوى العالم والقيام بتقنين وتشريع سيطرتهم عبر المنظمات والنشاطات الدولية وترويض إرادة الشعوب وتزييف الوعي الوطني عبر امتلاك أدوات ونفوذ وفعاليات وسيطرة وتفعيل أجهزة إعلام عملاقة وإدارتها وفقا لسياسة "الازدراد" التي تحرك خيوطها أصابع دهاقنة المال في "وول ستريت"، وأمام ما تناضح على نار هادئة منذ الحرب العالمية الثانية في أتون صراعات وحروب ونهوض وسقوط تَفرد "العولمة" مائدة تكنولوجيا الاتصال الجديدة لتعطي الحق لأيادي "السادة" من وراء البحار لاغتصاب قوت شعوب الأرض وأممها!!
يقول : "جاك اتالي" الرئيس المؤسس للبنك الأوروبي للتعمير والتنمية وأحد كبار مساعدي الرئيس الفرنسي "الراحل" فرانسو ميتران في مقال نشر بالاتفاق مع جريدتي ــ "لوس انجليس تايمز" و"الشرق الأوسط" إن هناك خطرا كبيرا على القارة الأوروبية، إذا لم نقف نحن الأوروبيين صفا واحدا في مواجهة الهيمنة الأمريكية على تكنولوجيا الاتصالات الجديدة وسيطرة الأمريكيين الفعلية على الصور والرموز والمعلومات المعولمة، فإن ذلك سيدمر مصالحنا الأوروبية"
وفي سياتل بالولايات المتحدة الأمريكية تعقد في "نوفمبر" من الشهر الجاري منظمة التجارة الدولية مؤتمرها·· الذي يستهدف تحقيق ليبرالية التجارة في ما يخص قطاعات الانتاج الزراعي والخدمات وحقوق الملكية الثقافية والاستثمار·· وأحسب أنه عبر لوائح وبنود منظمة التجارة العالمية يأتي السؤال بداهة: مَنْ يبتلع مَنْ؟!
واحسب أن نزول فريق الدول النامية في ميادين تجارية واقتصادية غير متكافئة مع دول صناعية متطورة هو ما يحقق هزيمة تنافسية نكراء لهذه الدول التي ليس لديها العقول المؤهلة ولا السواعد الواعدة ولا آلية تكنولوجيا الاتصالات الحديثة!!
إن "اللّبرلة" الاقتصادية والتجارية المنوطة بمنظمة التجارة العالمية تعني منح الشركات الأجنبية حق الحصول على كل الامتيازات والدعم الرسمي والمحلي والقانوني·· لأن هذه الشركات الأجنبية ستتمتع بكامل الحقوق الموضوعية التي تتمتع بها هذه الشركات والمؤسسات المحلية الاستثمارية·· وستنتفي الفروق بينها وبين المنتجين المحليين·· أي أن الشركات الأجنبية بقواها ونفوذها وامكاناتها "ستتماهى" في عمق بؤس وضعف المنتجين الوطنيين·· وازدرادهما من الوريد إلى الوريد·· في مجالات الخدمات التجارية والمقاولات وقطاعات الفندقة والاتصالات والمصارف والنشر والترفيه والثقافة والنقل والتعليم والصحة!!
يقول "جاك اتالي": ينبغي حساب عواقب ذلك بدقة وعناية فما سينتج عنه لن ينحصر فقط في أن يقود الدول الموقعة على قوانين ولوائح منظمة التجارة العالمية إلى الغاء قوانينها وضوابطها لأسواقها وخصخصة كل القطاع العام بل سيقود أيضا إلى اختفاء الكثير من أدوات السيادة الوطنية ونهاية الأمن الاجتماعي والسياسي!
ذات مساء وأنا غارق في هموم كتاباتي·· هزّ بلطف كتفي أحد الأصدقاء قائلا: ولكن إلى متى وأنتم تطلقون غربان تشاؤمكم تنعق في سماء العولمة وفضاءاتها اللاحقة؟
ونحن في أمس الحاجة إلى بلورة وهزّ الكثير من الأنظمة والقوانين الوضعية·· والعولمة تشكل شيئا من "لبرلة" و"دمقرطة" و"مدننة" أحوالنا الاجتماعية وقوانيننا الوضعية!!
أدرك أنه غير مدرك بأن الليبرالية والديمقراطية والمدنية تُصبح زيف واقعها وأكذوبة بنيتها·· إذا لم تكرّس للتنمية وحرية الإنسان وحقوقه ووطنيته الثقافية وكرامة الوطن واستقلاله!!
وأدرك أنه لم يدرك - وهو المضغوط بأوضاعه - بأن الليبرالية والديمقراطية والمدنية تنتفي مصداقيتها عند توافر شروط اقتصادية وتجارية وإنتاجية غير متكافئة في مظهرها وجوهرها·· وإن عدم التكافؤ "المنافساتي" في السوق بين ما هو محلي وما هو عالمي·· إذا انضوى تحت لوائح وقوانين موحدة يصبح ذلك بالضرورة ضد الديمقراطية والليبرالية والمدنية·· وهو ما أكده "جاك أتالي" دون مواربة قائلا:
"إننا في نهاية الحرب الباردة ونحن نتطلع إلى التاريخ على أنه خلاصة انتصار الديمقراطية ونظام السوق، ولذلك فشلنا في أن نلحظ أن تلك اللحظة التاريخية تؤشر إلى بداية صراع السوق ضد الديمقراطية"· |